DW حصرى ـ وصفة أوروبي خاصة للتعامل مع العائدين من الدواع

DW حصرى ـ وصفة أوروبي
خاصة للتعامل مع العائدين من
الدواع
كتب/أيمن بحر
رضا يعقوب المحلل الاستراتيجيي رفضت تقريبا جميع الدول الأوروبية عودة الدواعش من سوريا والعراق، غير أن كوسوفو تنتهج طريقاً مختلفاً من خلال إستعادة رعاياها تحقيق حصرى لـ DW يكشف أيضاً دور المال الخليجى فى تطرف دواعش كوسوفو؟ .
يدخن منصور هوتى سجائره بشراهة واحدة تلو الأخرى، فى مقهى بالعاصمة بريشتينا، كاشفاً فى حوار مع DW ، كمدير لجهاز الأمن العام فى كوسوفو، عن عملية سرية جرت فى ليلة (19 الى 20 من أبريل / نيسان 2019) كان منصور حينها مسئولاً، حينما هبطت طائرة مستأجرة فى مطار بريشتينا وسط ظلام دامس وعلى متنها 110 من الكوسوفيين ذوى الخليفة الإرهابية الموالين لتنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلامياً بإسم داعش، وجئ بهؤلاء كسجناء من معسكرات تسيطر عليها قوات كردية فى شمال سوريا، وحتى أقارب العائدين لم يكونوا على علم بقدومهم.
تنسيق العملية بين جميع المعنيين، قض مضجع منصور لعدة أيام، خصوصاً فى غياب أى علاقات رسمية مع “قوات سوريا الديموقراطية التى تسيطر على منطقة واسعة فى شمال سوريا وكانت الولايات المتحدة هى التى جعلت هذه العودة ممكنة، بتنسيق مع حلفائهم الأكراد.
تم تطويق المطار بعد نزول 32 إمرأة و 74 طفلاً وأربعة رجال من الطائرة، تم إقتيادهم بعدها الى حافلات معتمة النوافذ، نقل الرجال الى سجن بودوييف المشددة الحراسة، فيما خضعت النساء والأطفال للفحص الطبى والنفسى فى مركز الوصول. كانوا فى حالة سيئة جداً.. ليس من الناحية الطبية فقط على حد تعبير منصور، منصور فى منتصف الأربعينيات، قوى البنية بتقليعة شعر قصيرة يعرف تمام المعرفة أن الجزء الأصعب من العمل لا يزال أمامه، وأن إدماج العائدين الداعشيين سيكون تحدياً كبيراً أمام بلده، وهى أحدث دولة أنشأت فى أوروبا.
تأثير ايديولوجية “الدولة الإسلامية” يظهر جلياً فى حالة فلورا (إسم مستعار)، مثل العائدين الجدد، عادت فلورا منذ نصف عام تقريباً الى وطنها، وهى تخضع كباقى العائدين لمراقبة دائمة ولإقامة جبرية فى منزل والديها فى قرية زراعية صغيرة فى كوسوفو، يبدو المشهد هادئاً وهى تجلس تحت ظل شجرة البلوط، غراب، ديوك ، قطة تتجول، زهرة عباد الشمس تتأرجح فى مهب الريح، غير أن النوافذ المكسورة لمنزل والديها تؤشر على حالة الفقر المدقع الذى تعيش فيها الأسرة، تلبس باقى نساء الأسرة تنورات ملونة واسعة وطويلة ملونة، عكس فلورا (22 عاماً)، ذات الجسم النحيف التى ترتدى نقاباً أسوداً يغطيها من الرأس الى أخمص القدمين، ولا يظهر سوى فتحة العينين الضيقة.
عاشت فورا خمس سنوات فى كنف دولة داعش الإرهابية ولا تريد خلع نقابها بالكامل حتى فى البيت، وتؤكد أن الدين لا يزال يلعب دوراً كبيراً فى حياتها، فيما يتجول طفلها البالغ من العمر عامين فى الحديقة بحذاء كبير جداً، طلبت الأسرة من DW الحفاظ على سرية جنس الطفل، لتفادى الوصول الى أى إستنتاجات.
لن يعرف الطفل أبوه أبداً، تقول فلورا كنت بالقرب منه عندما مات كنا مع بعض قبل ذلك بقليل، ثم خرج فأصابه صاروخ أرداه قتيلاً على الفور، كان الزوج الثانى، من أصل ثلاثة من مقاتلى داعش فى حياتها الفتية الأول قتل أيضاً وهو من كوسوفو، وهو الذى سافرت معه لأول مرة الى مناطق داعش وعمرها لم يكن يتجاوز 17 عاماً، حينها كذبت فلورا على والدها، مدعية ذهابها لقضاء إجازة فى تركيا أما زوجها الثالث فلا يزال على قيد الحياة، وهو رهن الإعتقال لدى الأكراد فى معسكر شمال سوريا، هو أيضاً من البلقان لكن ليس من كوسوفو، وفلورا لا تريد الحديث عنه أكثر.
عندما عادت إلى البيت مع طفلها في أبريل / نيسان كان طفلها ضعيفًا فى بنيته لدرجة أنه لم يكن قادرا على الوقوف، كان الوضع فى مخيم الهول فى محافظة الحسكة الخاضعة للأكراد، سئ جداً بل وزاد الطين بلة فى المرحلة الأخيرة من عمر الدولة الإسلامية تتذكر فلورا أنه لم يتبق شئ من الطعام لدرجة أنهم كانوا يضطرون لأكل العشب.
رغم أن فلورا تعترف أنه كان من الخطأ الإنضمام الى تنظيم داعش، الا أنها لا تفهم التهم الموجهة لها وللعائدين الآخرين الى كوسوفو كنا فقط فى المنزل ..لم نفعل شيئًا لم تكن لدينا نوايا سيئة رافقنا رجالنا فقط إنها حجة تتكرر بإستمرار لدى نساء داعش.
فلورا تدعى عدم علمها بعمليات القتل وغيره من الفظائع بإستثناء دمار الحرب الذى رأته بأم عينها، بل وتعتبر نفسها ضحية، آملة تفادى السجن بتهمة الإنتماء لتنظيم إرهابى، إنها تسعى لإعادة الإندماج فى المجتمع كما تقول فى الوقت نفسه تتمنى أن يقبل الناس بى كما أنا ويتقبلون ارتدائى للنقاب
علم والد فلورا بعودتها فى أبريل/ نيسان من خلال صديق له، تذكُر تلك اللحظة يُثير فيه مشاعر جياشة فاغرورقت عينا الرجل المسن بالدموع، فى الوقت نفسه يبدو يائساً، لأنه غير قادر على الوصول لابنته رغم أنها تعيش معه فى البيت وأوضح لـ DW أنها أصبحت منغلقة على نفسها فى الماضى لم تكن ترتدى النقاب من الغريب الآن بالنسبة لى أن أراها فلورا تصلى كثيراً وتمارس إيمانها بصرامة
فالبونا تافيلاج تعرف فلورا جيدا كما باقى العائدين الآخرين، وهى تسهر بمساعدة فريق يتكون من عشرين من الخبراء والأطباء النفسيين على مرافقة العائدين ومساعدتهم فى طريق إعادة الإندماج فى المجتمع وتقول عالمة النفس إن الجميع أصيبوا بصدمات نفسية كبيرة، لقد عادوا من منطقة حرب وشهدوا جرائم فظيعة”، تكمن مهمة تافيلاج فى كسب ثقة العائدين فهى تزور شهرياً النساء العائدات فى بيوتهن، كما تعمل على إشراك الأسر والجيران فى عملية إعادة الإدماج، أما بالنسبة للجلسات العلاجية، فيتعين على النساء والأطفال السفر الى المركز النفسى فى عيادة جامعة بريشتينا، حيث مكتب تافيلاج.
تحكي عالمة النفس بفخر أن جميع الأطفال فوق سن السادسة تمكنوا من بدء الدراسة فى شهر سبتمبر/ أيلول، للتحضير للحياة المدرسية تم تنظيم رحلات الى المتنزهات وصالات التسلق لإختبار ما إذا كان الأطفال مستعدون بالفعل للدخول لعالم المدرسة وبما أن الأمهات يخضعن للإقامة الجبرية، فإن حرية تنقل الأطفال تكون بدورها مقيدة.
هل هناك خطر أمنى؟ وإذا كان الأمر كذلك ما حجمه؟ أسئلة تؤرق فاتوس ماكولى وهو أعلى شخصية أمنية فى محاربة الإرهاب بكوسوفو، فالدولة الصغيرة فى البلقان لا تضم سوى مليونى نسمة، ولكنها تعتبر البلد الأوروبى الأول من حيث نسبة المنضمين الى تنظيم داعش (400 متشدد) بالمقارنة بعدد السكان الإجمالى وهذا ما يمثل 20 ضعفاً مقارنة بالإسلاميين الذين غادروا المانيا مثلاً وإنظموا للتنظيم الجهادى (1050 متشدداً لـ 82 مليون نسمة).
تواصل المانيا وبريطانيا وحتى فرنسا جهودها للحيلولة دون عودة مواطنيها من مناطق داعش السابقة فى سوريا والعراق، هناك فقط فى بعض إستثناءات أحياناً حينما يتعلق الأمر بالأطفال.
فى مكتبه في الطابق الثامن من مبنى حكومى وسط العاصمة بريشتينا يوضح فاتوس ماكولى سبب إنتهاج بلاده مقاربة مختلفة بشأن الجهاديين العائدين، فبعد الإندحار العسكرى لتنظيم “الدولة الإسلامية” الذى كان متوقعاً، جرى نقاش مكثف حول كيفية التعامل مع العائدين رأت بريشتينا أن الجهاديين السابقين لن يتمكنوا من البقاء الى الأبد فى سجون الأكراد وبالتالى كان هناك خطراً حقيقياً بشأن هروبهم وإنتقالهم الى العمل بطريقة سرية لهذا السبب قررنا إعادتهم يقول ماكولى “لقد خاطرنا بوعى، لكنها مخاطرة يمكن التحكم فيها، إننا نعرفهم، أولئك الذين إرتكبوا منهم الجرائم نقدمهم للعدالة، ونبذل قصارى جهدنا لإعادة دمج الآخرين ووفقا لماكولى إكتسبت كوسوفو خبرة كبيرة فى الإجراءات القانونية ضد المتشددين الإسلاميين فمنذ عام 2014 تم إعتقال أكثر من 150 من أنصار داعش أكثر من 80 منهم صدرت فى حقهم قرارات قضائية بعضها يشمل عقوبة السجن أكثر من 95 فى المائة من سكان كوسوفو هم من المسلمين السنة يتبعون إسلاماً وسطياً، ومن بينهم علمانيون كثيرون ولكن بعد حرب كوسوفو عام 1999 إزداد تأثير التيارات المحافظة، ماكولى يحمل المسئولة بشكل رئيسى للسعودية والدول الخليجية الأخرى كانت هناك نية واضحة لإحياء الإسلام فى كوسوفو وتسييسه من خلال تدريب الأئمة فيما إهتمت منظمات الإغاثة العربية بشكل خاص بالعمل مع الأطفال.
في منتصف التسعينات من القرن الماضى أصبح أثر الأيديولوجيات الوهابية والسلفية واضحاً فى كوسوفو ظهرت مشاكل مفاجئة فى العائلات، حيث توقف بعض الأطفال فجأة عن الحديث مع النساء رافضين حضور المناسبات العائلية، متهمين والديهم بعدم إتباع الإسلام الحقيقى وفي ظل المستوى المرتفع للبطالة، وغياب أى آفاق مستقبلية للشباب، إضافة لانتشار الفساد، أصبحت كوسوفو معقلا محوريا للتطرف.
من جهته، يعترف منصور هوتى بأن ليس كل الكوسوفيين متحمسون لعودة الجهاديين لكن هذا هو السبيل الوحيد للتعامل مع المشكلة هؤلاء الناس مواطنون، دستورنا يفرض علينا رعايتهم أينما كانوا
غير أن الموقف الألمانى يبدو عكس ذلك، لا تزال وزارة الخارجية فى برلين تعتمد على الحجة القائلة بغياب علاقات دبلوماسية مع نظام الأسد أو الأكراد فى شمال سوريا، تسمح بإستعادة المواطنين الألمان من هناك، ذلك لم يكن عائقاً بالنسبة لكوسوفو، كما يؤكد هوتى فى حديثه مع DW
هذه هى أيضا وجهة نظر الحكومة الأمريكية، التى لولاها لما تحققت عودة الكوسوفيين الدواعش فقد حثت إدارة الرئيس دونالد ترامب أوروبا على إستعادة مواطنيها لرفع ثقل المسئولية عن الأكراد السفارة الأمريكية فى بريشتينا أصدرت بياناً عقب العملية السرية فى 20 أبريل / نيسان جاء فيه “بهذه الإستعادة، أصبحت كوسوفو مثالاً يقتدى به بالنسبة لأعضاء التحالف الدولى المناهض لداعش والمجتمع الدولى ككل

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏

Related posts