الواقع العربي… بين حبال الثورة ونبال الفوضى
يونس الحكيم
لعل أكثر الأسئلة إرباكا للطبقة السياسية العربية عموماً، هو: ما الذي حققته ثورات “الربيع العربي” بعد مرور ست سنوات على انطلاقها؟ وبالرغم من التباينات حول الأسباب التي أدت إلى انحدار الأوضاع، ومآلات التحول إلى القعر، إلا أن ثمة إجماعاً على ما تتعرض له المنطقة العربية من مؤامرات دنيئة وخبيثة، تستهدف تفتيت كيانها السياسي، وتمزيق نسيجها الإجتماعي. ويكاد يتفق الجميع على أن الأوضاع الراهنة ليست بأفضل حالاً مما كانت عليه قبيل انطلاق “الربيع العربي”، بفعل رياح التغيير التي انحنى أمامها البعض، وتكيف البعض الآخر معها بغية احتوائها، وسارع إلى امتصاص غضبها الشعبي بحزمة إصلاحات اقتصادية وسياسية، وتحوط منها البعض وعمد إلى نزع فتيلها في بعض البلدان خوفاً من انتقال الشرارة إليه، وبذل كل ما في وسعه من أجل إخمادها والقضاء عليها.
وعلى الرغم من أهدافها النبيلة والمشروعة، إلا أنها عجزت حتى اللحظة عن تحقيق الحد الأدنى من المطالب الشعبية، التي اختارت الحلول السلمية كوسيلة لتحقيقها. وبالتالي، سرعان ما تحول هذا الحلم العربي إلى كابوس، في كل البلدان التي عاشت مخاضاً عسيراً، حتى اختلطت حبال الثورة والتعمير بنبال الفوضى والتدمير، واستغل أعداء الأمة والمتربصون هذا التناحر، وعمدوا إلى صب الزيت على النار، واصطناع أعداء وهميين، مستغلين حالات الإنفلات الأمني والفراغ السياسي، ومن ثم أوعزوا إلى حلفائهم في المنطقة بتأييد هذا والتصدي لذاك، حتى صارت المنطقة برمتها مرشحة للاشتعال طال الوقت أو قصر.شعار التغيير سرعان ما ارتد وتحول إلى موجات ارتدادية عنيفة
وعنصر المفارقة هنا، أن ربيع الثورات في المنطقة، ورغم صدق توجه أصحابه في السعي نحو إحداث تغيير حقيقي في الأنظمة العربية، واستبدالها بأنظمة أخرى من صنع الشعوب، وهذا هو فحوى التغيير، إلا أنهم وقعوا في الفخ، حينما استعانوا بدول الغرب لمساعدتهم في إحداث التغيير، وإسقاط الأنظمة التي يتهمونها بالعمالة والولاء للغرب، وهم في الوقت نفسه يقدمون أنفسهم كبديل للأنظمة الحاكمة ويتوددون للغرب من أجل ذلك. الأمر الذي مكن الغرب من ركوب موجة “الربيع العربي”، وحرف مسارها، وتخدير شعوبها بشعاراته الزائفة، التي لطالما روج لها وأنه معها، وهذا كان أحد أبرز الأخطاء الكارثية التي وقع بها دعاة التغيير وشعوب “الربيع العربي”. إذ من غير المقبول منطقياً أن ننشد الحرية والعدالة ممن هم أعداؤنا، أو أن نطلب منهم مساعدتنا في ذلك. ألم نعلم أن الغرب لا يريد لنا الخير إطلاقاً، فلماذا لم نع هذا؟ كيف ننجر أمام شعاراته الزائفة، مع قناعتنا أنها فعلاً زائفة؟ حتى وإن ساند ووقف بجانب بعض الشعوب العربية ظاهرياً كما بدا للبعض، لكنه لن يتوانى لحظة واحدة عن توظيف ذلك لخدمة أجنداته، وتمرير مخططاته.
خلاصة ما يمكننا قوله، أن شعار التغيير الذي قادته الشعوب المتعطشة للحرية والكرامة سرعان ما ارتد وتحول من زلزال فجائي لضرب عروش الأنظمة الحاكمة بطاقة كامنة، إلى موجات ارتدادية عنيفة، وبلا حصيلة نهائية، ما زالت تتوالى تباعاً. فكم من مدن دُمرت فوق ساكنيها! وكم من دماء سُفكت! وكم من أسر هُجّرت من مدنها وقراها! فمن يقتل من؟ ومن يهجر من؟ لم كل هذا الدمار وهذا الخراب؟ ولمصلحة من؟ لقد غدت أوطاننا مدن أشباح. تركنا عدونا الحقيقي وهرول بعضنا نحوه لاستجدائه. فأي ذنب اقترفنا حتى ابتلينا بهذا الواقع المرير؟! وتعترينا الدهشة أكثر، حينما يتردد على مسامعنا أن هناك أطرافاً عربية تمارس ضغوطاً كبيرة على دول غربية لإقناعها بتصنيف بعض من التنظيمات الإسلامية كتنظيمات إرهابية ينبغى اجتثاثها، فأي مستوى من الإنحطاط بلغ هؤلاء؟!