” عاصفة الشعوب القوية “

” عاصفة الشعوب القوية ”

بقلم/محمد العمدة

منذ اندلاع احتجاجات فرنسا اتابع عن كثب يوميآ الأحداث وما يحدث من تطورات في الأوضاع السياسية هناك وبعد أحداث عاصفة شهدتها فرنسا في الأيام الماضية والتي بدأت شرارتها في السابع عشر من نوفمبر فيما يعرف بحركة “السترات الصفراء” قد قامت الحكومة بالتراجع عن قرار زيادة الضريبة على المحروقات والغاز والكهرباء ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 1800 يورو
ربما يظن البعض بأن تراجع الحكومه الفرنسية عن قرار زيادة الضرائب يُعد مكسبا للحركة المطلبية المنتفضة ولكن في أغلب الظن وبعد تحليل الأمر ربما تكون مجرد مناورة تستهدف بالأساس وتحت ضغط الأزمة العميقة للرأسمالية الفرنسية ونقل المعركة إلي منطقة أخرى أقل خطرا و تكلفة من حيث انعكاساتها السياسية وإفرازاتها الاجتماعية والتي من الممكن أن تجلب قطاعات أخرى إلى ساحة المعركة، تساهم في تعميق أزمة النظام وتهدد وجوده حيث أن الحركة المطلبية لاقت تأييدا وتعاطفا واسعا من الطبقات الشعبية في فرنسا “72% من السكان” لذلك اضطر ماكرون وحكومته جبريا على سلوك هذا المسار وسد الطريق على سيناريوهات ستكون نتائجها باهظة التكاليف على مجمل المنظومة الرأسمالية الحاكمة ومن المحتمل أن يتلاقى هذا المسار مع اليمين الفرنسي
خطر اليمين الفرنسي حاضر في كل السيناريوهات سواء بعد تراجع الحكومة عن قرار الضريبة أو في حالة التصعيد من جانب السترات الصفراء، مما يجعل اليسار الجذري أمام اختبار تاريخي من حيث التأثير على مجرى الأحداث في حالة اشتباكه مع هذه المعركة الحدية . وضرورة صياغة أشكال نضالية جديدة والإلتحام مع هذه الحركة وتأطيرها تنظيميا وتطويرها وبلورة شعاراتها اشتراكيا .
بعد متابعة للتصريحات الحكومية في فرنسا خلال الأيام الماضية، جاء تصريح لأحد الوزراء الفرنسيين يؤكد فيه على أن “الخوف ليس من السترات الصفراء، بل من تعمق هذه الحركة والتحام الطبقة العاملة بها هذا هو الخطر الأكبر” وبعد تراجع الحكومة عن قرارها بزيادة الضرائب، صرح رئيس الوزراء وقال نصآ “وحدة فرنسا أهم من أي ضريبة” . نلاحظ هنا وطبقا للخطاب السياسي الحكومي أن الخوف من تجذر الحركة الجماهيرية دفع الحكومة للإستعانة بالنوتة الموسيقية الخالدة للبرجوازية، وعزف لحن الوطن ووحدته “المقدسة” والذي يتم دائما الإستعانة به في أوقات الأزمات العميقة وعندما يحوم شبح العمال في الأفق السياسي
بالرغم من عدم تحرك غالبية النقابات العمالية في فرنسا مع حركة السترات الصفراء واقتصار الأمر على تصريحات إعلامية تتسم بالغموض والضبابية إلا أن الخوف الذي استشعرته الحكومة الفرنسيه جاء من بوادر التمرد القاعدي داخل النقابات ضد القيادات العمالية المهادنة والمتبرجزة “أخبار هذا التمرد انتشرت عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي”. وأيضا تعاطف الطبقات الشعبية مع حركة السترات الصفراء جعل من التراجع الحكومي أمرا لا مفر منه و أن الحكومة الفرنسية ومن خلال الإصلاحات الضريبية قامت بإلغاء الضريبة على الثروة، والتي تصب في صالح الأثرياء. وفي نفس الوقت واستكمالا لهذه الإصلاحات قامت بزيادة الضرائب على صندوق المعاشات التقاعدية والطبقات الشعبية والموظفين الأمر الذي سيشهد ارتفاع دخل أثرياء فرنسا بنسبة 6% بحلول عام 2019 وزيادة قوتهم الشرائية بمقدار 28300 يورو وكل هذا على حساب الطبقات الفقيرة، فإن فقراء فرنسا سيشهدون انخفاض في دخولهم في نفس الوقت الذي سترتفع معه أسعار السلع والخدمات كل هذا كان قبل قرار زيادة الضرائب على الوقود، الذي كان السبب المباشر لخروج احتجاجات السترات الصفراء الحكومة الفرنسية لم تتراجع عن قرار زيادة الضرائب خوفا من حركة السترات الصفراء بقدر خوفها من أن يتحول لون السترات إلى (الأحمر) وهذا هوالخطر الأكبر كما صرح أحد الوزراء وهذا الخطر لا يهدد فقط فرنسا ولكن سيمتد تأثيره خارجها إذا استمرت تلك الأوضاع إلى حلقات أخرى من السلسلة ربما تحمل الأيام القليلة القادمة عاصفة شعبية قوية في أحشائها ما لا يتوقعه أحد حيث أن الشعوب تقوم بحشد نفسها تباعا لتحقيق اهدافها المرجوة .

Related posts