بقلم أستاذ دكتور/ محــمد طــه عـصـر
************
لأقباط مصر في الذاكرة الاسلامية والعربية لوطة بالقلب وعلوق بالنفس ودرك للحاجة ليست لأمة سواهم ، فاذا كانت مصر هي “الارض المقدسة “و “مجلي الربوبية ” والبلد الأمن ‘ومأوي اهل البيت ، ومثابة العائلة المقدسة وكنانة الله،فان اقباطها “خيرالأجناد ” و أصهار ابي الأنبياء ابراهيم زوج هاجر القبطية ام اسماعيل ابي العرب ،وأصهار خاتم الأنبياء “ص”زوج “مارية القبطية التي وهبته علي الكبر ابراهيم،فأحبها وأكرمها وتحمل من أجلها غيرة حميرائه وكيد نسائه واختصها دونهن ببيت علي العالية من المدينة واوصي بها فلما ماتت دفنت في البقيع وكان عمر يحشر الناس في جنازتها وفي الصلاة عليها وكان يؤمهم ويسوي قبرها بيديه ويرش عليه الماء ويضع علامة عليه ويقول انها وصية النبي “ص ” ٠فنحن اذن حين نواد الأقباط ونبرهم ونقسط اليهم فانما نستحضر هذه المعاني كما استحضرها الصحابة والتابعون وكما استحضرها عمرو بن العاص فحين فتح مصر تذكر وصية النبي ” ص” بهم فلم يكرههم علي الدين أو يضيق عليهم في الطرقات أو يصعر خده لهم ولم يزدر فنونهم وأدابهم ، ولم يهدم كنائسهم أويحطم تماثيلهم ،ولكنه أبقاهم علي دينهم واقرهم علي شعائرهم فقد كان رجل دولة مسؤولا عن عنصريها فلم ير في هذه التماثيل وجوها تعنو للصخور ، أو جباها تسجد للقبور ولكنها كتاب مقروء لتاريخ مخبوء ومصدر اقتصادي لسياحة دينية فيها من العبرة ماهو ابقي علي الدهر وادعي للفخر وأثمن مما تعادله من صفائح الذهب وجنادل الفضة ولم يجد حرجا في ترميم كنائسهم وتشييد اديرتهم ولم تكن هذه موالاة دينية بقدر ماهي استراتيجية سياسية وبصيرة دينية ورسالة تنويرية تنطوي علي فتوي شرعية اينعت واثمرت وأتت أكلها وجعلتهم حريصين علي امن مصر ووحدتها حرص العابد المتحنث علي تمام نسكه فلا رفث ولا فسوق ولا جدال وظلت مصر حريصة علي تأخيهم مع أشقائهم حرص البصر والجناحين علي قيادة الطائر فليس من مصلحة أحدهما أن يكون مع الأخر في احتقان يفضي الي قطيعة و تصادم ٠وبعيدا عن الزيارات والمجاملات الرسمية حيث العناق والمصافحة استوعب الاقباط هذه الموالاة فتوثقت علاقتهم باخوانهم وبلغ التعرج في الخط البياني لهذه العلاقة الي درجة الرضاع والمصاهرة،والالتحاق بالكتاتيب وحفظ القرأن والانتساب الي الازهر والحصول علي اجازته و كانوا يملؤون مواضغهم زهوا بذلك ويقولون: نحن مسلمون وطنا ،نصاري دينا ، أزهريون ثقافة ٠من هؤلاء الشيوخ الأقباط عزيز بشاي ، وكامل منصور واسكندر قزمان وتادروس وهبة ،وفرنسيس العتر ، وميخائيل عبد السيد ، وحليم تادروس،وجندي ابراهيم ، ونصر لوزا الاسيوطي وأولاد العسال وغيرهم كثيرون كانوا يحملون لقب الشيخ منهم الزعيم الوطني مكرم عبيد الذي حفظ القرأن ودرس علومه ومكث عامين في الجامع الازهر وكان مقربا من سعد زغلول الي درجة التبني واشتهر بذلك حتي كانوا يسمونه “ابن سعد”٠ كانت المقررات القرأنية يومئذ تقوم علي الانتقائية بعيدا عن أيات التكفير والتثليث والجزية مما عزز لديهم قيم التسامح والمودة وحرية الفكر والعقيدة والاعتراف بالأخر واحترامه ،لكم دينكم ولي دين،لا اكراه في الدين فمن شاءفليؤمن ومن شاء فليكفر ، والهنا والهكم واحد، ولتجدن اقربهم مودة للذين أمنوا الذين قالوا انا نصاري ، ونتيجة لهذه الروح اعتاد أقباط الأزهر ان يخصصوا في أوقافهم قطعة لبناء مسجد بجوار الكنيسة كما حدث في مغاغة وأبو قرقاص وقرية حنا بالفشن وبلدة جناح بطنطا،وما تزال مسجلة باسماء قبطية تحمل توقيع جرجس دوس ، ومرقص بك يوسف، وقليني باشا فهمي ٠ وجاء أحفادهم فورثوا هذه الروح ونسجوا علي منوالهم فبالامس القريب قام المهندسان رامز عدلي وعماد فريد بترميم مسجد سيوة الأثري بطينة مزيج من مبشور الزيتون وغاز الأمونين نسبة الي امون في المنطقة التي كان الاسكندر يستجم فيها علي ديانة أمون وحصلوا علي جائزة دولية أهدوها الي روح مصر ٠وفي اعيادهم تجد اسم مصر يرتفع دائما ليظل مرهوب الجلال أنيس الوحشة ،فقبل ان يكون لدينهم حبل ممدود يكون للوطنية لواء معقود، ليجلو عن وجه مصر صدأ القطبيين الذين استنقع الجهل شرابهم واستنعق البوم غرابهم فخلطوا بين القبطية والمسيحية وحملوا الموالاة الدنيوية علي الموالاة الدينية واستبعدوا تلك الحقبة المسيحية من روافد الحضارة الاسلامية ودونوا ذلك في كتاب اخواني يجمع من شذوذ العبقرية ونشاز الفدامة مايشعل الفتنة الطائفية ويحرض علي الارهاب والتطرف ويروج للخلافة العثمانية وعنونوه باسم خادع وهو “الأدلة الباهرة في هدم كنائس مصر القاهرة ” ولأن الشيطان بال في أذانهم وعقد علي نواصيهم فقداسترقدهم ليلا طويلا استوي قولهم وبولهم وران ذلك علي قلوبهم فكانوا كمن صام حولا وشرب بولا فليست القبطية وصفا دينيا ولكنهاوصف عرقي يشمل المصريين مسلمين وأقباط ، وظلت هذه الدلالة حتي عشرينيات القرن الماضي، وأما روافد الحضارة المصرية فكلها تتساوي فيما قدمت من مخرجات ،يستوي لديها دار الكتب ودار الأثار ، وقناة السويس وقناة رع ،وسعف النخيل واوراق البردي ،وزهرة اللوتس وشقائق النعمان ولم يرث الاقباط _نصاري ومسلمين _ من دماء الفراعين قطرة واحدة، وانما ورثوا روحا مصرية تظهر ساعة العسرة لتعبر عن وحدتهم فحيث يقول البابا شنودة :مصر وطن يسكننا وليست وطنا نسكنه ،يقول خليفته البابا تواضروس : اذا هدموا الكنائس صلينا في المساجد ومصر بلا كنائس أبقي من كنائس بلا مصر ٠وبهذه الوطنية حصنوا مصر وحصنوا انفسهم وصاروا بمنجاة من الفتن ،جرب الدهر عليهم حقد قمبيز، وعبث الاسكندر، وحنق هولاكو وحمق لويس، وصلف نابليون ،ورعونة كرومر وخداع مينو ، وغدر يهوذا ،ومؤامرة سايكس بيكو وظلوا في وعيهم كالعنقاء تكبر أن تصادا ، لم يستطع مستعمر ان يراودهم علي وطنيتهم ولم يفلح متأخون ان يساومهم علي شرفهم ، فبأي من هذا يتماري فقهاء السفاسف من القطبيين والمتسلفة المتأخونين الذين مرت عليهم أية “ولتجدن أقربهم مودة للذين أمنوا الذين قالوا نا نصاري٠٠٠”كما مر العطر بالأنف الأخشم فخلطوا بين المودة الدينية التي تشاركهم عقيدة التثليث والصلب، والمودة الاجتماعية التي لا تعدو ان تكون مصالحة وطنية تجمع الصدور بالصدور ولولاه لكانت منابتنا اغفالا لا تعرف وقرابتنا ارحاما لا توصل لكنهم عموا عن ذلك وصموا وما زالوا يرادفون بين المسيحية والقبطية ،ويجادلون في ذلك جدال من ملكوا أعنة القلوب يقولون لها كوني قطبية فتكون ،ولا تكوني قبطية فتمتثل ، أما أن يكون لشعائرهم طابعها الديني ،فهذا ملاكه الخيال، والخيال غذاؤه الحس ،والحس موضوعه البيئة ، والبيئة عمل الطبيعة ٠وهذه أمور ينبغي التبصر بها وبدونها يكون الداعية الناقص البصيرة كالفلاح التام الجهل هذا يتبجح بما حرف وصحف وذاك يتمدح بما أشاع وأذاع ،وكلاهما يلوي لسانه بالكلم يريد أن يعربه فيعجمه ٠فتحية لأقباط الازهر معبقة بباقة ورد نضعها علي صدر مصر كنانة الله في أرضه والمحروسة من همزات الشياطين عن أيمانها وشمائلها ومن بين أيديها ومن خلفها فعلي شاكلتهم بدءوا بتحريم التهنئة لاقلياتهم وظلوا يستصغرون هذا الشرر حتي انغضوا اليهم الرؤوس وأوغروا عليهم الصدور فتداعت عليهم الامم وانتهي الأمر الي تفتيت دولهم وتمزيق وحدتها حتي صارت كالقصيدة العربية في العصور الخوالي ،فرحماك جبار السماوات لقد سميت اسمك المؤمن وجعلت للايمان شيطانا هو تميم، وسميت اسمك السلام وجعلت للسلام ابليسا هو قردوخان فكلما نامت الفتنة ووضعت الحرب أوزارها أشعلها هذان المسيخان ووقفا يصطرخان هذا بدونكشوطية القول وذاك بميكافيللية الفعل، حتي لم يبقيا من المسلمين الا قبورا جماعيةعلي كل قبر هلال من الجماجم وصليب من السيقان ،ولم يبقيا من العروبة الا جثثا مصلوبة في العراق مذبوحة في سوريا، موءودة في لبنان ، مقطعة الأوصال في ليبيا واليمن السعيد اما مصر المحروسة فلولا وحدتها الوطنية لتسللوا اليها تسلل الجراثيم علي ارجل الذباب ولعشش علي مساجدها البوم ونعق علي كنائسها الغراب ولأوقروا مائدة المسيح سما وصابا، ورووا شجرة ميلاده حميما وغساقا وجعلونا كأشقائنا مشردين في مجاهل الأرض ومساقط الموت لانعرف متي نصرع ولا أين نقبر ،ولصرنا بعد العيش الأمن والغد المرجو طحينا لهذه الرحا الطائفية من غير سبب موجب الا نزوة من فتاوي القطبيين الذين ران علي قلوبهم فلم يروا الارض من حولنا كرماد الموقد المضطرم وطفقوا يصبون الزيت علي النار يتستعجلون أمر الله قبل أن يأتي ويستقدمون القيامة قبل أن ينفخ في الناقور والله وحده هو الذي يعلم ماذا عسي أن تصير ام الدنيا لو استزرعوا فيها تلك الاثنية العرقية وعندئذنقول :وعلي الارض السلام بعد ان كنا نقول : السلام علي الأرض وفي النفس المسرة ،لكل هذا تكون تهنئة اشقائنا الأقباط أصدق مشاعر الوطنية ويكون حقهم علي مصر كحق القابلة علي الأم قدمت البشارة وان لم تخلق الوليد وكل عام ونحن وأنتم في ظل مصرنا المحروسة بخير وأمن وسلام..