العامية المصرية بين الثبوت والتطوير

( قراءة في ديوان ( ما حبتنيش ) للشاعرة إلهام عفيفي )

**********
متابعة / إيمان الحملي
كتب الكاتب والناقد الأدبي الدكتور / رمضان الحضري مقدمه
في قراءة في ديوان ( ماحبتنيش) للشاعرة إلهام عفيفي وعلق كما يلي :

انتبه المفكرون والفلاسفة العرب القدماء لأهمية الشعر في الحياة ، فربط الجاحظ والفارابي وابن سينا وابن مسكويه وحازم القرطاجني وغيرهم بين الشعر ووظيفته في المجتمع الذي نتج فيه ، حيث يقدم الشعر تجارب وشعورا وحكايات وحكمة وتربية وأخلاق بقصد تغيير الفكر الخاطئ ليصبح
فكرا صحيحا ، وأعلن الفارابي في أكثر من موضع أن الحياة لاتصلح بدون الشعر ، فالشعر نصرة للمظلوم وفضح للظالم ، وتقريب للمحبوب وسلوى للغريب ، ومخفف للألم ومقدم للحكمة المنغمة ، وكان العرب يستخدمون الشعر في الحرب كسلاح قوي ضد الأعداء يستذلهم ، ومع مقاتلي القبيلة يرفع قدرهم ، ولأبناء القبيلة يربيهم على حسن الخلق وحب العلم .
فإذا لم يتحمل الشعر مسئولياته فلاجدوى ترجى من كتابته ، وهذا يجلي الفرق بين خلود نص وموت نصوص ، وخلود شاعر وموت مدعي الشعر ، فحينما يأخذ الشعر مفردات الحياة اليومية في المجتمع يصبح صورة حية لهذا المجتمع ، حتى لو تغير المجتمع يظل الشعر صورة تحفظ الماضي أكثر من الصور المرئية من خلال الكاميرا ، حيث إن الكلمة تظل تحمل روح قائلها أكثر من الصورة بآلات التصوير.
هذا مدخل للحديث عن ديوان “ماحبتنيش” من شعر العامية المصرية للشاعرة إلهام عفيفي، حيث يجئ في تسع وعشرين قصيدة بالعامية تتنوع بين شعر المناسبات والشعر الوطني والشعر الرومانسي، ويغلب على الديوان الشعر الاجتماعي، إدراكاً لأهمية الشعر في المجتمع باعتباره يعبر عن محصلة الأحداث الاجتماعية، وهذه المحصلة يقصد بها مراقبة عجلة سير المجتمع في الأسرة والصداقة والأخلاق والحوار.
فالشاعرة تستخدم الكلمة العامية الموزونة على تفعيلات الشعر العربي لتكون أرضية متسعة لطرح وجهات نظر متعددة، وتتجلى الثمار في متناول العين واليد من خلال نصوص لا تتقعر فيها الكلمة ولا تهزل، ولكنها دوما ما تتوسط لتعبر عن حالتها، التي ترمز لحالات سائدة في قاعدة المجتمع، وهذا هو الفرق بين الشاعر الذي يعد نبضات القلب، وبين الشاعر الذي يتصور ويتوهم منفصلا عن الواقع، وهذا ما يبين كيف استطاعت الشاعرة أن تحصي نبضات قلب الشارع المصري وتتناول مشكلاته، وبخاصة تلك المشكلات التي تتعلق بالحياة الأسرية في أدق تفاصيلها، وإذا كانت الشاعرة تتناول هذه المشكلات فلابد أن تكون حريصة على تقديم التوجهات المختلفة وبيان الأعراض وذلك في غلاف لغوي شفيف سهل التناول ومتين قوي التأثير.
تقول الشاعرة في مطلع قصيدتها “ماحبتنيش” وهي القصيدة التي أخذت عنوانها ليكون عنوانا للديوان، بل وتجعلها في مطلع الديوان كبداية للدرب وتوضيحاً للاتجاه وكأنها تقول إن للشعر وظيفة عندي وهو إصلاح المجتمع وتكوين شخصية الأفراد على النموذج الإنساني الصحيح:
وراجع ليا من تاني
بتسألني صحيح فاكراك ؟
انا فاكرة وكنت أتمنى لو انسى
انا فاكرة
ف اول يوم
عجبني صدق تمثيلك
وصدقتك وطول الليل وانا باحلم
اكون ملكك وبادعيلك
وكنت اتمنى اكون الزيت ف قنديلك
وكان نفسي الم الكون ف منديلي وأديلك
رسمت حياتي ضلاية على رمشك
وكنت اتعشى من طيبتي وابلع لقمتي بغشك
وتهدمني وانا بابني حيطان عشك
ما كنتش عارفة انك بحر بيغرّق
وانا عايشة
ودلوقتي عرفت الفرق
عرفت انك ما حبتنيش ولا لحظة
وباحلف صدق
*********
يبدأ التشكيل النصي قبل بداية النص، فهناك حادثة لم تذكر يفهمها القارئ من قول الشاعرة “وراجع ليا من تاني”، فهناك حادثة بعد وما دار في البعد لم يكن مناسباً لها كسيدة في مجتمع ولذا فهي مضطرة أن تفسر للقارئ وللراجع أسباب المشكلة، وهذا بناء طريف في النص العامي المصري، حيث إن الكلمة ثنائية فهناك متحدثة في النص وهناك مستمع أساس وهو المتحاور إلى جانب المستمع الافتراضي وهو القارئ، وتنفرد الشاعرة وكأنها خطيب يلقي درسه على مجموعة من الناس في شكل تصويري ميسر للقارئ من سن حديثة وحتى سن الرجولة، وكأنها تكتب على بناء نفسي واجتماعي في ذات الوقت، فهي تعي الرسالة، وتصر على التبليغ.
ويحتوي الديوان على نصوص متنوعة، لكل نص أسلوب في التناول يتناسب معه، ولكل قصيدة شكل في التعبير يقدم دلالة ما، ويتماوج الوجدان هبوطا وارتفاعا، وحزنا وخوفا واتساعا وضيقا حسب وجهة النظر التي تريد أن تقدمها الشاعرة.
فالشاعرة تصر على أن تكون البؤرة الشعرية -إذا صح التعبير- مسلطة على قضايا المرأة في المجتمع، المرأة (المواطنة المصرية والزوجة والإبنة والأم والأخت والحبيبة)، وكأنها نذرت حروفها للدفاع عن قضايا وطنها وقضايا بني جنسها.
شكرا للشاعرة التي منحتني هذه الفرصة للاطلاع على الديوان قبل النشر، والتي قبلت قراءتي له.
***************
د. رمضان الحضري
القاهرة في 27/11/2019م

Related posts