عندما تكتب عن الفقر والفقراء على أرض الكنانة تتدافع عليك كل مشاعر الحزن والألم، وتتداعى إليك كل كلمات البؤس والمرارة، مما يرهقك فى اختيار العبارات وتلمس المعانى، فرغم أن مصر تمتلك العديد من المقومات الاقتصادية وتنوع ثرواتها أكثر من غيرها من دول العالم فهى تعانى من وجود طبقة عريضة من الفقراء والمهمشين، الذين يعانون أشد المعاناة فى الحصول على مقومات حياتهم المعيشية من مأكل وملبس ومسكن وعلاج ليس إلا، فإذا تجولت فى أرض المحروسة تجد طبقات من الفقراء تتشح بالبؤس وتنزوى تحت الآلام، تتساوى لديهم مشاعر الحياة مع مشاعر الموت، منهم السائلين وقاطنى الأرصفة وأطفال الشوارع والملاجئ وفقراء المناطق العشوائية والقرى الأكثر فقراً وساكنى القوارب والعشش على ضفتى النهر الخالد، والأكثر من هؤلاء شقاء هؤلاء الغارمين بالسجون بسبب عدم مقدرتهم على سداد ديونهم التى استدانوها للصرف على متطلباتهم الأساسية فدخلوا دائرة العقاب المهين، والأكثر من كل ذلك مدعاة للحزن والألم هؤلاء الذين أقدموا على الانتحار فتخلصوا من شقاء حياتهم بطريقة قاسية مفضلين الصدمة والآلم ليشقوا طريقهم إلى الموت الشنيع، وهناك طبقة من الفقراء لا يشعر بها أحد هؤلاء الذين “يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا” هؤلاء الذين تحجبهم الجدران وتغطى على معاناتهم مظاهرهم التى يتكلفونها فيتحملون آلام الفقر مضاعفة دونما شكوى أو ضجر.
ومما يزيد من معاناة هؤلاء جميعاً اقتران الفقر بالجهل والمرض فيتوجع مرضاهم من آلام لا يقوون عليها ولا على مصاريف علاجها، يدفعون بأبنائهم إلى العمل الشاق فى مهد طفولتهم ليساعدوهم على تدبير نفقات معيشتهم وهم يعتصرون عليهم حزناً وألماً، ومما يزيد اصطلائهم وجود المغريات من حولهم تعج بكل ألوان البذخ والترف من سلع رفاهية عصرية وأبنية ومنتجعات فارهة يقتنيها الأغنياء ولا يظفرون منها إلا بالرؤى من بعيد فيترك فى نفوسهم المرارة ويطبع على ملامح أوجه أطفالهم الحسرة والمذلة.
هذا وقد أشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فى بداية العام 2014 إلى ارتفاع نسبة الفقراء في ريف الوجه القبلي من 43.7% عام 2009 إلى 49.4% عام 2013، كما ارتفعت في حضر الوجه القبلي من 21.3% عام 2009 إلى 26.7% عام 2013، وكذلك ارتفعت نسبة الفقراء في ريف الوجه البحري من 16.7% عام 2009 إلى 17.4% عام 2013، وارتفعت في حضر الوجه البحري من 7.3% عام 2009 إلى 11.7% عام 2013، وجاءت محافظة أسيوط كأكثر المحافظات فقراً، حيث بلغت نسبة الفقراء بها 60%، ثم قنا 58%، ثم سوهاج 55%، والأقصــــر 47%، وجميعها تقع فى صعيد مصر.
وتشير الإحصاءات أيضا إلى ارتفاع نسبة الانتحار بسبب الفقر، فقد رصدت صحيفة لوس أنجلوس تايمز الأمريكية فى بداية العام 2009 ـ بناء على دراسات إحصائية ـ تزايد حالات الانتحار في مصر، وأرجعت هذه الظاهرة إلي أسباب انتشار الفقر والبطالة في المجتمع المصري، مشيرة إلي أن حالات الانتحار ارتفعت من 1160 حالة في عام 2005 إلي 3700 حالة في 2007 إلي 4200 في عام 2008. أى أن حالات الانتحار فى تصاعد مستمر.
ويعود وجود الفقراء والمهمشين فى مصر إلى أسباب عديدة من أهمها عدم توزيع الثروة بين طبقات المجتمع بطريقة عادلة حيث تشير التقارير الإحصائية إلى أن نسبة قليلة تمثل 1% من سكان مصر تمتلك 48.5% من ثروة البلاد تقابلها فئة عريضة من المعدمين تمثل 20% من السكان لا يمتلكون سوى 0.5% من الثروة ذاتها بينما هناك فئة العشرين بالمائة الأكثر غنى يمتلكون حوالى 90% من ثروة البلاد، وتعد مصر ثامن أكثر دولة فى العالم تتفاوت فيها مستويات الثروة بين الأفراد بحسب تقرير الثروة العالمى 2014 الذى أعده بنك “كريدى سويس”، وبينما يوجد هذا التفاوت الكبير فى الثروة يفتقد التكافل الاجتماعى بين طبقات المجتمع بصورة واضحة وبخاصة فى العقدين الأخيرين، زد على ذلك ما سببه الفساد إبان الحقبة الماضية والاستيلاء على أملاك الدولة وظهور البطالة والزيادة السكانية العشوائية وغياب الإدارة والتخطيط السليم وسوء التشريعات وسيادة الروتين وغياب الوازع الدينى لدى الكثيرين، كل هذا صب فى بوتقة الفقر والفقراء فأجج نارها التى اكتوى بها هؤلاء البائسين.
ولو تناولنا ما شرعه الدين الحنيف فسوف نحتاج إلى مقالات عدة، ولكن تجدر الإشارة باختصار إلى قول الله تعالى: “يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم” وقول الرسول الكريم: “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به” كما قال: “وَالصَّدَقَة تُطفِىء الخَطيئَة كَمَا يُطفِىء المَاءُ النَّارَ” فليتصدق الأغنياء مما أفاء الله عليهم، ولتعلم أيها المقتدر أن صدقتك قد تحيى ميت أقدم على الانتحار بأمر الله، صدقتك قد تخرج غارم من محبسه ليعود إلى أهله، صدقتك قد تخفف آلام مريض يعانى قسوة المرض، صدقتك قد تلم شمل أسرة انهارت وتفرقت أو كادت، صدقتك سوف ترسم الفرحة على شفاه طفل شقى، واعلم بأنه لا ينقص مال لصدقة، وأن الله سائلك عن مالك يوم القيامة من أين اكتسبته وفيم أنفقته.. فابذل العطاء بيمينك بما لا تعلم شمالك.
وعندما نريد مكافحة الفقر فى البلاد يجب العمل على:
ـ زيادة مخصصات الدعم المالى والعينى للفقراء ورفع إعانات الضمان الاجتماعى لتحقق المستوى لهؤلاء المحتاجين.
ـ إعادة تأهيل وتدريب ومحو أمية الفقراء وتوفير فرص عمل ومشروعات صغيرة مناسبة لهم .
ـ نشر ثقافة الصناعات المنزلية والحرفية بين طبقات الفقراء ومدهم بالخامات والتدريب العملى والقروض الحسنة .
ـ دعم دور الأيتام والمسنين ومؤسسات الرعاية الاجتماعية التى تقدم لهم الخدمات الإنسانية.
ـ التوسع فى بناء المساكن الشعبية والاقتصادية والاهتمام بالمرافق والخدمات الموجهة للفقراء.
ـ دعم المناطق العشوائية والقرى الأكثر فقراً بكل وسائل الرعاية المتاحة وإعادة تخطيطها وتنظيمها..
ـ نشر الوعى الدينى وثقافة التكافل الاجتماعى وإخراج الزكاة للفقراء وإعالة الأسر الفقيرة بين الناس.
ـ توفير العلاج المجانى للفقراء وتحسين الخدمات الصحية المقدمة لهم والتوسع فى العلاج الجراحى والباهظ التكاليف على نفقة الدولة لغير القادرين.
ـ تشجيع أبناء الفقراء على التعليم ومنحهم حوافز مالية وعينية ومنع عمالة الأطفال المبكرة.
ـ القضاء على الفساد والروتين المعطل لمصالح الفقراء وفرض ضرائب تصاعدية على الأغنياء.
ـ تشجيع الصناعات الحرفية والمحلية وحمايتها والحد من الواردات من السلع الترفية والغير ضرورية.
ـ مواجهة البطالة بصفة عامة بالتوسع المستمر والمشروعات الكبرى وكثيفة العمالة واستصلاح الأراضى الصحراوية واستعلالها بكافة طرق الاستغلال.