متابعة / إيمان الحملي
مقال بقلم الدكتور الناقد الأدبي / رمضان الحضري
يدري القارئ أنني سوف أبدأ مقالتي بتعريف الوهم ، فالوهم هو اعتقاد خاطئ
يؤمن به المرء بقوة ، ولاتوجد أدلة على هذا الاعتقاد ، مما جعل علماء النفس
يعتبرون أن الوهم ( مرض عقلي ) ، فهو نوع من الوسواس اليقيني لدى شخص
من الأشخاص ، فربما يكتب شخص كلمات ويظنها شعراً أو مهمة للغاية ، وهي تعبر
عن جهل مدقع ، وغباء مفجع ، فحينما يقول قائل :
( أنا إلهُ الجنسِ والخوفِ وآخرُ الذكور
أظنها التقوى وليس الخوفَ أو أني أرد الخوف بالذكرى
فأستحضر في الظلمة آبائي وأستعرض في المرآة أعضائي
وألقي رأسيَ المخمور في شقشقة الماء الطهور
تركت مخبئي لألقي نظرة على بلادي
ليس هذا عطشاً للجنس إنني أؤدي واجباً مقدساً ) .
**********
فهذه السفاهة منشورة في ورق كان أبيض ناصعا ، فأصبح ورقا آثما إثما مفجعا
فالكلمات تدل على واهم بالكتابة وموهوم بالشعرية ، فأصابه الوسواس باعتقاد خاطئ
لايملك دليلا عليه ، هو سفسطة أو محاولات إيهام نفسه ومن حوله ومن تبعه من الأراذل وعديمي الفهم أن هذا شعر جديد .
وحينما يقول الروائي / صفاء محمد في روايته الأولى ( ملائكة الرماد ) : _
أبي ( لم يمتلك من حطام الدنيا غير مايتسع قليلا عن موطئ قدميه ، تلك الدار المبنية من الطوب اللبن ، سقفها السماء مع بضع من الأخشاب ، وأرضيتها من طين الرضا المبخر برائحة العزة والشمم ، وبضعة قراريط يمتلكها من الأرض الزراعية وأخرى يستأجرها في الوقت الذي كان الإقطاعيون ي يستحوذون على الماء والهواء ، يعتاش منها ويتغلب على مصاعب الحياة وهزائم الدهر المتوالية ) ، الرواية ، صـ 67 .
وقد قدمت هذين النموذجين ليدرك القارئ الفرق بين كاتب يكتب بالظلام ويتوهم أن حروفه السوداء تتضح في الصفحات المظلمة بروحه ، وبين كاتب يكتب بالنهار فتلمع حروفه في صفحة العقل لتقدم فكرا نافعا ، ويزين معرفته بجماليات تصويرية مذهبة ، فتدخل قطعة النثر وكأنك في بستان لرجل أعمال فرنسي ، ورث حضارة الجمال فزين بها خصر قصره .
هذان النموذجان يمثلان الفرق بين الواهم والفاهم ، فالواهم يتصور ولا يمكن للواقع أن يبني له عشا على تصوراته ، بينما الفاهم يرسم صورة على ورقة فترى الأنهار فائضات بين بين السطور ، وتشم من كلمات الورود رائحة العطور .
فالنص الأول هو نموذج للوهم ، والنص الثاني الذي كتبه صفاء محمد نموذج للوعي والفهم وهما مابني الأدب عليهما منذ البدء .
ويتوهم كاتب النص الأول أن ماكتبه يدخل في باب الشعر ، ولم يفهم حتى اللحظة كلام العقاد له منذ عام 1962م ، حينما قال العملاق الجبار عباس محمود العقاد لكاتب هذه المفردات : _ يابني كلامك هذا لايصلح شعرا ولا نثرا .
بينما جاء النص الثاني وصفا في رواية ، فهو جزء من السرد ، فجاءت لغته صحيحة غير مريضة ، وخصبة وليست بورا ، وأدبا وليست وهما ، وتصويرا وليست تنفيرا ، ومن يقارن بين النصين لغة سيعرف أن النص الأول يدعو للسفاهة والخلاعة والمياعة ، بينما النص الثاني يدعو للفخر وعلو الهمة وسموق المطلب وحسن الخلق .
والأدب في لغتنا العربية يعني جملة المعارف من فنون اللغة قديما وحديثا ، وجملة المقومات التي ينبغي على كل ذي حرفة أن يتصف بها كأدب الكاتب وأدب القاضي وأدب الجندي وأدب الطالب ، ولذا احتوى مفهوم الأدب عند العرب على تعليم وتربية وتهذيب وفهم ووعي وإدراك ومناظرة وحسن خلق ، فحينما نقول المعلم أدَّبَ تلاميذه فيعني أنه قام على تربيتهم وتعليمهم وتقويمهم وحتى عقابهم ، وهذا ما يجعلني دوما أقول ( إن الأدب حياة ) .
وهنا أقدم للقارئ نصا للشاعر العبقري / عبدالعزيز جويدة يقول فيه : _
*************
في وَحدتي
أحتاجُ لامرأةٍ
لأنثى تستفزُّ الشعرَ عندي
ثم تَقتُلُني حنينْ
أحتاجُ لامرأةٍ تسافرُ داخلي
لأموتَ شكًا ثم يَقتُلُني اليقينْ
إياكِ أن تتصوَّري أني أُحبُّ حبيبتي كلآخرينْ
إياكِ أن تتصوري أن المشاعرَ لحظةٌ عندي تَفورُ
وتنتهي أو تَستكينْ
يا ألفَ مُرغمةٍ أحبُّكِ ليسَ لي في الحبِّ قصدٌ أو سبيلْ
أنا كلُّ شُريانٍ تفجَّرَ داخلي هو في الحقيقةِ ألفُ نيلْ
أنا ما عَشِقتُ الليلَ قبلَكِ صَدِّقي
لكنني أدمنتُ بعدَكِ كلَّ ليلٍ أدمَنَ السهرَ الطويلْ
أنا هاربٌ مِن كلِّ شيءٍ نحوَ حبِّكِ دَثِّريني
مِن عذاباتِ الهوى وتَبسَّمي يا مُنيتي صبرٌ جميلْ
في وَحدَتي
أحتاجُ لامرأةٍ لأنثى لا تُفارقُني هنا حتى أموتْ
أحتاجُ لامرأةٍ أُحسُّ دَبيبَها نارًا وتُشعلُ داخلي بردَ السكوتْ
أحتاجُ لامرأةٍ تُحبُّ بقلبِها وبعقلِها وبحِسِّها وإذا أحبَّتْ تَصنعُ الملكوتْ
**************
الشاعر في زمن الميكيافيلية يبحث عن حب حريري يأخذ كل شيء ولا يطلب
الشاعر منه شيء ، هو الفهم لوظيفة الشعر ، الشعر موجه للأمم ، يعطي الجماليات
بطريقة شرعية للكلمات ، وأقصد هنا بالطريقة الشرعية تلك الطريقة التي تقدم وعيا جماليا يكسب المجتمع رؤية عقلية يمكنها أن تغير سلوكيات هذا المجتمع ، وبعبارة أخرى الشاعر يقدم مثالية جديدة في الحب تختلف عن رؤية المعاصرين له ، الذين يرون أن الحب أخذ وعطاء أو العكس ، هو يريد أن يقدم للمجتمع فكرة أن العطاء دون انتظار الرد أو رد الفعل إنما هو نوع من الحب الأسمى ، هذا ما أفهمه من النص ، لكن تقديم فكرة مفهومة لاتكفي لإقامة نصا جماليا ، فاعتمد الشاعر على جماليات الحكي والتصوير ، وتتابعات الموسيقى وحروف النهاية ، والوقف بموعد وبلا موعد ليكسر حد الإيقاع ، ويترك انسيابية المتوالية لتقدم تشكيلا يحيط بذات المتلقي إحاطة كاملة ، مع مراعاة فتح النص على الغيب لتصبح الكلمة ذات إشعاعات متعددة ، وتلق متنوع ، وحسبنا أن ننظر في جملة
(أحتاجُ لامرأةٍ تُحبُّ بقلبِها وبعقلِها وبحِسِّها وإذا أحبَّتْ تَصنعُ الملكوتْ ) .
ترى ماذا يقصد الشاعر بالملكوت ؟ ، والملكوت في لغتنا يعني القدرة على كل شيء ، فصاحب الملكوت هو صاحب العزة والسلطان ، وبعض مفسري اللغة قالوا : إن الملكوت هو ملك الله وحده جل في علاه .
وهنا تأخذ كلمة تصنع الملكوت معنى جديدا ، وهو صناعة المستحيل أو صناعة مالايقدر غيرها
على صناعته ، أو قدرتها على منح العز والسلطان للمحبوب ، ولكنه عز غير العز الذي يعيش فيه الناس ، وسلطان أقوى من سلطان البشر ، يمكننا أن نسميه الآن إذا قلنا ، عز المحبين غير محدود ، وسلطان المحبين غير معدود .
وتقول الروائية هبة بنداري في مقطوعة نثرية لها بعنوان ( صرخات الروح ) : _
( شعورك بالوحدة و أنت محاط بالكثير من الناس حولك ، شعور مدمر
انتظارك لشخص بعينه لا يأتي أبدا ، إحساس قاتل،
أن تتعارك مع نفسك ليل نهار و تؤنبها لاهتمامها بمن لا يستحق ، ألم عميق
أن نرى في كل شئ حولنا فراغا قاتلا ، لا يسعدنا ما كان يسعدنا ، و لم نعد
نرغب فيما كنا نريده ، و لم تعد تلك الأحلام تكفينا ، و لم نعد نعرف ماذا نريد ؟
نحن في حالة من الجوع و العطش ، وصلت بنا إلى حد السعار و الجفاف ،
لكنه جوع الروح و عطش القلب
لا يكفينا ما نحصل عليه من فتات الحب ،
لا يسد لنا رمقا ، سنموت جوعا و عطشا إن لم نحصل على وجبتنا المنتظرة من الحب ) .
تقدم هبة بنداري وعيا نفسيا ومراقبة لسلوكيات أشبه بالمونولوج الداخلي في السرد ، فهي تحدد مواقف إنسانية نادرا مايفكر فيها المرء ، وهي محاسبة للذات باعتبارها الأنا المقهورة ، ومحاسبة للعالم باعتباره السجان القاهر ، وهنا تلعب الروح في الكلمات ، أو تلعب الكاتبة بروحها وتقدمها كطير يغرد للمتلقي ، ربما هنا جاء التغريد شجيا حزينا ، لكنه مفيد ورقيق ، كل كلمة طفلة تبكي ، وكل حرف استعطاف الابتسامة ، وكل سطر وردة حب مورقة وساهمة ، وكل جملة صرخة روح . هنا تتجلى المساحة الشاسعة جدا بين الوهم وبين الأدب ، فالوهم مرض عقلي ، والأدب قمة الإبداع الإنساني .
وختاما فمصر والوطن العربي يزخرون بعدد غير محدود من الادباء الحقيقيين
فهناك شعراء فصحى عظماء ( شبابا ورجالا وشيوخا ) ، وكذا من شعراء العامية
، بيد أن الهجامة لم يتركوا درب فن إلا وقطعوه ، ولا سبيل أدب إلا وشوهوه
لكن الله وحده المستعان على ضلالهم .
