أعلن الرئيس.. ثم طالب.. ثم ماذا؟!
متابعة خميس اسماعيل
عملان إرهابيان جديدان، وضحايا جدد.
والأهم من الإدانة وسب ولعن من قاموا بهما، هو العمل على عدم حدوث عمليات أخرى. وكذا الأهم من المطالبة بمحاسبة من قصّروا، إن ثبت تقصيرهم، هو لفت النظر إلى ضرورة مراجعة خطط تأمين الأماكن الحيوية. وإن كانت الإشارة واجبة إلى أن المتهمين بالتقصير، إن حدث، والمتهمين بالتواطؤ مع المقصرين، إن فعلوا، هم أول من يكتوون بنار عدم محاسبتهم، قبل غيرهم.
والإشارة أيضًا واجبة إلى أن شبهة وجود تقصير فى تأمين كنيسة مار جرجس بطنطا، قد تنتفى بإحباط شهداء الداخلية لعملية انتحارية فى محيط الكنيسة المرقسية بالإسكندرية وتضحيتهم بأرواحهم لإنقاذ أرواح المئات.
أما الأكثر أهمية من كل ما سبق، فهو ضرورة محاسبة من يؤدى تقصيرهم المؤكد إلى حدوث عشرات أو مئات الحوادث. وأقصد من يتجاهلون مزارع تفريخ الإرهابيين التى تواصل عملها فى وضح النهار، ويتركون الحبل على الغارب لمن يتقيأون فى الأدمغة بما لا يقود إلا إلى التطرف، ويضيفون بتقيؤاتهم إرهابيين جددًا إلى الحاليين، الذين سيواصلون إرهابهم ما بقيت أوهام تحقيق أهدافهم قائمة. وتكون واهمًا إن لم تنتظر مزيدًا من الإرهاب ممن امتلأت أدمغتهم أو تمت برمجتهم على أنهم يخوضون معركة «البقاء أو الموت».
وربما يظل وهم البقاء يراودهم ما بقيت أصنامهم التى يعبدون على قيد الحياة. وعليه، قلنا مرارًا وتكرارًا وسنظل نقول ونكرر: اعدموا المربوط ولمّوا السائب.
أيضًا، لسنا فى حاجة إلى إثباتات جديدة وأدلة جديدة وكوارث جديدة ووساخات جديدة وسفالات جديدة وضحايا آخرين، ليخرس إلى الأبد من يطالبون بعدم شيطنة الشياطين أو يصفون تنظيمًا إرهابيًا بـ«الفصيل السياسى» أو من يزعمون أو يتوهمون أن هناك حلولًا سياسية متاحة أو ممكنة مع إرهابيين.
فالتفاوض يكون مع السياسى لا مع الأيديولوجى، وهؤلاء مؤدلجين ومبرمجين وفات أوان إعادة أدلجتهم أو تغيير «سوفت وير» أدمغتهم.
«إعلان حالة الطوارئ، إغلاق الحدود، تحذير المواطنين من مغادرة منازلهم، نزول الجيش، إعلان التعبئة العامة».
وبمصاحبة تلك القرارات، قامت السلطات الفرنسية بتوسيع دائرة الاشتباه واتخذت عددًا من الإجراءات الاستثنائية، الطبيعية فى مثل تلك الكارثة التى حلت بـ«فرنسا» فى نوفمبر 2015.
كما اتخذت بلجيكا إجراءات شبيهة فى مارس 2016. وفى الحالتين وفى حالات أخرى غيرها، كتبت أن أى إجراءات استثنائية، أراها طبيعية وعادية جدًا فى مثل هذه الظروف الاستثنائية أو الكارثية.
وكنت ضد استخدام ما يحدث هناك، لتبرير أو تفسير ما حدث (ويحدث) هنا، لأن العادى والطبيعى لا يحتاج تبريرًا أو تفسيرًا. غير أننى كنت وما زلت كلما وقعت كارثة لا أستطيع منع نفسى من التفكير فى ردود أفعال أولاد ال…. (وضع مكان النقاط أى شتائم تراها مناسبة) أصحاب نظريات أو «هلاوس» مواجهة الإرهاب بالحب والقبلات والأحضان الدافئة. وكذا تقيؤات مرددى مزاعم إمكانية احتواء الإرهابيين ومبررى جرائمهم بالأفق السياسى المسدود، أو بأى «كلام فارغ» مدفوع الثمن أو ناتج عن أمراض نفسية!
لا حل إلا بالقانون.. شريطة أن تتحقق العدالة الناجزة.
غير أن يد العدالة مغلولة بالقوانين و«إحنا مش حانستنى علی ده، إحنا حانعدل القوانين اللى تخلينا ننفذ العدالة فى أسرع وقت ممكن، وخلال أيام حاتتعرض القوانين اللى حاتتعدل عشان ننفذ القانون فى أسرع وقت».
اقتربت الذكرى السنوية الثانية لإعلان الرئيس عبدالفتاح السيسى، عن التعديلات المرتقبة، لقانون الإجراءات الجنائية، يوم تشييع جنازة المستشار هشام بركات، النائب العام السابق، رحمه الله. ووقتها، أوضح الرئيس أن الدولة ملتزمة بالقوانين المعمول بها والتى تسير المحاكمات وفقًا لها، وأن نصوص هذه القوانين تكبّل عمل القضاء وتحول دون تحقيق العدالة الناجزة أو القصاص الناجز ممن يريقون دماءنا. وعرفنا أن بين التعديلات التى كانت مرتقبة، ما كان يستهدف إبطال الحيل التى يلجأ الدفاع لإطالة أمد التقاضى: رد المحكمة الذى يوقف سير الدعوى ويحيلها إلى دائرة أخرى تعيد النظر فيها من البداية (أو من أول وجديد).. وطلب شهود جدد لا صلة لهم بالدعوى.. وغيرهما.
ومرت الأيام وتلتها أيام أخرى كثيرة، ولم نر أى تعديلات، بل رأينا الرئيس، فى ديسمبر الماضى، يحوّل الإعلان عن التعديلات (التى كانت مرتقبة) إلى «مطالبة» فى جنازة الشهداء، ضحايا الحادث الإرهابى الذى استهدف الكنيسة البطرسية! رأينا وسمعنا الرئيس يطالب القضاء والبرلمان والحكومة بالتحرك: «لازم نتحرك أكتر من كده، القضاء مش حاينفع كده»!
وأيضًا، مرت الأيام وتلتها أيام أخرى كثيرة، وأيضًا لم نر أى تعديلات!
وقبل أن نرى الرئيس يجدد الإعلان أو يعاود المطالبة، أشير إلى أن الأزمة ليست فى القانون أو فى تعديلاته فقط، وإنما أيضًا فى قلة عدد القضاة وعدم انعقاد دوائر الإرهاب بشكل دائم، بالإضافة إلى أسباب لا منطقية تتمثل فى عدد أيام عمل القضاة وعدم وجود قاعات كافية للمتهمين وتلك البيروقراطية المقيتة التى تدار بها المحاكم!