مع الشيخ محمد رفعت في ذكراه

مع الشيخ محمد رفعت في ذكراه
بقلم / دكتور / حســام طـــاهـر
——–
ماذا بعد واحد وسبعين عاما من رحيل قيثارة السماء؟!
تتوالى السنون وتأتي ذكرى الشيخ محمد رفعت كل عام محملة بمزيد من الإعجاب والإجلال لهذه الموهبة الربانية الفريدة والعبقرية الفذة التي تثبت لنا بمرور الأعوام أنها غير قابلة للتكرار أو التقليد، وما أكثر ما كتب عن هذا الشيخ الجليل من مقالات وكتب وما أكثر ما قدم عنه من برامج إذاعية وتلفزيونية، وتبقى له بعد هذا كله بقية في قلوب محبيه ومستمعيه لا تبلغها أقلام الكاتبين ولا تعبر عنها أساليبهم وبلاغتهم.
وبعد مرور هذه السنوات الطويلة ما يزال الشيخ محمد رفعت محتفظا بمكانته الكبيرة في وجداننا ووعينا، فهو جزء أصيل من تاريخ مصر الثقافي في العصر الحديث، وهو أحد أهم قراء القرآن الكريم في العالم الإسلامي، وصاحب أعظم صوت قرأ القرآن في القرن العشرين.
وبرغم ذلك كله فإن تراث الشيخ -ولا سيما تسجيلاته التي كادت أن تفقد لولا جهود المخلصين من أحبابه- ما يزال بحاجة إلى مزيد من العناية والاهتمام، مع الاعتراف بالفضل والجميل لكل من ساهم في حفظ هذا التراث العظيم وتقريبه للناس، وقد بدأت العناية بهذا التراث وحفظه بجهود أهلية فردية، ولا يزال الحال بعد سبعين عاما من وفاة الشيخ على ما كان عليه، ولا تزال الجهود المنصرفة لخدمة هذا التراث جهودا أهلية فردية.
فحينما قدم ورثة زكريا باشا مهران مجموعته الثمينة من تسجيلات الشيخ إلى الإذاعة المصرية أسدوا بذلك أعظم خدمة لتراث الشيخ، ولولاها لفقدنا صوت الشيخ إلى الأبد، ولكن شاءت إرادة الله أن يجعل هذا الرجل الذي لم يلتق بالشيخ قط سببا في حفظ تراثه وبقاء تسجيلاته، وقد لقيت هذه التسجيلات عناية فائقة من مهندسي الإذاعة وشركة صوت القاهرة حتى وصلت إلى درجة عالية من الجودة والنقاء بالمقارنة بالحالة التي كانت عليها، ولكن تراث الشيخ ظل بحاجة إلى مزيد من العناية والخدمة وذلك لسببين رئيسيين:
الأول: أن مجموع التسجيلات التي حصلت عليها الإذاعة لا تستوعب المتاح كله من تراث الشيخ، فقد ظهرت تسجيلات جديدة لم يتيسر للإذاعة الحصول عليها، إلى جانب أن مهندسي الإذاعة وصوت القاهرة اجتزأوا عددا من تسجيلات الشيخ بعد أن عجزوا عن إخراجها كاملة لسوء حالتها التقنية.
الثاني: أن التطور التكنولوجي الكبير الذي شهدته وسائل تنقية الصوت وتهذيبه يوجب إعادة العمل على تسجيلات الشيخ للوصول إلى قدر أعلى من الوضوح والنقاء، يليق بمكانة الشيخ وبصوته الفريد.
ولذلك فقد شارك عدد كبير من محبي الشيخ في استدراك هذين الأمرين، فظهرت على المنتديات والمواقع الإلكترونية كثير من المحاولات لتجميع تسجيلات الشيخ ومحاولة استقصائها بجمع ما تفرق منها وترتيبه، كما ظهرت كثير من المحاولات لتنقية هذه التسجيلات وتهذيبها وتصفيتها.
ولا تزال جهود أحباب الشيخ تعيد النظر فيما سبق من محاولات جمع تراثه وتهذيبه، وتطالعنا بين الحين والحين مشاريع جديدة تضيف على ما سبق وتستدرك عليه، ومن أهم هذه المحاولات المشكورة مشروع واعد كبير ينهض به واحد من أحباب الشيخ والمفتونين به، وهو الأخ الفاضل الدكتور عماد الملاح، وهو صاحب صفحة (إذاعة دسوق للقرآن الكريم) التي خصصها لمشروعه العظيم الذي يعمل فيه على إعادة جمع تسجيلات الشيخ محمد رفعت مستقصاة مرتبة وإخراجها بجودة صوتية عالية وعرض بصري جذاب، وهو يضيف إلى ذلك كله تحليلات رائقة ووقفات تأملية دقيقة على تلاوات الشيخ الجليل.
كل هذه الجهود والمحاولات تستحق الشكر والتقدير، ولكن مكانة الشيخ محمد رفعت أكبر منها، فمن غير اللائق بقيمة هذا الرجل أن تظل جهود جمع تراثه وتهذيبه جهودا أهلية فردية، بل من الواجب أن تتكاتف الجهود الأهلية والحكومية وأن يجتمع كل المعنيين بتراث الشيخ والمختصين به والمالكين له في إطار عمل جماعي موحد يضع في اعتباره عدة أهداف:
أولها: الاستقراء التام لجميع المواد الصوتية التي صحت نسبتها إلى الشيخ وجمعها وتصنيفها إلى مجموعات بحسب جودتها واكتمالها وتعبيرها عن الحالة الصحية للشيخ وقت تلاوته لها، مع العناية التامة بجودة الإخراج ونقاء الصوت وتشويق العرض، ودعوة جميع مالكي هذه التلاوات من أصحاب المكتبات الصوتية الخاصة والإذاعات المختلفة إلى إتاحة ما لديهم من تسجيلات وعرضها مهما كانت حالتها التقنية.
ثانيها: إعداد سيرة ذاتية موثقة لحياة الشيخ مدعومة بجميع الصور والوثائق والمقالات وشهادات المعاصرين له المكتوبة في الصحف والكتب، والمسجلة في المواد الإذاعية والأحاديث والبرامج، والمصورة في لقاءات تلفزيونية أو تسجيلات فيديو، بالإضافة إلى جميع البرامج الوثائقية التي قدمت عن حياة الشيخ في الإذاعات والقنوات المختلفة.
ثالثها: إطلاق موقع رسمي للشيخ محمد رفعت على شبكة الإنترنت، يتضمن جميع ما تم التوصل إليه من الأمرين السابقين؛ التراث الصوتي والتراث التاريخي للشيخ، ويكون ملتقى لجميع أحباب الشيخ ومنبرا لتبادل الرأي والخواطر والمناقشات حوله.
حين تتحقق هذه الأهداف نكون قد قدرنا الشيخ محمد رفعت حق قدره، وصنعنا له شيئا يليق بمكانته ومجده الشامخ في دولة التلاوة المصرية.
رحم الله مولانا الجليل القارئ الشيخ محمد رفعت، ورفع درجته في عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

Related posts