يحي خليفه يكتب
مصر الظالمة نفسها
لو اجتمع العالم كله بشرقه وغربه وتفننوا في تشويه صورة المصريين والإساءة إليهم والحط من قدرهم ما استطاعوا أن يفعلوا عُشر ما يفعله المصريون في أنفسهم، ويبدو أن القوة الناعمة في الدولة المصرية بكل مصادرها ومشتملاتها ومكوناتها الروحية والمعنوية المتجسدة في الأفكار والأخلاق والمبادئ وعبر وسائلها وأدواتها المتنوعة قد آلت على نفسها أن تقضي على كل السمات الإيجابية المميزة للشخصية المصرية وبدلاً من جذب الآخرين والتأثير الإيجابي فيهم نراها قد أحدثت النفور والاشمئزاز وربما الاحتقار والنظرة الدونية للإنسان المصري ابن الحضارة المعجزة.
إن مفهوم القوة الناعمة في أبسط صورها هو القدرة على الإقناع والتأثير والسيطرة والهيمنة على عقول وثقافات وأيدولوجيات الآخرين وتشكيل مفاهيمهم وأفضلياتهم والتغيير في سلوكهم والتأثير في الرأي العام في الخارج من خلال القوة الروحية والمعنوية المتجسدة في الأفكار والأخلاق والمبادئ المقدمة في مجالات الثقافة والفن والعديد من القيم السياسية ويتم ذلك عبر الوسائل غير العنيفة، ومن هذا التعريف نرى أن القوة الناعمة المصرية لا تتناغم ولا تتناسب مع هذا التعريف سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، ففي الداخل نلمس بشدة تراجع دور القوة الروحية المتمثلة في المؤسسات الدينية كالجوامع وعلى رأسهم جامع ومؤسسة الأزهر والكنائس وعلى رأسهم الكنيسة الأرثوذكسية، وتراجع دور الثقافة المصرية المتجسدة في الأدب والفن والموسيقى والدراما، وتراجع دور المؤسسات التربوية والتعليمية المتمثلة في المدارس والجامعات وتراجع دور وسائل الإعلام المتمثلة في الصحافة والمحطات الإذاعية والقنوات التليفزيونية بنوعيها الأرضي والفضائي ووسائل الميديا الحديثة، وكذلك تراجع دور القوة التاريخية والحضارية المتمثلة في تاريخ ثري وعميق وحضارة مبهرة.
كل هذه المؤسسات افتقدت الأداء الفعال وانعدم تأثيرها أو كاد ينعدم، فانحصر دور مؤسسات العبادة في أداء الشعائر والصلوات داخل جدرانها وتجمد خطابها ووعظها عند غايات ومفردات لم ينلها التغيير والتطور مما أفسح المجال للجماعات الدينية المتطرفة والمنحرفة لاستقطاب عدد لا بأس به من المصريين وليسود خطاب التشدد والتطرف وعدم التسامح والتغافر وعدم قبول الآخر، وعن المؤسسات التربوية والتعليمية فحدث ولا حرج عن قصورها وتقصيرها، فهي لم تعد تُربي ولم تعد تُعلم، لذا تخلفت مصر عن الركب العالمي وتزيلت دول العالم من حيث جودة التعليم الذي يتم إن تم وفقاً للمعايير والمفاهيم المصرية لا المعايير الدولية، وترتب على ذلك ضعف المنتج التعليمي النهائي(المعلم والطبيب والمهندس والمحاسب إلخ) فقل الطلب عليه، وقد خلت المدارس من الطلاب والمعلمين وكل منهم راح يبحث عن مبتغاه خارج اسوار وفصول المدارس، الطلاب يبحثون عن العلم في المراكز التعليمية الخاصة وبيوت المعلمين لأنهم لا يتحصلون على العلم داخل المدرسة، والمعلمون راحوا يبحثون عن عائد مادي يسترهم لقلة الرواتب وضعفها عن مواجهة أعباء الحياة الضرورية وبعضهم تملكته شهوة المال فراح يسعى لتكوين ثروات وشراء الأراضي والعقارات!
ورغم أن الشباب في مصر يشكلون نسبة 62% فإن الدولة لا تُحسن إدارة واستغلال تلك الطاقة الجبارة وهذا المورد البشري الثري الذي يمكن أن يفتح لها آفاق رحبة للتنمية والتطور ويضمن لها مركز متميز عالمياً إن هي اتقنت تعليمه وتوجيهه وإكسابه مهارات العمل التي تتماشى مع متطلبات السوق العالمي ليصبح لها قوة مؤثرة، على عكس دول أخرى عظمت شعبها وأعلت من قيمها وغزت عقول الآخرين وسيطرت على وجدانهم وتحكمت في أفهامهم وتصوراتهم وأبسط مثال لهذه الدول أمريكا وتركيا فبأفلامهم ومسلسلاتهم استقطبوا عواطف شعوب كاملة وسيطروا على فكرها دون طلقة واحدة سوى بعض من طلقات القوة الناعمة الهادئة.
