الشاعر التونسي سامي الذيبي .. يوجه رسالة مضمونة الوصول إلى قرائه

الشاعر التونسي المتميز سامي الذيبي يوجه رسالة مضمونة الوصول إلى قرائه

 

متابعة .. البشير الطبيب

تونس

أنا الشاعر سامي الذيبي ولدتُ في أفقر معتمدية بتونس اسمها :”حاسي الفريد”، في ريفٍ قاحل وجاف، متكئ على جبال السباسب العليا،في الوسط الغربي التونسي، من عائلة فقيرة تتكون من خمس أخوات وأخوين إثنين وابي وأمي، البيت حوْشٌ تقليدي جدا يتكون من غرفتين، طفولتي قضيّتها أرعى الماعز والأغنام، أربّي الحمام والدجاج والأرانب، فلاّح صغير أرضه من طموح وعالمه جميل جدّا وأبسط من كل ما نحلم به، كنت أراني أسعد طفل في العالم، عطلتي الربيعية أقضّيها أبحث عن الفطر البري و”الترفاس” وأصطاد العصافير البريئة لأشويها وآكلها بكل وحشية طفل تمرمد في البرد والصقيع، الصقيع الذي كان يلفح حذائي المثقوب وساقيّ العاريتين من دون جوارب في العادة أو جوارب مهترئة -إن وجدت- هكذا في الصف الثاني من التعليم الابتدائي كنت بائع سجائر في عربة صغيرة، وتحولت إلى مدخّن أعقاب السجائر مدة سنتين وانقطعتُ بكل إرادة طفل متكلّس يواجه الطبيعة والجغرافيا والحياة بيديه النحيلتين وساقيه المجروحتين، انقطعتُ عن التدخين بصفة إرادية وأنا ابن التسع سنوات ثم صرتُ أبيع الحمص المطبوخ ما نسميه في تونس اللبلابي، ثم بعتُ الفول في الأسواق الشعبية الأسبوعية، كما بعتُ البيض المسلوق في سوق الغنم ورويدا رويدا صرت أشوي “المرقاز/النقانق” ولحم الدجاج، حتى صرتُ معروفا لكل المكّاسين، عملتُ مكّاسا” جابي ضرائب” على رؤوس الأغنام والخرفان والبقر الذي يتم بيعه أو إدخاله إلى السوق…
كنت اعمل لأستطيع شراء كتبي المدرسية ومواصلة تعليمي..
لم أكن يومًا أعتقد أن أكتب الشعر، وحتى عندما كتبت أول قصيدة كان اهتمامي أن اتحوّل من طفل يؤمن بالعنف كوسيلة للحياة، إلى طفل يؤمن أن الثقافة والفكر والابداع هم النبع الصافي والسبيل الوحيد للنجاة من مركب مهاجر منذ الولادة، لم أكن في الحقيقة مهاجرا ولكن حياتي ومطباتها جعلتني أفهم الحياة وجعلت مني انسانا يتحول بسرعة من كائن جلْفِ متخشّب إلى فتى هادئ وحسّاس جدّا، ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى حالة الوعي العميقة إثر إجرائي العملية الأولى على الكبد سنة 1995 بمستشفى القصرين وكان تأثري كبيرا حين طلب مني الممرّض نزع ثيابي وأن أبقى عاريا تماما ومدّني بغطاء أبيض أحسستُ أنه كفن وأنا اتغطى به، وفي أثناء دفع السرير المتحرك من غرفتي إلى غرفة العمليات راجعت كل لحظة من حياتي، وفهمت درسًا عميقا في الوجود……….، شاءت لي الأقدار ان استفيق بعدها وقيل لي نجحت العملية غير أنها بعد عشر سنوات اكتشفت في فحص طبي أن الطبيب نزع المرّارة وترك الداء يكبر ويكبر وكان جسمي يهزل وملامحي تصفّرّ، حتى اجريت العملية الثانية في 2005 بمستشفى الرابطة بالعاصمة تونس وكنت حينها طالبا في جامعة تونس، وكانت تجربة أخرى في مواجهة مع الموت، خلالها شُفيتُ نهائيا والحمد لله…
ربّما ستكون لي سيرة في قادم الأيام أتحدث فيها عن حماقاتي بعمق أكثر ولكنّ كل المغزى من كلامي هذا أن كل من يراني وينعتني بالغرور والكبرياء وهو حتى لم يقابلني مرة واحدة، فقط الكثير يقرؤون ملامحي من خلال صوري وقصائدي ويُركّبون عليّ صورةً مغشوشة عن الحقيقة… وهو عجزهم عن التفريق بين الغرور والأنفة…
لقد كتبتُ الشعر لأجني محبّة الناس لا عداءهم وفخاخهم الكثيرة
كتبتُ الشعر بحب كبير للإنسان بعيدا عن كل مرض لا انساني
الأصدقاء والأحبة ، انا لا أكره أحدا، ولكن حين يجب أن أدافع عن نفسي ضد الظلم فإنّني سأتصرّف…..
أصدقائي وصديقاتي وأخوتي، أنا ذلك الطفل الرّيفي صاحب الأنفة الذي لا يخجل من تاريخه ومن حياته، بل يتشرف بكل لحظة قاسية وكل عمل تافه وبسيط قام به…
وانا ابن هذا الشعب العربي المكافح من أجل الحرية والكرامة والسلام..طلعتُ من كل جراح هذه الأمة محمّلا بالحب رغم كل شيء، فلا تلومو أخطاءنا وعثراتنا، نحن نتعلم ونستفيد منكم..
ثمة فرق كبير بين الغرور والأنفة وأصحاب الأنفة فقط يعرفون بعضهم البعض.
إنّنا نُزيّن حديقة حياتنا فلا تقسو علينا
أرجو أن تصل الرسالة إلى الجميع…

 

Related posts