الحسين وجوجل
***********



بقلم د/ رمضان الحضرى
جلس الإمام الحسين _ رضي الله عنه _ أمام خيمته وكان يتحدث لنفر من أصحابه ، ينصحهم ويرشدهم ويخبر عن رسول الله الأعظم ونبيه الأكرم ، جده محمد بن عبدالله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
وبينما كان الحسين جالساً جاءه أحد أعدائه غدرا من أمامه وظل يشتمه ويسبه ، ولم يقم الحسين من جلسته ، ولم يغير هيئتها ، فقام أصحاب الحسين لهذا الغادر السفيه ليردوا عليه شتمه ، وليلقنوه درسا ، لكن الحسين _ رضوان الله عنه _ توجه بالحديث لأصحابه قائلا لهم : اجلسوا ، ولاتردوا عليه ، فانصرف الغادر السفيه محسورا لما رأى نهضتهم ، وقال الحسين لأصحابه ناصحا لهم ومرشدا ومعلما : أتدرون ابن من هذا ؟ فقالوا : لاندري ، قال الحسين : أنا تربيت في حجر رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فانظروا من رباني ومن رباه ؟! .
نعم كل إناء بما فيه ينضح أو ينضخ ، فحينما تستمع لكلام قذر فعليك أن تعلم أن من قاله أخرج نقطا من إنائه ، وأن من قالته فاحت برائحة من وعائها ، فدوما للسفهاء علامات لا تخطئها الآذان ، وكذا العلماء والصالحون مثلهم كمثل الياسمين والورد إن وضعته على مكتبك لايفوح إلا بعطر ، وحتى إن دست عليه بقدمك لايفوح إلا بعطر ، فهذه شيمته ، وتلك وظيفته التي أرسل في الحياة من أجلها .
وللسفهاء في الحياة وظيفة كبرى لو علمناها لشكرناهم عليها ، فهم يقدمون لنا كلمات الخبث ، وأفعال الأنذال ، وخيانة الساقطين ، لنميز بين الخبيث والطيب ، وبين العالم والمدعي علما ، وبين حسن الخلق وسيئه ، فنيابة عن كل الصالحين الطيبين أقدم جزيل شكري للسفهاء الذين ارتضوا أن يكونوا أذلاء لنزواتهم ، وأنذالا لرغباتهم ، حيث يقدمون على طبق من ذهب لغيرهم علما لايألفونه ، وبيانا في حسن الخلق لا يعرفونه ..
فكثيرا ماتجد دعي علم تربى على يد جوجل وأخذ عنه العلم ، فنقل وظن أنه يؤلف ، تلكم قضية يجب التنويه لها والتنبيه عليها .
نعم العالم يمكنه أن يقيم مجتمعا صالحا ، ولكن المجتمع مهما كان صالحا لايستطيع أن يصنع عالما مهما في الكون ، وهذا يجرني للحديث عن الثقافة المصرية بين الأمس القريب وبين اليوم العجيب ، فحينما قامت ثورة يوليو عام 1952 م ، وتولى الرئيس الأسبق محمد نجيب مقاليد حكم مصر ، وأخذها من بعده الزعيم جمال عبدالناصر ، كان المجتمع المصري كله يفوح بعطور العلوم ، وتنتشر في جميع جنباته قصور الفنون ، فكانت القاهرة شأنها كشأن أي حاضرة في عصرنا الحديث ، بل تفوقت القاهرة على كثير من حاضرات العصر الحديث ، فوجد جمال عبدالناصر نفسه محاصرا بعلماء ونقاد وفنانين اعترف بهم العالم كله أكثر مما تعترف بهم مصر ، فلم يكن اسم الدكتور طه حسين يخفى على أحد في المشرق ولا في المغرب ، وكذا كان اسم العقاد والحكيم ويحي حقي وهيكل والمراغي والرافعي وأنور الجندي وأم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم ونجيب الريحاني ومحمود المليجي وتوفيق الدقن وفريد شوقي وزكريا أحمد ومحمد القصبجي واسماعيل ياسين وأنور وجدي وفاتن حمامة
وصباح وسميحة أيوب وسهير المرشدي ورشدي أباظة ونجاة الصغيرة ووردة الجزائرية وبليغ حمدي وكمال الطويل ومحمد الموجي ومحمود شريف وإبراهيم رجب .
حينما يكون شعراء مصر بحجم صلاح عبدالصبور ومحمود حسن إسماعيل وعبدالفتاح مصطفى ومحمود عماد وأحمد فتحي وفؤاد حداد ونجيب سرور ، ويكون نقادها بحجم طه حسين والعقاد وسهير القلماوي ومندور والقط ( عبدالقادر ) وتليمة والطاهر مكي وحسين نصار وعلي الراعي وذهني والراعي والعالم وعز الدين إسماعيل ، وغيرهم ، وكُتّاب الرواية بحجم نجيب محفوظ ويوسف إدريس والسحار ومحمد عبدالحليم عبدالله وكامل كيلاني وأمين يوسف غراب ويوسف السباعي وإحسان عبدالقدوس ويحي حقي وتوفيق الحكيم ومصطفى أمين .
لابد أن يخضع أي زعيم أو رئيس لهذه القامات العالية جدا ، حيث إن هذه القامات كانت مرفوعة أعلى من القصر الملكي قبل الثورة ، وارتفعت أكثر بعد الملكية ، فيجيء وزير الثقافة بحجم ثروت عكاشة ، وتكون المسئولة عن معرض القاهرة الدولي للكتاب عبقرية كسهير القلماوي وبعدها صلاح عبدالصبور .
فما كان للفساد أن يستشري ، وما كان لسوء الخلق أن ينبت في أرض الخير ، فكان القمح نظيفا من حبات الزواني .