كلمة هند الصنعانى بندوة”نون النسوة بين العلم والمهجر”

متابعة ابراهيم سالم المغربى

كلمة الدكتورة هند الصنعانى  بندوة “نون النسوة بين العلم والمهجر”

 

من بلد الحرف والتاريخ من أرض الكنانة، أحيي سعادة القنصل السيد عمر الخياري، السيدة بديعة الراضي،السيدة نجاة، وكل الحضور الكريم، يسعدني أن أشارككم اليوم في هذه الندوة التي تحمل عنوانا بليغا “نون النسوة بين العلم والمهجر” عنوان يعكس الجسر الذي يربط بين ضفة الجذور وضفة الرحلة والهجرة.

في حضرة سيدات أتين من مسارات متعددة، ولكن يجمعهن وطن واحد وذاكرة واحدة، أستحضر أولا ذكرى خالدة تشكل جزءا لا ينفصل عن وجدان كل مغربي ومغربية، إن حلول الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء ليس مجرد وقوف عند حدث تاريخي، بل هو تجديد لروح وطنية لا تذبل، واستعادة لقوة جماعية صنعتها إرادة ملك وشعب، آمنوا بعدالة قضيتهم ووحدة ترابهم، خمسون عاما مرت على هذه الملحمة، ولا تزال دلالاتها تتعاظم في حاضرنا، لأن المسيرة لم تكن فقط حركة في اتجاه الجنوب، بل كانت مسارا نحو بناء الثقة في مستقبل وطن موحد، ووعي جماعي بأن السيادة ليست شعارا وإنما ممارسة يومية ومسؤولية تاريخية.

ويزداد هذا الشعور رسوخا، في ظل المستجدات الوطنية والدولية التي تعزز الحضور المغربي الراسخ في ملف الصحراء، وعلى رأسها القرار الأخير لمجلس الأمن الذي أيّد مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الحل الجاد والواقعي وذي المصداقية، بالنسبة لي كامرأة مغربية مقيمة بمصر، ومتابعة عن قرب لتطورات هذا الملف، يمثل هذا القرار تأكيدا جديدا على صواب المسار الذي انتهجه المغرب، وعلى قوة الدبلوماسية الهادئة والثابتة التي استطاعت أن تنقل صوت المغرب إلى العالم، كنت دائما ومن خلال كتاباتي الصحفية ومقالاتي وتحليلاتي، أؤمن بأن واجب الكلمة لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال الدفاع الوطني، الكتابة هي ساحة من ساحات النضال، وسلاح رمزي لا يقل تأثيرا عندما يُسهم في بناء رأي عام واع ومتزن وملم بمعطيات قضاياه.

ومن هذا المنطلق، أنتقل إلى محور ندوتنا: “نون النسوة بين العلم والمهجر” إن ارتحالي إلى مصر، فتح أمامي أبوابا واسعة للتأمل في معنى الهوية حين تصبح ممتدة خارج الحدود، وفي معنى الانتماء حين يتحول إلى ممارسة يومية في أرض ثانية، لقد أدركت أن المرأة المغربية لا تحمل معها حقيبة ملابس فقط حين تهاجر، بل تحمل معها ذاكرة جماعية، ورصيدا ثقافيا، وقيما تربت عليها وقررت أن تواصل حملها مهما تغيرت الأمكنة، وتظل المعرفة، بكل تجلياتها، هي الجسر الأول الذي تعبر به المرأة المغتربة نحو العالم، سواء عبر الكتابة أوالتعليم أو البحث العلمي أوالممارسة المهنية، إن العلم يمنح للمرأة صوتا، والمهجر يمنحها فضاء أوسع لاختبار هذا الصوت، وبهذا الامتزاج تصنع المرأة المغربية حضورها الفريد الذي يجمع بين الأصالة والتجديد.

أدرك تماما، من خلال تجربتي الخاصة، أن العيش في المهجر ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو امتحان يومي للقدرة على الحفاظ على الجذور دون أن نتقوقع، والانفتاح على الآخر دون أن نذوب، وبين هذه الثنائية يولد الثراء الحقيقي لتجربة المرأة الكاتبة، فالكتابة بالنسبة لي لم تكن فقط وسيلة للتعبير، بل كانت طريقا لفهم الذات ضمن عالم واسع، ووسيلة للحفاظ على خيط لا ينقطع مع وطني مهما ابتعدت المسافات، أكتب لأن الكتابة تمنحني القدرة على أن أظل قريبة من قضايا وطني، خصوصا تلك التي تتطلب حضورا يقظا وصوتا ثابتا مثل قضية وحدتنا الترابية.

ولعل أجمل ما في ندوتنا، اليوم هو أنها تمنحنا فرصة لتجميع هذه الأصوات النسائية القادمة من جهات مختلفة، كي نُشكل فسيفساء واحدة تعكس قوة المرأة المغربية أينما كانت، فوجودي بينكن اليوم يعمّق لديّ الإيمان بأن المرأة المغربية، سواء في مصر أو إيطاليا أو هولندا أو المغرب، قادرة على تحويل تجربتها الفردية، إلى قيمة جماعية تضيف للثقافة والفكر والدبلوماسية الناعمة للمغرب، نحن لسنا فقط حاملات للهوية، بل صانعات لها، نعيد تشكيلها من خلال المعرفة والتفاعل اليومي والعمل الثقافي.

وأختم بالقول، إن لقاءنا هذا ليس مناسبة للحديث فقط، بل هو فرصة لنُعيد التأكيد على أن المرأة المغربية في المهجر ليست مجرد مهاجرة، بل هي سفيرة لوطنها، تحمل صوته وقيمه وتساهم في إشعاعه، وأن العلم، حين يكون موجها بروح وطنية صادقة، يصبح قوة قادرة على التأثير وصناعة التغيير، وإنني لفخورة، كامرأة وككاتبة مغربية مقيمة في مصر، بأن أواصل عبر الكلمة هذا المسار، وأن أظل جزءا من هذه الحركة النسائية التي تكتب حاضرها بثقة، وتساهم بوعي في مستقبل وطنها.

شكرا لحسن الاستماع، شكرا لرابطة كاتبات المغرب والتي تترأسها السيدة المناضلة بديعة الراضي، شكرا للأستاذة نجاة على هذا التجمع الثقافي، شكرا لكل امرأة هنا آمنت بأن صوتها قادر على أن يضيف، وأن حضورها خارج الوطن يمكن أن يكون امتدادا مشرقا له.

Related posts