لاتجاه النفسي في الإبداع
متابعة / إيمان الحملي
بقلم الناقد الأدبي دكتور / رمضان الحضري
كنت طفلا مولعا بالمنشدين في ليالي الذكر ، حيث يجعلني المنشد أفكر فيما وراء المحسوس ، وأبرر لما يقولون ، فإذا بدأ المنشد غناءه : ( الليلة ليلة رضا وسيدنا النبي معانا ) ، أقوم أو أجلس بحساب حتى لايراني النبي في وضع لايرضيه ، ويطربني عزف فرقتهم لموسيقى أم كلثوم أكثر من طربي عند سماع فرقة أم كلثوم ذاتها ، فأخطر المراحل تأثيراً على حياة الإنسان هي مرحلة الطفولة ، والتي تنتبه لها الدول المتقدمة بامتياز ، فالبناء على الطفولة بناء حقيقي ، ومشهور جدا أن ليوناردو دافنشي كان شديد التعلق بأمه ، وكان هذا التعلق سببا في فشله الذريع عند الزواج ، وظهرت الابتسامة العذرية في معظم لوحاته ، وأشهرها لوحة الموناليزا التي تظهر ابتسامة البكر الجميلة الحيية حسب فهمنا العربي لهذه الابتسامة ، وقد لاحظ نقاد الفنون عليه أنه لم يكن يفرق كثيرا بين الملامح الأنثوية والذكورية ، حيث إنه كان يحاول التسامي عن مشكلته الجنسية .
وكانت ماري كاسات إحدى أشهر فناني أمريكا التشكيليين في نهاية القرن التاسع عشر محرومة من الأمومة ، فلما ذهبت إلى فرنسا لدراسة الفن التشكيلي جاءت لوحاتها تعبر عن هذا الحرمان من الأمومة ، فكانت ترسم أطفالا حديثي الولادة على صدور أمهاتهم ، وظلت على هذا المنوال حتى نهاية حياتها ، حيث يعبر الفن عندها عن رغباتها المكبوتة .
وكان عميد الأدب العربي طه حسين يكره جدا من يطيل الإمساك بيده ، أو يحاول أن يمسك بيده وهو يسير في طريقه على حرارة كتف مجاوره ، فهذا يذكره بضعفه وعدم قدرته على الإبصار والرؤية بالعين ، فمن أراد أن يسير معه فلا يمسك بيده ، وكان إحساسه بمن يجاوره يلقي الظن في نفس من يجاوره أنه مبصر لدقته في السير والمجاورة والمتابعة ، ولذا كان يحاول أن يصف الأماكن والناس حتى في كتاباته التاريخية ، فينقل الأحداث وكأنه يراها بعينيه تعويضا عن عدم قدرته على الرؤية .
وكانت رواية ( آنا كارنينا ) المشهورة لتولستوي تعبر عن مشكلاته ومخاوفه ، حيث إنه تزوج فتاة تصغره بسنوات كثيرة جدا ، فلما وصل للشيخوخة كانت زوجته لازالت شابة جميلة ناصعة ، فكانت الظنون تساوره والمخاوف تحيطه ، كما اتضحت هذه المخاوف في روايات الكاتبة الإنجليزية الشهيرة فرجينيا وولف ، حيث كانت تتحدث عن صدماتها في مرحلة الطفولة ، وظلت هذه الصدمات تلاحقها حتى انتحرت غرقا ، كما ظلت الانطوائية تسيطر على كاتب أمريكا الأشهر إرنست هيمنجواي فكانت أعماله تسيطر عليها حالة من الشكوى المريرة من العزلة التي أثرت عليه حتى مات منتحرا وأنهى حياته بيده .
نعم هذه نماذج صادمة للغاية ، أقدمها متعمدا للقارئ ولكل مسؤول عن الطفولة في بلادنا العربية ، فالانتحار هو المعادل الموضوعي للإرهاب ، وكلاهما لا يأتي فجأة ، بل هناك مراحل سبقتها أدت للإرهاب أو الانتحار ، فلم تنتبه الأسرة ولم ينتبه المسؤولون في المجتمع لأحوال الطفولة ، ومعظم المؤتمرات تكون للأحباء لا للعلماء ، مما يجعلها مؤتمرات مشجعة على الإرهاب والانتحار ، وليست معالجة له ، مثلها مثل المؤتمرات التي تصطفي شباب الطبقات العليا في المدينة وتترك شباب القرية وأبناء الفقراء ، مما يفقدها صحة الفروض وجدوى الأهداف ، فتنتهي كأنها لم تكن .
وتأتي مقالتي هذه صادمة لأحبابي المبدعين الذين أعرفهم عن قرب ، فحب المبدع لأمه يجعله يظهر هذا الحب في إبداعه كما هو الحال عند الفنان التشكيلي حسين نوح والشاعر عبدالعزيز جويدة والشاعر علي عمران ، فمعظم لوحات الفنان التشكيلي حسين نوح ترسم صورة المرأة في حكمتها أو خوفها أو حيرتها أو خيبتها ، فيرسم مصر في يناير 2011م ، سيدة عجوز تحاول أن تخرج من ثقب إبرة ، ولاتملك سوى ( لمبة جاز ) صغيرة وثقب الإبرة لايكاد أن يبين ، وصورة للفتاة العفية الخصبة التي لاتجد فارسا يخرج زرعها ويشبع جوعها فتضع يديها على خدها ، وصورة المنكفئة على وجهها ، ويطول شعرها على ظهرها وكأنه الليل يسكو نصفها ، بينما تتجلى مناطق الإضاءة في خصرها وماتحته من مفاتن ، بيد أن العابرين عموا وصموا ولايقترب منها سوى موج البحر ، وهكذا تأتي لوحات حسين نوح لتعبر عن علاقته بالمرأة الأم والزوجة والابنة ، وتعني المرأة عنده تاريخ الوطن قديما وحاضرا وربما في المستقبل كذلك .
بينما يتناول عبدالعزيز جويدة المرأة في شعره كهدف أسمى ، لايجب الوصول إليها بقدر ما يجب العمل على رضاها في جميع الحالات ، فالأم حب وحنان ومسبحة ورحيلها يُتْمٌ وحزن ، والحبيبة بحر وسماء وبساتين كثيرة ولاحياة بدونها ، ولا يمكن الانفصال عنها ، ولا يمكن مخالفة أمرها في الحياة أو حتى في القبر فهي بداية الجمال وحسن الختام ، وأرض الوطن أجمل محبوبة ، والقدس مزرعة تنجب اللاجئين ، وتنجب أطفالا في أيمانهم بنادق وفي أياديهم الاخرى أكفان ، حقا لايفكر المبدع عند الكتابة كما نفكر نحن الآن ، لكنها رغبات داخل النفس تظهر لحظة الإبداع .
ويأتي شعر علي عمران معبرا عن المرأة في واقعها الحقيقي ، برسم اللاشعور في النص الشعري بطريقة غير مسبوقة ، فهو يرسم أحلام المرأة في العشق ، ولهفتها على الحبيب ، وتفنن المحبوب في إرضائها جسديا بمبررات عقلية وبرسم صور تخيلية من واقع الحياة لإقناع محبوبته كي تمتثل لرغباته ، ولذا فإن الوطن عنده محبوبة لاتلمس ولا تمس بل تقدس لأنها أستاذة سبقت التاريخ وسكنت بأجمل مواقع الجغرافية .
والحبيبة زوجة وصديقة وفي متناول اليد عند تقديم المبررات والبراهين ، والأم أستاذة ووطن وقدسية عند علي عمران ، فهو يقف في المنتصف تماما بين رغبات الإمتاع وقدسية الإبداع .
فإذا ذهبنا لجانب الإبداع الأيمن وهو إبداع السيدات ، سوف نلاحظ تعلق الكاتبتين هبة بنداري وإلهام عفيفي بمرحلة الطفولة وحب الوالد
فيظهر تعلق الابنة بوالدها في روايات وقصص الأديبة هبة بنداري
وخاصة رواية ( أنثى في ثياب رجل ) ومتوالية ( وسن ) ، حيث يقف الوالد دوما بجوار ابنته في طلباتها ويلبي لها رغباتها ، مما يجعل الفتاة تعيش الصدمة بعد الزواج مباشرة ، فعطاء الوالد يقابله أخذ الزوج ، واهتمام الأب يقابله إهمال الزوج ، وحنان الأب بلا مقابل يقابله عنف الزوج دون سبب ، بينما شعور الأم بأبنائها يفوق شعورها بزوجها ، وشعور الابن بأمه يفوق شعوره بأبيه ، وهكذا نرى كيف تؤثر الطفولة على حياة الكاتبة .
فإذا ذهبت للشاعرة إلهام عفيفي يظهر رفضها للرجال لأنهم ليسوا على شاكلة والدها من الأمانة والحنان وحسن الظن والتقرب لمحبوبته ، فجاءت علاقتها بأبيها موضحة أن هناك خللا اجتماعيا حدث بين الرجل والمرأة ، ويظهر ذلك جليا في ديوان ( أنثى من الشرق ) وديوان ( ما حبتنيش ) حيث تعبر قصائد الديوانين عن المشكلات الزوجية المنتشرة في مجتمعنا ، وعن نظرة الحبيبة لمحبوبها ، وماتريده من ذلك المحبوب من عطف وحنان ، فتظهر مرحلة طفولتها جلية متعارضة مع ماتراه في الأسرة المصرية في حاضرها .
هذه مجموعة من الجمل الإجمالية الإيضاحية التي تصلح أن تكون مدخلا لعدة دراسات نفسية نقدية للأدب في وقتنا الراهن ، ولا يعني ذلك التفتيش في حياة المبدع الخاصة ، بل إن الناقد يتناول نص المبدع ليفسره حسب رؤية نفسية تنفع المجتمع وتتناول قضايا الحياة من حولنا ، وتناول النص لإبراز مؤثرات نفسية سابقة ليس طريقا لكل عابر ، بل هو درب لدارس علاقة العلوم بالآداب وخاصة علم النفس .
دوما يسرقني الكلام فإلى لقاء قادم بأمر الله تعالى .




