.ان الكتاب الذي أصدره خالد الزعفراني بعنوان (الإسلام هو الحل) صدر عن دار القادسية للنشر والتوزيع ، وتقوم بتوزيعه مكتبة محطة ترام الأسكندرية شأنها شأن كثير من المكتبات المتناثرة التي كانت تديرها هذه الجماعات في ذلك الوقت في مدينة الأسكندرية قبلة النازحين من مختلف أقاليم مصر من شباب الجماعات الإسلامية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ، والتي كانت تشهد حركة تأسلم سلفي وسياسي عارمة ، في ذلك الوقت نظراً لأن جامعاتها كانت تستوعب الغالبية الساحقة من طلاب الجامعات في الوجه البحري ومنهم خالد الزعفراني القادم من إحدي قري مركز فوة التابع لمحافظة كفر الشيخ ، وهومؤلف هذا الكتاب أو بمعني أدق المكلف من قبل جماعات الفاشية المتأسلمة بإعداد مادة هذا الكتاب للطبع والنشر في توقيت يتناسب مع بدء الإنتخابات البرلمانية في مطلع صيف عام 1984 ، والكتاب بدون رقم إيداع أو ترقيم أو تاريخ يسمح لنا بمعرفة توقيت نشره ، إلا أن تضمينه في المتن لنص الدستور الذي أقره المجلس الإسلامي العالمي الذي انعقد في 10 ديسمبر 1984 ، وكذلك ظهور الشعار الإنتخابي الذي شكل عنوانا لهذا الكتاب (الإسلام هو الحل) كشعار لأول ظهور إنتخابي سياسي منظم لجماعة الإخوان المسلمين وجماعات التأسلم السياسي يجعلنا نجزم بأن هذا الكتاب قد صدر علي الأكثر في بدايات عام 1984 وليس قبل ذلك ..
الكتاب يبدأ في نصفه الأول والأقل أهمية من وجهة نظري بالحديث عن لماذا “الإسلام” هو الحل ؟
وبادئ ذي بدء علينا أن نعرف أن المقصود ب(الإسلام) هنا هو تلك القراءة التي اعتنقتها الجماعات والتيارات التي نظرت للدين الإسلامي علي أساس أنه وسيلة لانتزاع السلطة ونظام للحكم ، وطريقة حياة معينة للعيش في ظل هذا الحكم ، وعليه علينا أن نفرق بين مصطلح(إلإسلام) الديانة وبين إصطلاح شيوخ وعمائم وزعماء هذه الجماعات علي مر التاريخ لقراءتهم وتفسيرهم الذي يشكل إسلامهم هم ، وبما أنهم يريدون فرض رؤيتهم هذه علي الجميع فيطلقون عليها مسمي (الإسلام) ..
فالإسلام الوارد إذن في محتويات هذا الكتاب لاينصرف إلي الإسلام الذي يمثل دينا للملايين من البشر في أنحاء العالم ، وهذه بديهية جديرة بأن تصاحبنا طوال تأملنا لشعار الإسلام هو الحل ، ففي حقيقة الأمر هنا أن الحل المقدم ماهو إلا رؤية هذه الجماعات ..
يتحدث الكتاب عن ضرورة الحل الإسلامي كبديل من وجهة نظره للفشل الذي وصلت إليه مصر بعد سقوط الخلافة العثمانية ، وكأن شعبها قد واجه اليتم بعد ذلك .. فهي قد طبقت الحل الليبرالي حتي عام 1952 (الكتاب يفترض ذلك) ثم فشل هذا الحل الليبرالي وسقط في هزيمة 1948 فقام (إنقلاب) يوليو 1952 وقام بتطبيق (الحل الأشتراكي) فجاءت هزيمة يونيو 76 لتعلن فشل هذا الحل ..
ويهمني هنا أن أوضح إلي أي مدي يمكن أن هذا المنهج التلفيقي المزيف للوعي فهو يصل التمادي الساذج فيه إلي درجة شبيهة بطريقة تأليف المواقف الكوميدية الشديدة السذاجة والركاكة بصورة لاتحترم العقل ولا المنطق ولا الأمانة في تأليف حكايات تعبر عن التشوه والتشوش الذهني لقيادات هذه الجماعات ومالكي ناصية خطابها .. إذ يقول الزعفراني أو يقول من كلفوه بطبع هذا الكتاب ونشره وقتها(ص 9) :
((ثم جاءت هزيمة يونيو 1967 ،وأخذ زعماء الحل الثوري الإشتراكي يقتلون بعضهم البعض ، وتنعاهم زوجاتهم الراقصات ..بينما تجمع الجنود اليهود حول حائط المبكي يهتفون مع موشي ديان :
هذا يوم بيوم خيبر .. يالثأرات خيبر
حطوا المشمش ع التفاح ، دين محمد ولي وراح
محمد مات .. خلف بنات ))
وبنفس هذه الطريقة الفجة يورد الكتاب حكايات يدلل بها علي تآمر الدول الإشتراكية علينا ، وأن تحالفنا معها كان أحد الأسباب الأساسية لهزيمة 67 فيحكي عن عدم إمداد الإتحاد السوفيتي لمصر بالسلاح اللازم!!!
، إلي أن يورد حكاية غريبة في (ص 32) عن جلوس الزعيم الكوبي فيدل كاسترو مع دبلوماسي إسرائيلي !!! ليحذر عبره إسرائيل من خطورة حركات المقاومة الفلسطينية (يسميها الكتاب هنا”حركات الفداء الفلسطيني”) !!! وينصح كاسترو !!!! إسرائيل ألا تترك هذه الحركات تتخذ “طابعاً إسلامياً” لأن هذا الطابع العقائدي سبشعل الحماس في صفوف الشعب الفلسطيني ويستقطب الجماعات الإسلامية في البلاد الأخري للإنضمام إلي حركات “الفداء الفلسطيني” إلي أن يجعل ذلك من المستحيل علي أسرائيل أن تدافع عن بقائها ، وأن علي إسرائيل أن تجعل من كل دول جوارها دولاً إشتراكية لإن ذلك في صالح التعايش السلمي”الإشتراكي” العربي مع إسرائيل !!!!!!!
وبالمناسبة هنا فاللافت للنظر أن هذا الكتاب أو “المانفستو التاريخي لم ترد فيه أية إشارة للتحولات الإقتصادية والإجتماعية التي كانت تتم في هذه الفترة علي يد السادات وخليفته مبارك ، ولا أية إشارة إلي موقف ما من معاهدات كامب ديفيد ، وكذلك لاتوجد أية إشارة إلي إلقاء السادات ل99% من أوراق حل الصراع العربي الإسرائيلي في يد الولايات المتحدة الأمريكية ، ولاعن تعدي ذلك الأمر إلي البدء في سياسات التكيف الهيكلي التام مع سياسات المركز الرأسمالي العالمي ، والإندماج الهيكلي في سياسات الهيمنة الأمريكية علي منطقة الشرق الأوسط ، وسياساتها الإستعمارية في أفريقيا وباقي العالم ..
أما فيما يتعلق بالإتحاد السوفيتي فأمر مساندته لمصر ولجميع حركات التحرر الوطني في هذا الوقت لايمكن أن يكون محل بحث وتحقيق ، بل أنه في 67 قد قد أنقذ مصر بالفعل من توغل العدوان الإسرائيلي داخل مدن المصرية وعربية بالشكل الذي كان سيؤدي إلي دخولها لأحد العواصم العربية ، وربما يعرف الكثيرون أن مجلس الأمن قد اتخذ قراراً بالإجماع في السادس من يونيو 1967 بوقف إطلاق النار ، لم تمتثل له إسرائيل ، وتلاه قرار ثان في السابع من يونيو ، ثم في الثامن من يونيو وبعد أن أبلغت الحكومة المصرية قرارها بالموافقة علي وقف إطلاق النار لم تتوقف إسرائيل إلي يوم العاشر من الشهر نفسه ..
لم تتوقف إسرائيل عن عدوانها إلا بعد ثلاث ساعات من إبلاغ الإتحاد السوڤيتي للإدارة الأمريكية برسالة مفادها أنه “إذا لم توقف أسرائيل عملياتها العسكرية فإن الإتحاد السوڤيتي لن يتواني عن اتخاذ تدابير ذات طابع عسكري” (المصدر : أليكسي فاسيلييف “من لينين إلي بوتن : روسيا في الشرق الأوسط)
أما بالنسبة لكاسترو فمواقفه ومواقف كوبا من الحق الفلسطيني ومن مساندة القضية الفلسطينية معروفة تماماً ويكفي أن كوبا هي أول دولة في الأمريكتين تقطع علاقاتها مع إسرائيل بعد يونيو67 ، وكاسترو كانت تربطه صداقة قوية بياسر عرفات وقادة منظمة التحرير الفلسطينية وحتي مات كانت مواقفه دائمًا إلي جانب حقوق الشعب الفلسطيني ، ولكن العقل المتجمد والذهن المشلول والفكر المشوش لعمائم وزعامات تيارات وجماعات التأسلم الفاشي كلها أسباب لم تستطع معها هذه العمامات واللحي أن تضع هذه الحقائق أمامها وهي تقوم بهذا التأليف الساذج المريض للحكايات ..
المهم هنا لدي الزعفراني أو المؤلفون الحقيقيون للكتاب الزعم بأن كلا من الحل الليبرالي والحل الإشتراكي قد طبقا في مصر (كل بدوره كما ورد في الكتاب) ، وكلاهما قد فشل ، وبالتالي فإن الدور في التطبيق قد جاء علي الحل الإسلامي ، وعلي إعتبار أن تلك كانت حلول صناعية مستوردة فرضها الإستعمار ، وأن الحل الإسلامي (قلنا مسبقاً أن الإسلام هنا هو إسلامهم هم) هو حل طبيعي من صنع الله ، ثم يعرج الكتاب إلي مبدأ الحاكمية (الحكم باسم الله) باعتباره هو سر قوة الأمة
(ملحوظة : والأمة هنا هي ليست “الأمة المصرية” التي ترتبط برابط الوطنية ، إنما هي كناية عن “الأمة الإسلامية” التي ترتبط برابط الدين باعتبار أن رابط الوطنية هو بدعة من بدع الكفار الأوربيين)
ونلاحظ في (ص13) من الكتاب جملة تتبجح تبجحاً شديداً لتبرر وتشرعن الإستبداد والطغيان إذا ماأتي علي أيدي هؤلاء المتزعمين للحاكمية إذ يقول :
((لم يفكر حاكم من الحكام طول هذه القرون الثلاثة عشر أن يرفض الإلتزام بمبدأ الإسلام ، والإحتكام إلي شرعه ، وإن بلغ في الإستبداد والطغيان مابلغ .
ولم يخطر ببال شعب من الشعوب المسلمة أن يحكمه يوماً ما نظام الإسلام ، أو تسود فيه فكرة غير فكرة الأسلام ))
وهكذا إلي آخره كتمجيد لمبدأ الحاكمية التي يعد الأساس الذي بدونه لن يتم تشييد “الحل الإسلامي” من وجهة نظر الكتاب وصاحبه ، وأصحابه ..
وقد يسأل أحدنا عن معالم ذلك “الحل الإسلامي” الذي يطرحه الكتاب ويطرحه عنوانه((الإسلام هو الحل)) الذي سيصبح فيما بعد هو شعار جماعة الإخوان المسلمين وكافة جماعات فاشية التأسلم السياسي في كل المعارك السياسية التي أعقبت صدور ذلك الكتاب في أنحاء مصر مما يجعل الإعتقاد بأن هذا الكتاب كان عبارة عن تكليف سياسي و”مانفستو” عام يحدد الأجندة السياسية لهذه التيارات فيما بعد..
والحقيقة أن الحلول التي سيبحث عنها المهتمون في هذا الكتاب لاتعدو كونها شعارات عامة ، وشكوي من سيادة القوانين “الوضعية” التي كانت السر وراء فشل الحلين الليبرالي والإشتراكي ، والشكوي من أن الشريعة الإسلامية قد حصرت منذ سقوط الخلافة العثمانية في ركن ضيق هو (الأحوال الشخصية) وهكذا .. إلي أن يصل الكتاب في ص 38 إلي حالة تشبه الهتاف الصاخب علي النحو التالي :
((فلم يبق إلا حل واحد
هو الحل البديل
وهو الحل الحتمي
وهو الحل الوحيد
ذلكم هو الحل الإسلامي ..))
ولكن ماهي معالم هذا الحل ؟
لنترك هذا لمرة قادمة ..يتسع لها المزيد من الوقت
-حمدى عبد العزيز
كاتب وشاعر
المحموديه .محافظة البحيره
7 أكتوبر 2018