من العدل استمدت تسمية تجهيز معدات طاسة الشاهي الليبية…العداله..؟
بقلم الاديب محمد اسويسي 

العدالة تُشرب… فلسفة الشاهي في الأسرة الليبية
ليست كل الفلسفات قد كُتبت في الكتب، ولا كل نظريات العدالة وُلدت في قاعات الجامعات. فبعضها عاش قرونًا في تفاصيل الحياة اليومية، تمارسه الشعوب بعفوية، حتى يغدو السلوك أبلغ من النص، والعادة أعمق من النظرية.ومن أجمل ما أبدعته الثقافة الشعبية الليبية أن أطلقت على أدوات إعداد الشاهي اسم “العدالة”. إنها تسمية لا يمكن المرور عليها دون تأمل؛ فالأسماء الكبرى لا تمنحها الشعوب عبثًا، وإنما تختزن بها خلاصة وعيها وتجاربها.
ويقف خلف العدالة السلطان، لكنه سلطان لا يحكم الناس، بل يحكم هواه، فلا يفضل قريبًا على بعيد، ولا كبيرًا على صغير إلا بما أوجبته الأخلاق من توقير. تتساوى الطاسات في أحجامها كما تتساوى القلوب في حقها من المحبة، ثم تبدأ رحلة التوزيع في نظام يرسخ الاحترام، ويجعل الإنصاف فعلًا يوميًا يتكرر حتى يصبح جزءًا من الشخصية الليبية.ثم تأتي الحكمة الثانية؛ فالشاهي لا يُقدَّم دفعة واحدة، وإنما على مرحلتين. الأولى تُهيئ الذائقة، والثانية تمنحها تمام المتعة، وكأن الثقافة الشعبية تقول إن الأشياء الجميلة لا تُستعجل، وإن للحياة إيقاعًا يستحق أن يُعاش بهدوء، لا أن يُستهلك على عجل.
ويُعطَّر الشاهي بالنعناع أو الزهر أو الورد أو الزعتر أو المرمية، او الكاكاوية او اللوز ،فتلتقي رائحة الأرض الليبية برائحة البيوت، ويصبح لكل مجلس بصمته، ولكل أسرة عبيرها الذي لا يشبه سواه.
غير أن أعظم ما في الشاهي الليبي أنه لم يكن يومًا غاية، بل كان وسيلة. وسيلة لاجتماع الأسرة، ولإحياء الحوار، ولإعطاء كل فرد حقه في الحديث والاستماع. كانت طاسة الشاهي تؤدي ما تؤديه اليوم عشرات البرامج المتخصصة في التواصل الأسري، ولكنها كانت تفعل ذلك ببساطة، ومن غير تنظير، ومن غير ضجيج.
بعد القصعة الجامعة، تأتي طاسة الشاهي لتُكمل ما بدأه الطعام؛ فالجسد يشبع بالمائدة، أما الأرواح فتشبع بالمجلس. هناك تُروى الحكايات، وتُحل الخلافات، وتُتداول الخبرات، ويشعر الجميع بأنهم ليسوا أفرادًا يعيشون تحت سقف واحد، بل أسرة تنبض بقلب واحد.ولعل أخطر ما فقدته الحياة الحديثة ليس طعم الشاهي، وإنما الوقت الذي كان يمنحه الشاهي للأسرة. لقد سرقت السرعة لحظات اللقاء، واستبدلت دفء الوجوه ببرودة الشاشات، حتى أصبح أفراد البيت الواحد متجاورين في المكان، متباعدين في الوجدان.
إن مشروع تحصين الأسرة الليبية لا يحتاج إلى استيراد نماذج بعيدة عن ثقافتنا، بقدر ما يحتاج إلى إعادة اكتشاف كنوزنا الاجتماعية. ففي “العدالة” الليبية درس في المساواة، وفي “السلطان” درس في المسؤولية، وفي تساوي الطاسات درس في المساواة، وفي مجلس الشاهي درس في الحوار، وفي اجتماع الأسرة درس في بناء الوطن.
فالأوطان لا تبدأ من قصور الحكم، وإنما تبدأ من البيوت. وإذا كانت الأسرة هي الوطن الصغير، فإن طاسة الشاهي كانت، وما زالت، إحدى أجمل مؤسساتها التربوية الصامتة؛ مؤسسة لا تمنح شهادات، لكنها تخرّج أجيالًا تعرف معنى الاحترام، والإنصاف، والمحبة.ولعل أعظم ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نعيد إلى بيوتنا تلك الجلسة التي كانت تجمع القلوب قبل أن تجمع الطاسات، لأن الأسرة التي تحفظ مجلسها تحفظ ودَّها، والأسرة التي تحفظ ودَّها تحفظ وطنها.
هذه القراءة لا تتحدث عن الشاهي بوصفه مشروبًا، بل بوصفه فلسفة اجتماعية ليبية تستحق أن تُدرج ضمن عناصر التراث الثقافي غير المادي، لأنها جسدت العدالة والمساواة والحوار في سلوك يومي عاشه الليبيون قبل أن تكتبه النظريات.
صب المر كان المر طاب
موش امر من فقد لحباب
صب المر خليه معقود
كان تريد في حقي اتجود
عليه ادمنت خذنا طق عود
لشرب المر جسمي يستاجب…صب المر كان المر طاب.
بالحبرالليبي
ألأديب:م.اسويسي.