سلم على الديرة يلي احبابنا فيها

بقلم/ نورهان عز الدين

لم اتعرف عليها و أصبحت صديقة أيامي، إلا يوم وفاتها.. عندما وجدت جلبة و حزن شديد على امرأة لم أسمع عنها قط طوال حياتي – أعترف أنها كانت غفلة  كبيرة مني- حزن عليها  الناس و كأنها كانت واحدة من سكان منازلهم، استيقظوا يومًا و لم يجدوها بينهم مرة أخرى، فارقهم جسدها، و روحها، و لم تترك بداخلهم سوى بعض الابتسامات التي ورثتها لهم، في كل مرة  أطربت فيها قلوبهم بدفء و قوة،  تركت ميراث لن ينتهي أثره أبدًا؛ أثر الفراشة لا يزول.

ريم بنا الفلسطينية، و هنا أكدت على ذكر جنسيتها، لتبرير قدرة صوتها على أن يجمع الرقة، المقاومة و التمرد في نفس النوتة الموسيقية، عندما تعرفت على ريم بدأت بالاستماع إليها كثيرًا،  وجدت الحب في صوتها، أن صوتها مختلف – لا يشبه أي صوت استمعت اليه من قبل- أقرب ما يمكن وصفه به: أنه كريشة مرت مصادفة يومًا على يدي، رغم رقتها و نعومتها، إلا أنها أثارت قشعريرة هاجرت من يداي، إلى جسدي كله، كيف لشئ بتلك العذوبة أن يؤثر علي بتلك القوة!

لكن القوة لا تشترط السكن في الأجساد الضخمة، القاسية.. هي فقط تشترط الشجاعة، و هو كان كل ما تملك ريم بنا.

” يا كاتب الورقة أكتب و مليها سلم على الديرة يلي أحبابنا فيها.”

كان سلام ريم الأخير يشبه ذلك المقطع من أحدى أغنياتي المفضلة لها، سلام أختارت أن يكون من مدينة الناصرة بفلسطين، مسقط رأسها، فمثلما كانت تلهو بتراب الناصرة في الصغر، أرادت أن تُكمل أنتمائها،  و تتوارى داخل ذلك التراب، لتسكن روحها في سلام أبدي.

عانت ريم ألم كبير في سنوات  احتلال المرض لجسدها، كألم بلادها المحتلة، حتى استطاع السرطان أن يسلب منها صوتها؛ فلم تعد قادرة على الغناء في آخر سنواتها، لكنها – رغم قسوة الثمن الذي دفعته للمرض- لم تتوقف عن الابتسام أبدًا.

“لا تخافوا .. هذا الجسد كقميص رثّ .. لا يدوم ..

حين أخلعه..

وسأجري كغزالة إلى بيتي …

سأرتب البيت وأشعل الشموع …

وأقول .. هذه الحياة جميلة ..

والموت كالتاريخ ..

فصل مزيّف ..”

كانت تلك أحدى ابتسامات ريم العميقة في القوة و الرقة كصوتها، قبل وفاتها بعام.

Related posts