تمر علينا ذكرى صانع العبقريات وصائغ الحروف والكلمات متعدد المواهب والكتابات ، الأديب الشاعر المفكر الفيلسوف الناقد ، وهو الصحفي البرلماني السياسي وقبل كل ذلك هو القارئ النهم المبدع المثقف الموسوعة ، متنوع المناهل والمنابع ، إنه عبقري العباقرة وأستاذ الأساتذة ، الأسوانى المصري العربي عباس محمود العقاد. * ولد العقاد عام 1889م فى مدينة أسوان ، فى أسرة تحت المتوسط تتكون من الأب والأم والبنت وستة أولاد ، وكان والده يعمل أمين المحفوظات وهو رجل متدين رزين جاد وقور ، ربى أولاده على مبادئه حتى حصلوا جميعا على الشهادة الابتدائية وحصل عليها الأستاذ عام 1903م ، أخذ من والده العصامي الاعتزاز بالنفس والأنفة والكبرياء والحدة فى الرأي وكان يرفض التوسط فى الأمور والأحكام حتى فى المشاعر الإنسانية فهو في الحرب إما كاسرا أو مكسورا فى معاركه الأدبية والسياسية . * في بداياته التحق العقاد بالعمل فى وظائف صغيرة ومتنوعة ما بين قنا والزقازيق والفيوم حتى استقر به المقام فى صحيفة الدستور 1907 ، ليتحول إلى قراءة كل ما تقع عليه عينه فتعددت قراءاته وتنوعت من العقد الفريد وحكايات الحريري وألف ليله وليله ، والمجلات الأدبية كالعروة الوثقي والطائف والمقتطف للأفغاني محمد عبده والنديم ثم انتقل إلى روائع تولستوي ونيتشه وهيجيل وغيرهم من مشاهير عصره ، حتى قيل عنه أنه جاحظ زمانه لغزارة ثقافته وسعة اطلاعه وقال فيه صديقه وزعيمه الوفدي الكبير سعد زغلول : ( أنت جبار الفكر جبار المنطق ياعقاد) ، وإذا كانت الصحافة قد أخذت منه وقتا طويلا إلا أن جورجى زيدان قد اعاده إلى الكتابة فنشر له ( الإنسان الثاني ) ، (خلاصة اليومية ) وتبع ذلك إصداره لمجموعة كتب إسلامية منها التفكير فى فريضة إسلامية وحقائق الإسلام ، المرأة فى القرآن وجاءت العبقريات , عبقرية محمد والصديق وعمر والإمام وخالد والمسيح وغيرها, لتضع الأستاذ فى مقعد استثناء على قمة الهرم الفكري والادبى المتجدد ولا يقلل ذلك من كتاباته ( أبو الأنبياء ، وذو النورين ، ومعاوية ) وغيرها من الكتابات الأدبية والفلسفية والإسلامية المتميزة * وكان العقاد شاعرا فحلا ينتمي إلى مدرسة الديوان التي جمعته بالمازني وعبد الرحمن شكرى , وكانت تنادى بوحدة موضوع القصيدة متميزة عن مدرسة شوقى القديمة التى هاجمها العقاد بشراسة شعرا وشعراء ، وكان رأيه فى الشعر بأن ألزم ما فيه انه فن له قواعد وأصول فلا شعر بغير فن ولا فن بغير قاعدة ، والراسخون في الشعر يدركون جبروت العقاد ويقولون أنه أنزل الشعر من السماء إلي الأرض كما فعل أرسطو بالفلسفة وأسقط عنه الزوائد وخلصه للجوهر مصفي كعرق الذهب والبعض يصفه بأنه شعر وموجه للعقل وله مواقع حربية مع الشعراء المحدثين فى زمانه ( صلاح عبد الصبور ، أحمد عبد المعطى حجازى ) غير أن الدكتور طه حسين مدحه وأنصفه بقوله : ضعوا لواء الشعر فى يد العقاد . * العقاد الإنسان كان معتدا بنفسه ولا يدعي الإفراط في التواضع ، يطلب الكرامة عن طريق الأدب والثقافة ويعتبرها رسالة مقدسة يحق لصاحبها أن يصان شرفه بين أعلى الطبقات الاجتماعية وأرفع المقامات الإنسانية ، وكان كاتبا حرا مدافعا عن الحرية بشدة إيمانه بأن حرية الإنسان تسبق كل متطلبات الحياة ، ومن شدة اعتزازه بنفسه كان يقول : الكاتب أعظم من المكتوب عنه والكلمة وثيقة آدميتنا فهي فرقان بين نبي وبغي والحد الفاصل بين الحق والباطل والكلمة بلا حرية بلا روح وحريتها حق مطلق لا يخضع لاى اعتبار ، وردا على القائلين بأن زمان الشعر قد مضى ، يقول العقاد : إن الشعر لازم الآن كما كان لازما فيما سلف فكلما غلبت المادة فإن الإنسان يتحسس مكان روحه ويرتد إلي قرارة عواطفه ووجدانه يطمئن علي نفسه , ألا يزال إنسانا بعد ؟ وما كانت بالإنسان حاجة إلي أن يتلمس دخيلة حياته من جنبيه يوم كانت عشيرته من الأحياء وطعامه من خيرات الأحياء ومقامه بين صفوف الأحياء ورحلته علي متون الأحياء ولكنه في عصر العلم هو أحوج ما يكون لتلمس بواطن الحياة وأن يسمع إلي نجوي فؤاده بلسان الحياة وأن ينظم الشعر ويحن إلي النغم يشهد صور الجمال والعطف في كل منظور ومسموع . * وسياسيا عرف عن الأستاذ أن مذهبه السياسي كان شعبيا وفديا بينما كان مذهبه الأدبي أرستقراطيا يخاطب الخاصة وكان مؤمنا بالحرية والديمقراطية والمساواة وفقا لمبادئ النور للثورة الفرنسية , وكان يتبني مطالب الناس ويتحدث عنها في كتاباته وتحت قبة البرلمان الذي قال تحتها يوما : ألا فليعلم الجميع أن هذا المجلس مستعد أن يسحق أكبر رأس في البلاد في سبيل صيانة الدستور وحمايته , ويعتبر العقاد من صناع ثورة 1919 وكاتبها ومؤيدها كثورة بيضاء شاءت بدون إراقة الدماء وكان مؤيدا لثورة عرابي ومدافعا عن ثورة يوليو في بدايتها وهو كاتب مقدمة كتاب فلسفة الثورة رغم أنه اختلف معها فيما بعد . * وتظل حياته الشخصية لغزا يحتار فيه كل من اقترب منه وتبقي لوحة التوتة والذبابة لصديقه الفنان صلاح طاهر التي اختارها ليضعها في غرفة نومه إثر أزمة عاطفية مع إنسانة أحبها وحاول نسيانها دليلا علي إصراره بعدم فتح صندوق حياته الخاصة حتي للمقربين . أنه رجل عملاق خرج من العدم حيث الفقر في النشأة والتعليم البسيط ليسطر لنفسه مكانة مرموقة ومتميزة بين العباقرة وعلية القوم ويخلف وراءه ثروة خالدة من عشرات الدواوين ومئات الكتب وآلاف المقالات , ويعد العقاد مع عظماء جيله من رواد النهضة المصرية الحديثة فكرا وأدبا وأنه أعظم مما كتب عنه
……………………….
مهندس محمود همام.