صناع النجاح ومحترفي الفشل
بقلم محروس عامر،
كثيرا من وهبهم الله البصيرة والقدرة على استيضاح مسار النجاح بين تشابكات المسارات المتداخلة. هم لا يسعون الي النجاح والمجد وانما تميل نفوسهم الى بذل كل غالي ورخيص في سبيل اتقان العمل بداية من اختيار مجال العمل مرورا باتباع أفضل الاساليب العلمية والفنية والتسويقية وان يحيطوا نفسهم بمن يماثلهم رغبة في التفاني والاتقان. انهم نفوس جبلت على اتقان العمل والخروج به في أفضل صورة بدون الحاجة لرقبة وبغض النظر عن المقابل. يختلف الاشخاص حسب ثقافتهم ووعيهم وعمق ادراكهم في مستوى الرضا المنشود من العمل فمنهم من يرضى بالمستوى المألوف والمتعارف عليه ومنهم من يحلق في افاق الابداع فيقتحمون افاق جديدة ويحققون قفزات كبيرة فيمهد طرق لم تكن ممهدة ويسلك سبل لم يسلكها كثيرا قبله ضاربا المثل لمن يريد ان يهتدي بهديه وان يسلك دربه. وتمتد وسادة النبغاء والعمالقة على مر السنين ومن كافة ارجاء الارض فهم أكبر من ان يحدهم مكان وزمان ولم يمنعهم وضع اقتصادي او محيط سياسي من التعبير عن أنفسهم وافكارهم. حتى ان عبر بهم مجدهم حدود المكان والزمان.
هؤلاء لهم صفات مشتركة اهمها اتقان العمل بكل تفاصيله اتباع التقنيات الحديثة في مجال عملهم ايجاد الافضل في المجال وجعله هدفا ومحاولة مجاراة الاستفادة بقصص نجاح المحيطين به وقصص تعثرهم ودرة تاج هذه الصفات هي انكار الذات فلم يعلم احدا منهم انه سيحقق نجاح وانما سعى واجتهد، فهم لم يتحدثوا كثيرا ولم يكونوا من طالبي الشهرة او السلطة ولم يسمحوا لمن حولهم بتشتيت انتباههم وهدر اوقاتهم وطاقاتهم. انما اعمالهم تحدثت عنهم. فللنجاح بريق يجذب كل الانظار اليه ولا ينكره الا حاسد او جاهل اما المنصفون فيبحثون عن صناع النجاح مهما أنكروا ذاتهم ويرفعونهم على الاعناق ويشار لهم بالبنان اينما وجودوا واينما جلسوا فهم قبله تتجه اليه طالبي العلم والقدوة. كمان انهم قبلة للمنتفعين والمتسلقين ومؤكد سينجو من استطاع الناي بنفسه عنهم.
تجربة نجاح
لم يسعى نجيب محفوظ لشهرة او لعالمية، كانت الكتابة بالنسبة له رسالة عمل التزم به يوميا كان يجلس في الحارة الضيقة يراقب ما يحدث ويحاول ان يتعمق بوعيه داخل تصرفات النفوس وافعال البشر، انتابته الحيرة التي الهبت فكره واستثارت قلمه وهو يحاول مقابلة الاقوال بالأفعال ومقابلة السر بالعلن كانوا اشخاص بسطاء ذوي احلام بسيطة تحيط به ولكن تعمق في نفوسهم وعبر عنهم ورسم ملامح الشخصية المحلية في حارته الصغيرة. واذ بأعماله تتعدى الحارة والمدينة والدولة وصعدت الي العالمية من خلال اغراقه في المحلية ودابه على الغوص في اعماق النفوس.
محترفو الفشل
على النقيض من ذلك فهنالك من يجيدون صناعة الفشل فاذا حققوا نجاح محدودا انتشوا به واخذتهم الانا وتعاظمت نرجسيتهم وظنوا انهم ملكوا مالم يملكه البشر ولا ينتبهون انهم قد دخلوا في منزلق الهبوط. وما يلبثوا الا ان يصطدموا بالقاع حيث لا يكون هناك متسعا لإعادة المحاولة.
ان من أكثر القرارات حماقة ان تحاول احياء نفوس قد اماتها الشعور بالغبن والاحتقار حتى اعتادت شعور الفشل او تحوّل فشله نقمة على جميع من حوله مصورا لنفسه انه من صنع نجاحهم وقد نسبوا النجاح إليهم وأظهروه بصورة الفاشل، مصورا لنفسه أن الأشياء والأشخاص تكالبت عليه وصنع مظلومية يبكيها لنفسه وللآخرين فقط ليحاول يائسا فاشلا مرة أخرى من الحد من بشاعة صورته امام نفسه. ولذا نجد ان “أولهما يعيش ميتا داخل نفسه واما الاخر فيعيش ميتا في نفوس الاخرين”. ان محاولة منح الامل لأي منهما كمن يزرع الورد في صحراء او من يحاول مليء اناء متقوب.
ان تلك النفوس إذا قدّر لها واستشعرت بصيصا من النجاح، تفقد اتزانها لأنها لم تعتد ضوء النجاح فيزيغ بصرها حتى لا يرى الا نفسه في مرآه نرجسيته المقعرة ويتخيل انه بلغ ذروة النجاح وحقق مالم يحقق أحد ويشبع غروره في التشفي في الاخرين ومن نعتوه يوما بالفشل محاولا اثبات نجاحه في عيونهم لأنه يوقن من داخله بمدى تفاهة وعشوائية افكاره فيحاول ان يقنع الاخرين عله يجد عندهم ما فقده داخل نفسه. ويظل منتشيا بنجاحه المزعوم حتى يجد نفسه ومن احاط به في وسط دوامة الهبوط تسحبه الى الاعماق فلا يجب ان يعكر مثله صفو الحياة او ان يقارن نفسه مع نفوس سوية تعمل وتعمل وتزداد اتقانا ونجاحا.
أعادة تأهيل الذات
ان من ضاقت الحياة عليهم بما رحبت وضاقت بهم أنفسهم حتى الفوا الفشل يجب عليهم اولا وقبل نشر عدوى فشلهم على من حولهم ان يعترفوا بخطاهم وبأنهم لديهم الكثير من العيوب ولديهم الكثير من نقاط الضعف التي تحتاج الي تقويم نفسي وتقويم علمي والى ثقافة وإدراك اوسع يسمح لهم بإعادة اكتشاف أنفسهم وتنمية مهاراتهم وعليهم ان يكفوا عن مظلوميتهم ويعلموا ان فشلهم لا يعنى شيئا للعالم بل ان وجودهم في حد ذاته لا يعنى الكثير ولا يهتم أحد بأن يلبسهم ثوب الفشل وان كل ما حدث هو انعكاس لتصرفاتهم تجاه أنفسهم وتجاه الغير. فعبثا تصور ان تكرار نفس الفعل قد يؤدى الي نتيجة مغايرة.
