العالم والوباء

العالم والوباء

كتبت شيماء قنصوة

بسم الله والصلاة علي أشرف خلق الله النبي المبعوث رحمة للعالمين…أما بعد
العالم قصة الكون الفسيح فمن يخطئ في ذات الكون وسننه فعليه أن يتحمل العقاب ، فإن لذات هذا الكون إله عظيم يدبر الأمر من فوق سبع سموات ، ولا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ، ولا تخفي عليه خافيه ، فالكون بأكمله ومن عليه مِلك لله يفعل به وبنا ما يريد ويشاء
فحين يقوم الإنسان بتغير مهامه لله وتعربد أخلاقه يغير الله عليه الأحوال ، ومما لاشك فيه يُريه الله قدرته علي كل شئ ويخبره عن حجمه الضئيل ، فالله ناداه بالإنسانية والتكريم وما كان الإنسان أمام نعم الله وإكرامه إلا كالوحوش المفترسه ينهش بعضها بعضا دون احترامٍ لذات الله وألوهيته وأن الكل راجعٌ إليه ليوم الحساب ، فلا خافوا الله في أنفسهم ، ولا احترموا شعائر الحق والأديان ، فكلٌ يمشي ويخطو علي هواه ، فأنا أري وجود الداء والوباء الذي ملأ العالم فزعاً ورعباً وانتشاراً إلا أنه مقترنٌ بتعربد أخلاق الإنسان ، ونسيانه وجوده الحقيقي في هذه الدنيا
فقد قال الله سبحانه وتعالي “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ” فهل جميعنا يخضع لله ويستجيب ؟
فهل نحن نسير في هذا الكون الفسيح كما أراد الله لنا وفرض وخلقنا لأجله ؟
وهل حمدنا الله يوما وشكرناه علي نعمة العافيه ونعمه الكونيه التي لا تعد ولا تحصي ؟
وقد خلقها الله جميعها لسعادة وسعي الإنسان؟
الحقيقه إن هذا العالم أنكر نعم الله وشُكره ، وتكبر وتجبر علي خالقه الأعظم ، فمنهم من صرخ وقال لا يعجزنا أن نوقف ما اتخذناه قرارا !! ، ومنهم من غَره حلم الله وإمهاله! ، ومنهم من قتل وسفك وظلم ، وسرق ، ومنهم من أكل لحوم الناس وحقوقهم بالباطل ، فالحقيقه نحن معشر المسلمون نعيب علي الغرب أكل الحيوانات المفترسة ومما لا يصلح أكله ، وقد تناسينا أنفسنا ونحن نأكل كل يوم بعضنا بعضا ، ونشرب من دماء بعضنا بعضا ، ونقطع جذورنا وأرحامنا ، ونعوق أمهاتنا وأبائنا ، ونخوض في الأعراض ونمشي بالنميمة والغِيبة وننظر بعضنا بالبغضاء والحقد والكراهيه
فأخبروني من هذا العالم عن أناسٍ لا يخطئون ، فالقضيه ليست في هذا الوباء (كورونا) أن يصيب كافر ولا يصيب مسلم ، فقصة هذا تخبرنا أن الأرض ومن عليها ملك لله فالمشرك والكافر والمسلم أمام وباء العالم سواء ، فجميعهما أخطأ في حق الإنسانيه وملأوا العالم سفهاً وقتلاً وتشريداً ونسيوا قدرة الله علي وحشيتهم البريئه من عالم إنسان
فإن لم يعترف بعض الخلق بوحدانية الخالق وقدرته فهم عباد الله خليقة الله والله مقرٌ بذلك ، والمسلم إن إعترف بوجود الله ووحدانيته فعليه الإيمان والإقرار بالعمل وألا يُخطئ ويخرج عن صواب الإنسانيه التي طالما حظيَّ بها في صفاته ومعاملاته فهو يحافظ علي سلامة هذا الكون من الهلاك والإنهيار
فالعالم بأسره ملك لخالقه يفعل به وبنا ما يشاء ،
فالله بهذا يبتلي الناس أجمعين لينذرهم يوم التلاق ، وأن يفيقوا من غفلتهم وحتماً سيخضعون جميعهم ويقف الجميع بين يدي الله ، الله يسأل والعبد يجيب ، فالله ينذر بغضبته وقوته علي هلاك العالم بفيروس بسيط لا تري حجمه ولا تسمع صوته ، ولا رعدا ولا برقا ، ولكن الأذهل في ذلك أن الله غضبته في هذا الفيروس تنذر بقوته وقدرته علي هلاك العالم أجمع ، فأرسل الرياح والرعد ، والبرق ، والعواصف وغزارة الأمطار كله في آنٍ واحد ، وما ندري أهي بالفعل نهاية العالم وتكون الصاعقه “يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلقٍ نعيده “
أم ستكون هي الكاشفه والمغيرة الأحوال والأهوال من حال القهر والظلم إلي حالة الإنسانية في داخل كل إنسان ؟ لنبتهج جميعاً بكشف الغمة وإزالة الداء ، ولنخرج من حالة الغربة والتيهة إلي حالة وجود الله في قلب كل مؤمن وكل إنسان ليهنأ بالسعادة والإستقرار بالعودة إلي خالقه ، فالحقيقه كشفت لنا المحنه أن الإنسان هو الذي نسيَّ الله واتبع صفاته الوحشيه فأراه الله قدرته فأصبحنا مع هذا الوباء نعرف قدر الله ونعرف حجمنا فمن يتحدي الله يُرِي العالم اليوم قدرته المزعومه والمزيفه ، فاليوم شبيه بيوم الإنتهاء حين لا يكون إلا الله فينادي في ملكوته وعليائه “لمن الملك اليوم لله الواحد القهار “
بهذا الفيروس علمنا جيدا مدي احتياجنا لرحمة الله ، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه ، وأن لا فزع من خوفٍ إلا أمانا بالله ، ولا نجاةً من مرضٍ إلا برحمة ورضوان الله ، فاليوم والأمس وربما كثير من القادم يكون أمرنا سكناً بخلوة الله والتضرع والتوسل إلي الله ليكشف عنا العذاب ، فمن الأنفع بنجاتنا وسلامتنا التضرع والدعاء والإستغفار… حيث يكون حالنا كالحور المقصورات في الخيام ، ورجوع البشرية إلي عالم الإنسان والإعتراف بقدرة الله وعظمته والتبرء إلي الله من كل كبرٍ وعربده أو ظلمٍ للضعفاء والمساكين ، فالله أمر بالإحسان والتقوي ، وهذا المتعربد اليوم لا ينتقي غير الضعفاء وقليل الحيلة ليري نفسه وأطماعه وتعربده في ذات الضعيف ونسيَّ قدرة الله ، فحين الرجوع إلى الله يُشفق الله علينا ويحتوينا بعطفه وحنانه فيغفر لنا وينظر قرآناً تلوناه وابتهلنا به لرفع الغمه ، وليس لنا مصير للنجاة غير القرآن وكثرة الإستغفار والتخلي عن قهر وظلم العباد
حيث قال الله سبحانه وتعالي “وما كان الله ليعذبهم وهم يستغفرون “
ولكن علي المؤمن دائماً أن يتفاءل برحمةِ الله وعظيم إحسانه وفضله ، وأن الله غفور رحيم ولن يهلك العالم بِسَنَةٍ عامه ولن تقوم الساعه إلا علي شرار الخلق
فكثرة اللجوء إلي الله والإستغفار والأعمال الصالحات تخرجنا من هذا العذاب إلي فضل الله ورحمته ورفع عنا العذاب ، “ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون”
فإيماننا بالله شئ عظيم يحفظ علينا السلامة وينجينا من الهلاك والأوبئه ، فمنذ زمن ليس ببعيد والله يرسل لنا غضبته وكثير من إنذاره وتحذيره لنفيق جميعا ونعود إلي الإنسانيه الكريمه التي فطرنا الله عليها وسخر لنا هدوء وجمال الكون ونعمه الخيره من أجل هناء واستقرار الإنسان ، فأصبح اليوم الإنسان غريب الصفات وقاسي القلب لدرجة الجحود والهلاك ، ولا مانع
 عنده أن يريق دماء وقلب ووجود أخيه الإنسان في هذا العالم ، فكثير من الناس يُقتل ويَقتُل في أتفه وأبسط الأمور والأشياء ، وتنتشر المنازعات والخصام والفجور وسميها أنت ماشئت ثورات أو مظاهرات ، أو مشاحناتٍ عائليه ، أو مجتمعيةٍ عنصرية بالبغضاء والكراهيه ، والله يرسل لنا غضبته وإنذاره في تقلب الكون وبعض هزاته من الزلازل والبراكين ، والعواصف وحدوث التسونامي وكثرة الأوبئة وانتشار ، وما يزال الإنسان في أخلاقه التي لا يرضي عنها الله مع أخيه الإنسان وأصبحنا في غفله وبيننا وبين الله بُعدٍ وجفاء ، ولكن هذا الوباء يختلف عن كل شئ فينتشر بسرعة ويميت الناس بسرعه ولا يخبر من خلفه غير بقدرة الله علي الهلاك وغضب الله علي بشرية هذا الكوكب العظيم فحين يتعمق الإيمان قلوبنا ينجينا الله من كثير المهالك
حيث قال الله في كتابه العظيم الشامل
“ولو أن أهل القري ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون “
فالله سبحانه وتعالي سلط هذا الداء علي سلامتنا ليفجعنا ويخبرنا أن هذه غضبة الله مما كسبت قلوبنا ،
“وإن عدتم عدنا”
فإن عادوا وأنابوا ورجعوا لخالقهم واتقوا لعاد الله عليهم العافيه والسلامة وجميل الإستقرار والطمأنينه ، فلا الخوف ولا الفزع ولا اليأس ولا الحزن هو السلامة والحل ، فكما خضع الكون لخالقه واستجاب بما أمره بالرعد والبرق والزلازل والعواصف والسيول وغزارتها والأوبئه والأمراض فعلينا جميعاً الخضوع لله والإعتراف بتقصيرنا ومعاصينا وفجورنا ونتوب عن كل هذا وذاك والندم وكثرة الأعمال الصالحات حتي يجري الله لنا سحائب الخير ، وأمطار العافيه ، وأنهار الأرزاق علي عالَمُنا وكوكبنا فتهدأ أنفسنا وتعرفنا العافية والنجاه فتشرق شمسنا من جديد ، ويترعرع نبتنا بحبٍ وسلام ، وتهدأ قلوبنا بنورٍ واطمئنان حتي ننتقل إلي تشقق السماء وهطول خيرها وبركاتها لترتسم لنا خيرا وجمالا وورودا فحينها فإذا هي وردة كالدهان تتفتح لنا بالسلامة والأرزاق والخير يعم الكوكب أجمع ويستقر كل ذات إنسان ، فغضبة الله تخبرنا أننا لا أدينا شكر الله ولا قدسنا عظمته وقدرته ، ولا احترمنا شدته وغضبته ، فحين ركوعنا وسجودنا وشكر الله وحمده علي نعمة العافيه ونعم الكون العظيمه التي جميعها مسخره لإكرام الإنسان يبدل الله لنا الأحوال من الأجواء السيئه إلي الأجواء المملوءه بعظم وكرم وحنان الله
فلا تيأس أن تكون مع الراكبين مركب السلامة ، وسفينة النجاه ، لتعتصم بالقوي القدير الذي إذا أراد لشئٍ أن يقول له كن فيكون ، فهو القدير الذي لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء ، لعل الله ينجينا جميعا ويرفع عنا البلاء ، فلا تتردد أبداً أن تكون من صفوف مغيرين همجية العالم من الضجة والوباء إلي السلامة والإستقرار …كن مع الله وأحسِن الأعمال وادعوا الله كثيرا بإزالة الغمة والوباء

Related posts