بقلم: د. نرمين جمعة
حين نتحدث عن التنمية، غالبًا ما تذهب الصورة في أذهاننا إلى المشروعات الكبرى، والطرق الجديدة، والمباني، وشبكات المرافق، والمشروعات التي تغيّر شكل المكان.
لكن هناك سؤالًا أهم يجب أن يظل حاضرًا:
ماذا تغيّر في حياة الإنسان؟
فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بما يُبنى على الأرض، وإنما بما ينعكس على حياة المواطن؛ على صحته، وتعليمه، وعمله، ومسكنه، وقدرته على توفير حياة مستقرة لأسرته.
ومن هنا يصبح الإنسان هو الهدف الأول لأي مشروع تنموي ناجح.

وهذا المعنى يظهر بوضوح في التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة، التي اتجهت إلى التعامل مع التنمية باعتبارها منظومة متكاملة، لا مجموعة مشروعات منفصلة.
وتأتي المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» نموذجًا واضحًا لهذا المفهوم؛ فهي لم تقتصر على تحسين خدمة واحدة داخل القرية، وإنما قامت على حزمة متكاملة تشمل البنية الأساسية، ومياه الشرب والصرف الصحي والكهرباء والطرق، إلى جانب الخدمات الصحية والتعليمية، وفرص العمل والتنمية الاقتصادية والتدخلات الاجتماعية. (Presidency of Egypt)
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الفكرة.
فالطريق الذي يصل إلى القرية ليس مجرد طريق.
والمياه النظيفة ليست مجرد مرفق.
والوحدة الصحية ليست مجرد مبنى.
والمدرسة ليست مجرد فصل دراسي.
كل هذه العناصر عندما تجتمع، تصنع شيئًا أكبر بكثير من مجموعها؛ تصنع حياة أكثر استقرارًا وإنصافًا.
ولهذا فإن مفهوم التنمية اليوم أصبح أكثر ارتباطًا بمصطلح مهم جدًا هو جودة الحياة.
أن يعيش المواطن في بيئة أفضل.
أن يحصل على الخدمة الأساسية دون معاناة.
أن يجد فرصة للتعلم والعمل.
أن يشعر أن المكان الذي يعيش فيه له نصيب من الاهتمام والتطوير.
وأن تتحول التنمية من مشروع مؤقت إلى واقع مستمر يشعر به الإنسان في تفاصيل يومه.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن مشروع تطوير القرى المصرية ضمن «حياة كريمة» يستهدف 4584 قرية، تمثل نحو 58% من سكان الجمهورية، من خلال حزمة واسعة من التدخلات والخدمات. (Presidency of Egypt)
لكن الأهم من الأرقام نفسها هو الفلسفة التي تقف خلفها.
فالتنمية لا تعني أن نضع المواطن في نهاية قائمة المستفيدين، وإنما أن نضعه في بداية عملية التخطيط.
أن نسأل قبل تنفيذ المشروع:
ما المشكلة الحقيقية؟
من يحتاج إلى هذه الخدمة؟
ما الذي يمكن أن يتغير في حياة الأسرة؟
وكيف يمكن أن تستمر النتائج بعد انتهاء المشروع؟
وهذا التفكير يغيّر مفهوم التنمية من مجرد إنشاءات إلى استثمار في الإنسان.
فالإنفاق على التعليم استثمار.
والرعاية الصحية استثمار.
وتأهيل الشباب للعمل استثمار.
ودعم المشروعات الصغيرة استثمار.
وتطوير الريف استثمار.
وحتى تحسين البيئة المحيطة بالمواطن هو استثمار في صحته واستقراره ومستقبل أبنائه.
ولعل من أهم ما تكشفه التجربة المصرية أن التنمية لا يمكن أن تنجح إذا ظلت محصورة في المدن الكبرى.
فالريف المصري يمثل مساحة أساسية من المجتمع، وله احتياجاته الخاصة، ولذلك جاء التركيز على تطوير القرى وتحسين مستوى الخدمات بها باعتباره جزءًا من عملية أوسع لتحقيق التنمية المتوازنة. وقد أكدت الرئاسة أن تطوير القرى يستهدف تغيير واقع الحياة لمواطني الريف بصورة شاملة، وليس فقط تنفيذ مشروعات منفردة. (Presidency of Egypt)
وهنا نصل إلى نقطة ربما تكون الأهم:
التنمية ليست أن يصبح المكان أجمل فقط، وإنما أن يصبح الإنسان أكثر قدرة على بناء مستقبله.
فإذا تحسنت القرية دون أن تتحسن فرص أهلها، فهناك شيء ناقص.
وإذا بُنيت المنشآت دون تطوير الإنسان الذي يستخدمها، فهناك شيء ناقص.
أما عندما تجتمع الخدمات مع التعليم، والصحة مع فرص العمل، والبنية الأساسية مع التمكين الاقتصادي، يصبح لدينا مفهوم أكثر اكتمالًا للتنمية.
وهذا ما يجعل الاستثمار في الإنسان قضية تتجاوز حدود المشروع الواحد.
لأن الطريق يمكن أن يُبنى مرة، لكن الإنسان يحتاج إلى فرص مستمرة.
والمدرسة يمكن أن تُنشأ، لكن بناء المعرفة يحتاج إلى سنوات.
والوحدة الصحية يمكن أن تُجهز، لكن الحفاظ على صحة المجتمع يحتاج إلى وعي وخدمات مستدامة.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة من التنمية تحتاج إلى التركيز ليس فقط على ما الذي سنبنيه؟ وإنما أيضًا على كيف سنبني الإنسان القادر على الاستفادة مما نبنيه؟
فالدولة التي تطور المكان وتستثمر في الإنسان في الوقت نفسه، لا تغيّر الحاضر فقط، وإنما تؤسس للمستقبل.
وفي النهاية…
قد تتغير ملامح المدن والقرى.
وقد تتسع الطرق، وتُقام المشروعات، وتتطور الخدمات.
لكن يبقى المقياس الحقيقي لكل ذلك هو الإنسان.
هل أصبح أكثر أمنًا؟
هل أصبحت حياته أسهل؟
هل أصبح أمامه تعليم أفضل؟
هل زادت فرصه في العمل والإنتاج؟
هل أصبح قادرًا على أن يحلم بمستقبل أفضل لأبنائه؟
إذا كانت الإجابة نعم…
فهنا فقط يمكن أن نقول إن التنمية لم تكن مجرد مشروعات على الأرض.
بل أصبحت أسلوب حياة.
فالإنسان ليس نتيجة للتنمية…
الإنسان هو غايتها الأولى، ونجاحها الحقيقي.