(1) لغة الجمال في شعر ليلى العربي
دكتور احمد مصطفى متابعة : مختار عياد القسم الادبي
في تلك الحالة من المشاعر النبيلة التي أحملها لصديقتي الرائعة الشاعرة الجميلة ، كنتُ أشعرُ وأنا أقرأ شعرها أن كل قصيدة لهاهي خربشةً جرئيةعلى خريطةٍ تقودها إلى مزيد من العطاء الأدبي الذي يجعلها في قائمة شعراء الصف الأول في وقتنا الحاضر. كل كلمات الشعر الجميلة، وكل المشاعر الصادرة من سيدة نبيلة ،وكل تفاصيل الطبيعة ، التي جعلت المرء يطوق لشعرها بترقب وانتظار ، لكني – فعلا – سعدت بقراءة هذا الانتاج الهائل الذي يجعل المرء يشرف بمعرفة هذه المعلمة الشاعرة الطيبة الإنسانة ،وحين قرأت قصائدها ،انتابني حالة من الشجن وهالة من الاهتمام والشغف لدراسة هذا الشعر،فلم أكن أتصور أن في حياتنا الملئية بالصخب والضجيج ومتاعب الحياة مثل هذه المشاعر المتباينة على جدران الكلمة، ولكن شعوري كان يؤكد لي أني أتعامل مع أنموذج رائع من أدب المرأة في ثوب متدين معتدل ، حتى في التشابهاتِ الطفيفة..والعادات، والأمنياتِ المتأرجحة على سنواتِ اعتمادها شاعرة ، ،ودوائرِ التفوق والابداع التي تنمو مع الأيام ..
ليلى العربي هذا الاسم الجميل الذي يطوف بنا مع شاعرات الزمن الجميل ، ومعشوقات الشعراء القدامي أمثال (ليلى الأخيلية- ليلى حبيبة قيس..) على حد قولها:
أنا لغةٌ على الآفاق حيرى
ولحن ٌ من تراتيل العذابِ
عزفتُ قصائدي لحناً شجياً
وشوقي بين أمطار الغيابِ
” ليلى محمد عبد المنعم محمد العربي. هي ليلى العربي أيضا وهي “راهبة الشعر” وهي عاشقة من عاشقات اللغة والشعرهي صوت نسائي وإنساني تبدى حسها الشعري منذ أن عرفتها وهي طالبة بقسم اللغة العربية. كانت في مقتبل سن الصبا والشباب والحلم والطموح والأمل، يغلب على سمتها الحياء المشوب بالخجل الشديد، خفيفة الحركة، نشيطة بين زملائها من الطلبة والطالبات، ظلت ليلى كما هي طيلة سنوات الدراسة حتى تخرجت ونالت شهادتها الجامعية، وانطلقت بها مسيرة الحياة، كما حملتني سفينتها من شاطيء إلى شاطيء ومن مرسى إلى مرسى. وابتعدت المسافات وتغيرت وجوه الطلاب أمام الأستاذ، وتبدلت الظروف الاجتماعية والثقافية في بلادنا، وفي بلاد الناس الذين ذهبنا للعمل بجامعاتهم. وما أكثر الطلبة والطالبات اللائي تركن في وعي الأستاذ علامة تذكره بأبنائه وبناته معا، ولكنه حين يستحضر هذه العلامة، يدرك أن هؤلاء وهؤلاء، قد كبروا وتغيرت ملامحهم الأولى، وأنهم قد ترامت بهم أماكن العمل في داخل مصر أو خارجها، ويصعب عليه أن يلتقي بأحد منهم. ومن مميزات شبكة المعلومات، تقريب المسافات، واختصار الجغرافيا، واستحضار الوجوه، وتنشيط الذاكرة لتعاود من جديد استحضار العلامات أو الزمن الذي مضى، فنتعرف على وجوه كنا نظن أن لقاءها صعب. ومن هذه الوجوه التي استحضرتها، ليلى العربي أو درة الشعراء كما سمت نفسها أو سماها محبوها على صفحة الفيس بوك.قرأت لها شعرا منسابا عبر هذا الفضاء الاليكتروني، وكتبت معلقا على بعض هذا الشعر، وشعرت أن السنين التي مضت عادت وتخيلت ليلى الطالبة في الجامعة كما تخيلت نفسي وقد عادت بي السنون في مدرج أمين الخولي بكلية الآداب جامعة الزقازيق. ثم التقينا عبورا أثناء إجازة من إجازات الصيف.
ودرة الشعراء نشرت قبل “راهبة الشعر” ثلاثة من الدواوين الشعرية هي:” عبرات الفجر” 2006 و” رسالة شهر زاد الأخيرة” يناير 2014 و ” نغمات شاعرة أو تراتيل العشق” يوليو 2014. وشاركت في أنشطة شعرية ندوات ومؤتمرات في القاهرة ومحافظات مصر ثم مسابقة أمير الشعراء بأبوظبي 2009م.” (ينظر: مقدمة ديوان راهبة الشعر دكتورأحمد يوسف على).
وفي قصائدها( يابحر حنانك- أنا والبحر- حوار مع القمر- ) جاءت الرؤية الداخلية للشعر عندها، فقلبت المعادلة، إذ أنها ترى المواقف من منظورها الكاشف لخفاياها الدالة على شعورها النفسي، وقد تمظهر التشكيل الجمالي الفني للبحر والمكان والقمر عبر ما اتخذته من دلالات داخل الإطار النفسي العام الذي لم يراع ِ صنوف التشابه العياني في إخراجه لصورة الموقف بل ينطلق من منطلق إبداعي يتكئ على علاقة الشاعرة ورؤيتها لمحيطة، فأصبح حنان البحرموسيقى تبدع الشاعرة من خلالها عن همومها ومآسيها ومكنوناتها.
موسيقى
تتناثرُ
في موج الأسرار
أغنيةٌ ظمأى
ومعانٍ تتلألأ
والفضةُ ذائبةٌ
في أفقٍ وسحاب
والتبرُ حنينٌ
والنورُ غياب !!
وفي حوارها مع القمر نجد هذا التوصيف المجمل للحالة التي توصلت إليها بعد عشقها للقمر بصورة مختلفة عما يراه كثرمن الناس تقول:
فجاوب : كلا ..رأيتُ القمر ..
ضياءً يسافرُ بين الشجر ..
ويرنو .. فألمحُ عينيْك ..لا ..
أراهُ .. وشوقُ الفؤادِ استعر ..!
فقلتُ : أيا شاعرى ما ترى ..
نسيما يحلّقُ حتى يمر ..؟؟
، فقد تأكد لنا من خلال هذه المقطوعة الشعرية المميزة كعادة شاعرتنا أنها محاور فاعلة في كشف أفق طيب وحري أن تُدار حولها رؤى النقد.
ولاغرابة في أن تنشغل مثل شاعرنا بموضوع الطبيعة، وتضيف لها مقطوعات تضم لإبداع الشعراء ، بالإضافة إلى أشكال تأثيرها وطبيعة هذا التأثير، أما في نطاق الإبداع ، فإن الأمر يبدو أكثر تناغماً وجمالا ،كما أن الانجذاب إلى الطبيعة واستنطاق دلالاتها يعمق رؤيةالشاعر،وينافح عن مشاعره وأحاسيسه الباحثة عن التكيف.ونتيجة بدهية لسعة عملية التفاعل مع نصه ولعل ذلك يعد أكثرا وضوحا في مجمل دواوينها التي أذكر منها (رسالة شهرزاد – نغمات شاعرة) ويشغل (ليلى) الصور الشعرية الحسية القائمة على المشابهة من خلال استخدام التشبيه والاستعارة، والاستعانة بالصورة المجاورة عبر المزج بين المجاز المرسل والكناية الإحالية في التصوير والبيان. ويمكن أن تتخذ الصور البلاغية ذات النطاق الحسي طابعا رمزيا خاصة في المقاطع الشعرية (قلبي يذوب- إسراء- وأصبحنا غريبين) ولايفوتني التنويه بأن ما حمله شعر(ليلى العربي) من رقة الألفاظ وسلاسة المعاني وتميز الصور كان له أكبر الأثر في تسهيل عملية تلحينها وتأثيرها بالمتذوقين .. فهي قصائد موشاة بالمقامات اللحنية مرصعة بالأوتار الأدبية.
