بقلم دكتور / محمد سليم
قصيدة (قطة في المدار المضيء) أنموذجا
يقول الشاعر في جزء من القصيدة :
قطة في طواف الإفاضة ترمل تسفر عن وجهها
والبنفسج يكسو تضاريسها
وتهرول تسبق كل الجموع إلى الحجر الأسود
المتسربل بالقبل الظامئةْ
وتشب تموء تغيب ملامحها في تجاويف داشرة العطر
في الحجر المسك تمطره بالحنين المواء
وتسكن في شمسه الدافئةْ
يمسك الجند جسم البتول فتنزع ذرات ذا الحجر المسك تسبح
في العبق الأسود المتضوئ في القلب
ترسل بوح اشتياق , وموج عناق, وتشتعل الروح
تصرخ والجند لايبصرون سوى قطة جائعةْ
مع القراءة:
في البداءة أود فك الرموز حتى لايشطط ذهن القارئ ويمل , فـــ(القطة ) ترمز للفئة المسكينة من المجتمع , و(الجند) ترمز للسلطة التي تحكم المجتمع .
إنها القطة التي تحلم في يوم من الأيام أن يعانقها النعيم , ويأتيها نسيم العيش الكريم رغدا من كل مكان , وتترقرق بالجمال , ولكن هيهات فقد ذوى عود طموحها , وانهار عرش أمانيها , فأصبحت اليوم تحفها الأخطار , وتلتطمها المخاوف , وتزعجها الهوجاوات المصيرية الصعبة .
وعندما قرأت هذه القصيدة أدركت من الوهلة الأولى أن الشاعر ( صابر عبدالدايم) يمتاح من معين المراوغة الشعرية المتزاوجة مع الرمزية إلى حد ما ؛ ليصنع لنا (مونولوجا ) داخليا يطفو على السطح عبر الرموز الواقعية التي تناولها , فالمراوغة والرمزية وجهان لعملة واحدة في النص الأدبي وبخاصة الشعر .
وعندما نعيد قراءة القصيدة نلمح رمزين بدا في الأفق غموضهما , أحدهما يثير في أنفسنا الشفقة والاستعطاف وهو يكمن في القطة , والآخر يثير الغضب والنفور يكمن في الجند .
ولايأسرك العجب أيها القارئ عندما تشعر بأن شاعرنا هنا شبيه بأهل الأدب ( البروليتاري) الذين يهتمون بالطبقة الكادحة في مواجه السلطة الاستقراطية , أو بالأحرى شبيه بحافظ إبراهيم في مناصرة الطبقة البرجوازية والكادحة من المجتمع , ثم اردد معي الكّرة في قراءة القصيدة تجد رمز القطة يوحي بالإنسان المستضعف الطاهر الذي يبحث عن الحرية والعدالة , وعندما يجد هذا الإنسان أمواج البحر عاتية , فإنه يلجأ إلى النسك الدينية فيستمسك بعروتها الوثقى علّه يجد فيها الخلاص . وإن تعجب فعجب أن لجوء صابر عبدالدايم إلى التعبير الرمزي تقف وراءه ضرورة ملحة تجبره أحيانا على الزواج من الرمزية , إنها ضرورة الخوف من اليد الباطشة , والقرارات الطائشة , والصلف السياسي الغيض .
وعطفا على ماسبق فقد يبدو أن الباطن الشعوري والفكري لدى شاعرنا يتبع سنة أسلافه من الشعراء من أمثال : حسن كامل الصيرفي ) في قصيدته موت البلبل , والهممشري في قصيدته شاطئ الأعراف , وعلي محمود طه , وغيرهم , من الذين سكنوا وادي الرومانتيكية الجارفة , وعلى الرغم من تصريحي بذلك فإن اتباعه لهذا النهج جاء ضئيلا حتى لا ننسبه إلى مذهب هو منه بريء.
والشاعر صابر عبدالدايم استطاع أن يستقي رمزيته من الواقع المشبوب بحالة الرهو العاطفي الثقيل على مشاعر الذات المجتمعية التي عششت فيه إلى اليوم وذلك واضح في كترة أفعال المضارعة التي جاءت في القصيدة , كما استطاع أن يجمع بين التحليق الشعري والوصف الحسي المرهف ودونك مثلا : قطة في طواف الإفاضة تسفر عن وجهها ) , ثم تأمل معي اللوحة الفاتنة ( والبنفسج يكسو تضاريسها) يتضح لك أن البنفسج عالم حنون على الإنسان المستضعف يحميه من تضاريس الطقس المؤلمة , وما عبارات المقطوعة التي معنا ( بوح اشتياق , وموج عناق , وتشتعل الروح) إلا عناوين لسراديب الشاعر الملتوية وعوالمها المخفية .
وفي نهاية المطاف فإن الصور الرمزية التي اتكأ عليها ( صابر عبدالدايم ) في قصيدته هذه عبارة عن رحلة سياحية تشبه رحلات الشعراء الرمزيين _ إلى حدٍ ما_ في عوالمهم الذاتية بحثا عن المثالية المنشودة . وتأكيدي هنا في النهاية أن الشاعر لا نريد أن نزج به في عالم الرمزية , فشعره عبارة عن خليط من الكلاسيكية والواقعية ..