عندما تكلم القَدَر ؟!..
مالك شرماط
الجزائر
منظور جديد لقصة سيدنا موسى عليه السلام مع سيدنا الخضر في سورة الكهف ..
في السنوات الأخيرة ، ومع تزايد الابتلاءات والحروب والكوارث الطبيعية وغيرها ، أخذت تتزايد الأسئلة التي تدور في نفوس البشر حول الحكم الإلهية خلف تلك الأحداث والأقدار ..
من تلك الأسئلة : لماذا خلق الله تعالى الشر والفقر والمعاناة والحروب والأمراض ؟. لماذا يموت الأطفال في سورية ؟. لماذا يموت الأطفال جوعا في افريقيا ؟. أليس الله هو الرحمن الرحيم ؟. فلماذا يمتلئ الكون بكل هذه المآسي ؟. وتتبعه طبعا أسئلة فردية تتعلق بالحظوظ الدنيوية مثل :- لماذا تزوج الجميع ولم أتزوج أنا ؟ لماذا يمتلك بعض الناس كل شيء ولا يمتلك بعض الناس أي شيء ؟. لماذا لم يخلقني الله جميلة ؟. لماذا أنا قصير ؟. ما الحكمة من كوني فقيرا هكذا ؟. لماذا لا أنجب أطفالا كغيري ؟. أين العدل في ذلك يا الله أين ؟ لقد تعبنا ..
طبعا سيكون من الرائع لو تمكنا من الجلوس مع الله عز وجل وسؤاله عن كل تلك المتناقضات التي ترهق عقولنا وأرواحنا .. قد يبدو ذلك مستحيلاً .. إلا أن ذلك الحوار العظيم قد حدث فعلياً قبل ثلاثة وثلاثين قرناً من الآن ..
لقد طرح نبي الله موسى عليه السلام على الله تعالى العديد من الأسئلة الفلسفية .. حتى أنه طلب أن يرى الله عزّ وجلّ “رب أرني أنظر إليك” . لكن الأهم على ما يبدو (وهو موضوع مقالنا اليوم) هو عندما سأل سيدنا موسى ربه عن القدر وكيف يعمل .. وهي بالذات عين أسئلتنا اليوم .. فطلب منه الله عز وجل أن يلتقي الخضر عليه السلام .. والحقيقة التي يجب أن تذكر هنا .. هي أن سيدنا الخضر لم يكن مجرد ولي من أولياء الله الصالحين .. بل أنه في سورة الكهف يمثل القدر نفسه .. يمثل يد الله التي تغير أقدار الناس .. والجميل أن هذا القدر كان يتكلم .. لذلك سوف نقرأ الآن حوارا بين نبي إنسان لديه نفس أسئلتنا وتساؤلاتنا.. وبين قدر الله المتكلم .. ولنقرأ ذلك الحوار من زاوية جديدة ..
أول جزء في الحوار كان وصف ذلك القدر المتكلم .. إنه عبد من عباد الله تعالى وصفه الله عز وجل بقوله “آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً” .. أي أنه قدر رحيم وعليم .. وعلمه يفوق علم البشر لأن رب العالمين قد وهبه بعضاً من العلم اللدني (الذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى) وهذا أصل مهم جداً ..
ثم يقول سيدنا موسى عليه السلام (النبي الإنسان) .. “هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا” .. يرد القدر “إنك لن تستطيع معي صبراً * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً” جواب جوهري جداً .. لأن فهم أقدار الله هو أحياناً فوق إمكانيات العقل البشري .. ولن يصبر الإنسان على التناقضات التي سوف يراها ..
يرد سيدنا موسى النبي الإنسان بكل فضول البشر “ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا” .. يرد القدر “فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذِكرا” ..
يمضي الرجلان .. يركبان في قارب لمساكين يعملون في البحر .. يقوم الخضر بخرق القارب .. وواضح تماما أن أصحاب المركب عانوا كثيرا مما فعله الخضر .. لأن سيدنا موسى تساءل بقوة عن ذلك الشر كما نتساءل نحن .. “أخرقتها لتغرق أهلها ؟ لقد جئت شيئا إمرا” .. عتاب للقدر تماما كما يعاتب بعض الناس ربهم عز وجل : أحرمتني الذرية ليحزن قلبي ؟. أفصلتني من عملي كي أصبح فقيرا ؟. نفس الأسئلة !!. ونفس التساؤلات !!.. يسكت الخضر ويمضي .. طبعا الشاهد الرئيسي هنا أن أصحاب المركب قد عانوا أشد المعاناة .. وكادوا أن يغرقوا .. وتعطلت مصالحهم وباب رزقهم .. ولكنهم ما لبثوا أن عرفوا بعد ذهاب الخضر ومجىء الملك الظالم أن خرق القارب كان شراً في الظاهر ولكنه كان خيراً بحقهم لأن الملك ، بسبب ذلك ، لم يأخذ قاربهم منهم غصباً كما فعل مع الآخرين ..
نكمل الرحلة .. لا يزال سيدنا موسى في حيرته .. لكنه يسير مع الرجل (القدر) الذي يؤكد له .. “ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صبرا؟” ألم أقل لك يا إنسان أنك أقل من أن تفهم أقدار الله عز وجلّ .. يمضي الرجلان .. يقوم سيدنا الخضر الذي وصفه الله تعالى بالرحيم العليم بقتل الغلام ويمضي .. فيجن جنون سيدنا موسى .. ويعاتبه بلهجة أشد .. “أقتلت نفسا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئا نكرا” .. تحول من إمراً إلى نكراً .. نفس حواراتنا عندما يقول بعضنا ان أقدار الله ظالمة ومنكرة .. لاحظوا أن الكلام صادر عن نبي يوحى إليه .. لكنه مثلنا .. إنسان ويعيش نفس حيرة البشر .. يؤكد له الخضر مرة أخرى “ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا” ..
طبعا هنا أصل مهم .. فنحن كمسلمون نقرأ القرآن الكريم ونعلم من خلاله أن الخضر فعل ذلك لأن ذلك الغلام كان سيكون سيئاً مع أمه وأبيه .. “وكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا” .. ولكن تلك المعرفة كانت خافية على سيدنا موسى عليه السلام ، وكانت خافية أيضاً على أهل الغلام .. والسؤال .. هل عرفت أم الفتى بتلك الحقيقة؟ هل أخبرها الخضر؟ الجواب لا .. لم يخبرها بشيء بل قتل ابنها ومضى .. وسوف تحزن تلك الأم طويلاً على ابنها ولن تعلم أن ما حدث كان رحمةً من الله تعالى بها وبزوجها .. وبأن ابنها لو عاش لكان مصدر شقاء لهما .. وبأن الله تعالى سوف يعوضهما خيراً منه .. في ذلك الجزء من القصة نحن أمام شر ظاهر حدث لتلك الأسرة .. ولم ولن تستطيع تلك الأسرة تفسيره أبداً ..
نكمل.. يصل سيدنا موسى والخضر إلى القرية البخيلة الظالمة .. فيبني سيدنا الخضر الجدار ليحمي كنز اليتامى .. هل علم أولئك اليتامى أبناء الرجل الصالح أن جدارهم كان سيهدم ؟. وأن تحت ذلك الجدار كنز لهم ؟!. لا.. هل عرفوا أن الله عز وجل قد أرسل لهم من بناه وحفظ لهم الكنز ؟!. لا.. هل شعروا بلطف الله الخفي ؟!. الجواب قطعاً لا.. هل فهم سيدنا موسى السر خلف بناء الجدار ؟ لا .. إلا بعد أن أخبره وأخبرنا سيدنا الخضر بما خفي علينا وعليه من الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله ..
