مَسْرحةُ التراثِ في تجربة(لمحات من عبق التراث) للكاتبة نوال مهنى(2)

إعداد:
الأستاذ الدكتورو/ صــبري فــوزي أبوحســين
أستاذ الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات
وعضو اتحاد كتاب مصر

ثانيًا: الهيكل الخارجي:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– عتبة الغلاف
جاء الغلاف الأمامي في لون أخضر فاتح، وتكون من عنوان المجموعة المسرحية في الأعلى(لمحات من عبق التراث)، ثم لوحة في وسط صفحة الغلاف في أعلاها صورة لامرأة ذات سمت عربي في شكلها وثيابها، وصحراء، بها جمال عليها هوادج، وفي أسفلها الأيمن صورة رجل غير واضح المعالم، يمسك بأداة حفر وبعض نباتات صحراوية. وهي لوحة فنية معبرة عن الغاية الكبرى من هذه المجموعة المسرحية حيث الأصالة والعراقة التي فيها الذكر والأنثى فاعلان وبناءان، ثم تأتي العبارة الإيضاحية للعنوان[مسرحيات نثرية قصيرة، وأسفلها اسم الكاتبة]؛ لتوضح النوع الأدبي المنجز(المسرح)، وشكل الإبداع في صياغته(نثر)، وحجم الإبداع(قصير).
أما الغلاف الخلفي فجاء مكونًا من صورة للكاتبة، وفقرة معبرة -أجلى تعبير- عن معالم التجربة الفنية في هذه المسرحيات القصيرة، مقتبسة من كاتب التصدير النقدي(أستاذي صابر عبدالدايم)، والدار الناشرة: كتاب طيوف.
وبهذا يتضح لنا الروح الخضراء للكاتبة، والخيرية التي تنطوي عليها التجارب المقدمة التي يشير إليها اللون الأخضر المريح للإنسان عينًا ونفسًا، وانفعالها مع البيئة العربية الصحراوية العتيقة، وعنايتها بشأن المرأة وقضاياها، وذلك واضح لمن يقرأ تجارب هذا العمل المبحوث!
– العنوان
جاء عنوان هذا العمل المسرحي جملة اسمية،هي: (لمحات من عبق التراث). وقد تكونت من:
– المبتدأ(لمحات): وهو جمع مؤنث سالم للمفردة(لمحة)، التي هي النظرة العجلى، يقال: رأيته لمحةَ البرق أي قدر لمعة البرق من الزمان، والشيء الواضح، وما في الوجه من محاسن ومشابه، يقال: في فلان لمحة من أبيه، أي شبه. ولعل في هذه اللفظة(لمحات) إشارة من الكاتبة إلى طريقة التعبير اللغوي، والبناء الفني في التجارب، وهي القائمة على القصر والإيجاز، والوضوح. وإن كنت أفضل هنا لفظة(قبسات)!
-الخبر شبه الجملة(من عبق التراث). ولفظة (عبق) هنا يجوز نطقها بالفتح والكسر: بالفتح(عبَق) تكون مصدرًا للفعل: عبِق، يقال: عبِقَ به الطيب يعبَقُ عبَقًا: لزِقَ وظهرت فيه رائحته. فدلالة الطيب والعطر لابد من ذكر لفظها مع الفعل (عبِق) أو مصدره (عبَق)، فهي تدل على اللزوق مطلقًا، والإقامة بالمكان والولوع بالشيء( ). وهذه الدلالة موجودة أيضًا بهذه المجموعة المسرحية: لزوق بالتراث، وإقامة فيه، وولوع به. ويجوز أن تُنطق بالكسر، يقال: رجل عبِق لبِق: ظريف، ويقال:امرأة عبقة لبقة: يشاكلها كل لباس طيب. والظرف والشكل الطيب دلالتان موجودتان في كثير من تجارب هذه المجموعة المسرحية. وهذه اللفظة(عبق) تدل على معيار الكاتبة(نوال مهنى) في الانتقاء والانتخاب من تراثنا المنداح، حيث تركز على المادة القصصية الظريفة الحسنة أو ذات الأثر الطيب العطِر.
أما لفظة(التراث) فهي ما ورث، أو ما يصير إلى الإنسان من الآباء والأجداد( )، وهي تشير إلى مصدر المادة الفكرية والأحداث المضمنة في هذه المسرحيات القصيرة، فهي من التراث، أي أنها قديمة عريقة أصيلة، موروثة، وليست واقعية ولا خيالية ولا عبثية، ولا سريالية ولا مستقبلية!
– الإهداء
جاء الإهداء ثلاثة أسطر، نصه: “إلى عشاق القراءة ومحبي التراث، أهدي هذه المجموعة من المسرحيات النثرية القصيرة؛ عسى أن يجدوا فيها-إلى جانب متعة القراءة-معلومة مفيدة وفكرة صالحة وحكمة صائبة”.
وواضح من هذا الإهداء مدى إدراك الكاتبة وقصديتها إلى نوع خاص من المتلقين لهذه المجموعة المسرحية، وهم (محبو التراث، وعشاق القراءة)، ومدى حرص الكاتبة على الغايتين الكبريين من الإبداع الأدبي:الإمتاع النفسي، والتنمية العقلية، فـ(نوال مهنى) المعلمة الخبيرة الحكيمة هي الحاضرة في هذا العمل الأدبي؛ فهو أنموذج للمسرح التعليمي المدرسي الهادف. ولعل مسرحيتها(الشاعر والسوق) تدل على ذلك فعلى لسان شخصيتها البطلة (الشاعر) يقول:أنا ضمير الشعب ولسان المجتمع المعبر عن آماله وطموحاته، والحافظ لفنه وتراثه، والراوي لتاريخه وأمجاده( ). وفي مسرحيتها(الجاحظ وصورة الشيطان) تقول على لسان الجاحظ يخاطب غلامه: ليس هناك يا بني أفضل من الكتاب؛ فهو نعم الجليس والعُدَّة، ونعم الأنيس ساعةَ الوَحْدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، والكتاب يا بنيَّ وعاءٌ مُلِئ علمًا وظَرْف حُشِيَ ظَرْفًا، وإناء شُحِن مَزْحًا وجِدًّا، وإذا نظرتَ فيه طالَ إمتاعُك، وشحذَ طباعَك، وبسطَ لسانَك وجوَّد بنانَك وفخَّم ألفاظَك( )”.
فهاتان تمثلان دلالة إبداعية على قصد الكاتب الموجود في الإهداء.
– التقديم النقدي
جاءت مقدمة هذه المجموعة المسرحية بعنوان(المسرح وقضايا الحياة) لأستاذنا الدكتور صابر عبدالدايم، خمس عشرة صفحة، في الصفحات من الخامسة إلى العشرين، وقد عرض فيها ذلكم الناقد الأكاديمي إلى قيمة فن المسرح، ومكانته بين الفنون، وطبيعة هذه المجموعة المسرحية للكاتبة نوال مهنى، وأشاد بقدرتها الفنية على الإجادة في هذا الفن على الراغم من عدم تفرغها للكتابة المسرحية، وعدم تخصصها فيه! وقد عدد الظواهر الفنية في المجموعة تتمثل في التخطيط الجيد لكل تجربة، وتوظيف تقنية الحوار، واستلهام الأحداث والشخوص من التراث، والصراع ودوره في سلوك الشخصيات وتنامي الأحداث، وتوظيف الشعر في البناء المسرحي. وقد فات أستاذنا –وهو من المعنيين القلائل بالأثر القرآني في الأدب الحديث والمعاصر-الإشارة إلى مسرحة الكاتبة للقصة القرآنية في تجربة(صاحب الجنتين) ( )! كما فات الناقد الإشارة إلى الأخطاء الطباعية والإملائية واللغوية الكثيرة، والإشارة إلى الشخوص الخيالية في المسرحيات، كما لم يقف الناقد مع تقنية المفارقة وقفة مفصلة معمقة…
– التجارب العشرون
تتكون مجموعة (لمحات من عبق التراث) من عشرين حكاية تراثية في قالب المسرحية النثرية. ويمكن تصنيفها إجماليًّا في:
– مسرحيات خلُقية:
وتتمثل في تجربة (صاحب الحنتين) حيث التنفير من رذيلة الطمع والجشع، وتجربة (سيدي حُمَيِّر) حيث فضح أخلاق بعض مدعي التصوف والمتاجرين به، وتجربة(بائعة اللبن)حيث خلق الأمانة، وتجربة(الراعي الأمين)حيث خلق الصدق، وتجربة(الإمام وصاحب الدنانير)حيث تعرية الطماعين والبخلاء، وتمجيد الكرماء، وتجربة(سعدى والخليفة الأموي) رومانسية، تجسد عاطفة الحب وخلق الوفاء، وقيمة العدل، وضرورة المساواة بين الرعية، وإنصاف الضعاف…
– مسرحيات ثقافية:
وتتمثل في تجربة(العجوز والتاج الذهبي) حيث التشجيع على الإبداع وتكريم صانعة المبدعين، وتجربة (الصياد والسمكة العجيبة) فيها تكريم للأذكياء والقادرين على حسن التخلص، تجربة(زين العابدين والفرزدق) حيث يبدو من أحداثها مدى الحقد والحسد الذي يكنه أهل المناصب لأهل العلم والدين، ومدى موقف الشاعر الذي يساند أهل العلم والدين بلا طمع في شيء، وذلك عندما اشتد غيظ هشام بن عبدالملك، وهو يرى الناس يفسحون المكان أمام الإمام زين العابدين بن الحسين بن علي- رضي الله عنهم جميعًا- لأداء مناسك الحج، ولا يستطيع هشام الوصول إلى الحجر الأسود من شدة الزحام، ويزداد حقده وغيظه عندما يرى الفرذدق يمدح الإمام. وهنا رسالة من الأديبة بأن حب الناس لا يأتي بالقوة، وإنما بمدى أداء رسالة الإنسان بالعلم والدين والخلق وسعيه للناس كما يضرب الفرذدق مثالاً للشاعر الذي يجب أن ينطق بالحق دون خشية من أحد وبلا طمع في شيء ما( ). وتجربة(نفيسة العلم)حيث قيمة مصر التاريخية؛ إذ تقول الكاتبة على لسان السيدة نفيسة:ط مصر أحب إلي من كل بلاد الدنيا بعد مكة والمدينة، وعلى لسان جوهرة تقول: وأهل مصر يلقبون سيدتي بنفيسة العلم وكريمة الدارين لعلمها وورعها؛ فهي عالمة زاهدة عابدة( ). وتجربة (الشاعر والسوق) حيث تبيين دور المبدع والمثقف ونقد الحالة الثقافية المتردية، وتجربة (جحا والسلطان)حيث تقدير الأذكياء الطرفاء المُغْرِبين، وفي تجربة(الجاحظ وصورة الشيطان) نجد الأسى لحال المثقف وموقفه من العامة، وموقفة الدهماء منه! وتأتي تجربة (المكافأة) التي تحكي قصة الملك النعمان بن المنذر مع سنمار الذي كافأه على بناء قصره الفريد بأن رماه من فوقه حتى لا يبني مثله لأحد فضرب به المثل فقيل: “جازاه جزاء سنمار( )”؛ فهي أنموذج للتراجيديا التي يقع فيها العالم المبدع من قبل الحاكم الغشوم الجهول الحريص على أمنه ونفعه على حساب حياة الآخرين! وفي تجربة(المنصور والأصمعي) التي دافع فيها الأصمعي عن حق الشعراء بقصيدته التي أعجزت المنصور، فلم يستطع وجاريته حفظها، فنجد الحاكم المثقف، وحاشيته المثقفة، والشاعر المبدع، الذي يوظف إبداعه في إنصاف رفاقه وأشباهه من الحاكم، وإنجازه ما فيه مصلحتهم.

Related posts