بقلم : الناقد البشير الجلجلي – تونس
الجزء (4):
أشرنا في الجزء الثالث من مقالنا ( زمن الكورونا و انقلاب معادلات العمل والحريّة والدّين) إلى تحرير السيدة “ك” للسّجناء بقيمة العمل وأَسْرها الأحرار بفقدان أعمالهم وتعويلهم على الجانب الميتافيزيقي محاولة منهم للخلاص…متسائلين عن الأسباب العميقة لِلُجوء الإنسان إلى هذه التفاسير بحثا عن اليقين، وكيف يخلق الخيال الاجتماعي بعدا تحرّريا من خلال العمل من ناحيّة والمقدّس من ناحيّة أخرى؟ لذلك يلجأ المرء إلى المقدّس لإنقاذه وهو الذي أمعن في كل الرّذائل قتلا وتشويها لسحر الوجود. هل لكون المقدّس يجيب على سؤال : ما الهدف من الحياة؟ أم لأنّه” مزيج من الرّعب والثّقة”(3) .
ونخصص هذا المقال الرابع لحرب الإشاعات التي نقلت الكورونا من الميدان والشوارع والمخابر والمستشفيات إلى ساحات الهواتف الجوّالة والتلفاز داخل العائلة و القطر الواحد الذي أضحى سجنا وحتى بين الدّول…في سباق محموم لفهم طبيعة السيدة “ك” وهي تتسرّب كالنّار في الهشيم وتدخل باطن الإنسان بلا استئذان…
فبالعودة إلى تاريخ الشائعات الحديثة يمكن الإشارة إلى أكبر شائعة في التّاريخ الحديث… بين الولايات المتحدة الأمريكيّة والاتّحاد السوفياتي في الحرب الباردة .وهو ما دعانا إلى الإشارة إلى زيف الإنسان المعاصر( كما أشرنا إلى ذلك في المقال الثاني) الذي أوهمنا علما وتقدّما فغزا الفضاء بزيف صعود الأمريكان القمر في ستينيات القرن الماضي في حرب باردة بين المعسكرين المتسابقين للسيطرة على الفضاء وبالتالي على الإنسان ، فأوهنا الغرب أنه يعيش “منذ أكثر من قرنين الآلة والصورة والتّطور الحضاري والعلمي والفضائي إلخ(…) فكلما أحكموا السيطرة على الفن أحكموا السيطرة على العالم، بالسيطرة على الراهن الحضاري من خلال إيهاب الآخر وإيهامه بالتعجيب والخوارق واللامعقول… (4)…و ظلّت هذه الإشاعة ساريّة ما نيّف الأربعين سنة…فمنذ أواخر سنة 2000 تمكّنت الصّور عاليّة الدّقة التي التقطها مستكشف القمر المداري(LRO) لمواقع هبوط ” أبولو” من العثور على المسارات والآثار التي تركها روّاد الفضاء…والاكتشاف المهول -يؤكد ما قاله لنا البروفيسور العيّاري التونسي في النّاسا الأمريكيّة- أنّ الصّور أثبتت أنّ خمسة من أعلام بعثات ” أبولو” الستّة الأمريكيّة المنصوبة على سطح القمر ماتزال قائمة عدا علم” أبولو11″. وهذه الإشاعة كانت من الأسباب العميقة لإسقاط المعسكر الشّرقي …
والقياس وارد مع ” إشاعات كورونا” التي زلزلت الإنسان وأعلنت موته لا بالمفهوم “الفُكوي” إشارة إلى زيف الأنساق الفكريّة الغربيّة، بل بالمفهوم العيني الحقيقي بعد ما احمرّت خريطة العالم بالكورونا وأصاب الهلع العالم انطلاقا من الصين البعيدة بخفافيشها وطبيبها الذي أُلجم لسانه…فمات مرّتين مرّة ظلما ومرّة بكوفيدا-19….
وانطلق الإعلام في حملة شعواء …أنبأت بحرب عالميّة ثالثة ، حرب تخلّت فيها الدّول عن السّلاح لتحمل لواء البيولوجيا الجرثوميّة…. فوجدنا اتهامات متبادلة عبر وسائل الإعلام بين رئيس أمريكا ورئيس الصين…ظنّا منهم أنّ أمريكا صنعت الفيروس ولقّحته للخفافيش ليصيب ثاني أقوى اقتصاد في العالم … ثم جاؤوا بالطرف الثاني فقالوا إنّ الصين صنعته لتأمين شركاتها…ففي الأسبوع الثالث باع المستثمرون الأجانب نصيبهم في الشّركات الصينيّة خوفا من الكورونا…وعاد الرأس المال المحلي بأبخس الأثمان…واعتبر المحللّون أنّ ذلك كان ردا على انسحاب رجال أعمال أمريكان من الشركات الصينيّة السنة الفارطة بأمر من ترامب…مِمّا أدخل العالم في شكّ بعد رحلة الكورونا في بطون المسافرين من الصين إلى إيطاليا وأوروبا جمعاء والعالم… حتى وصل العرب…ولمّا وصلت السيدة “ك” تونس وتلحّفت بأول حالة في غرّة مارس 2020…استبشر التوّنسيون واحتفلوا في شارع بورقيبة ، شارع الثّورة ،في مشهد عبثي يمكن تفسيره سوسيولوجيا و سيكولوجيا واقتصاديا…
أمّا على الصّعيد السّوسيولوجي فيمكن تفسيره بحاجة التّونسي والإنسان عامّة إلى الإخلال بنظام الطّبيعة أكثر مِمّا يمتَثِل له وهو ما يؤكّده سبينوزا(1632-1677) في هذا الصّدد في الجزء الثالث من كتابه ” الأخلاق” بقوله ” إنّهم يبحثون عن علّة العجز والـتّقلّب الإنسانيين ،لا في القوّة العامة للطبيعة(5)، بل فيما يعتبرونه ضربا من العيب في الطّبيعة البشريّة، وهو عيبٌ يجعلهم يَرْثُونَ لها ويسخرون منها ويحتقرونها أو يكرهونها في جلّ الأحوال” (6) …
ومن الناحيّة النّفسيّة يمكن إرجاع هذه العبثيّة في استقبال أخطر وباء في الكون إلى ما يعيشه الإنسان المعاصر من ضغوط سياسةً وحياةً…فقد وقع التّونسي نتيجة الديمقراطيّة والصندوق في جبّ عميق من الصّراعات بان على سطحها تناحر أعضاء مجلس النّواب ، فعبّر باستقبال الكورونا عن تصعيد لرغبات مكبوتة وغضب على ورقة انتخابيّة أخطأت المرمى….رغم يقينه أنّ تونسَ -على هذه المزالق- هي أنموذج في الوطن العربيّ…ويرجع ذلك “س. فرويد”( 1895-1939) إلى الإحباط كما ورد في كتابه ” الحياة الجنسيّة” بقوله ” وعندما يحصل أحباط هذا القدر المتغيّر بحسب الأفراد ، يكون العقاب (…) بوظيفة تلك المنظّمات ولما يطبعها من طابع ذاتيّ منغّص”(7)
أمّا التّفسير الاقتصادي فيُعزى إلى قيمة الدّولة اقتصاديّا…فأوّل حالة في الصين بدأت يوم 31 ديسمبر 2019، بفارق شهرين ويومين عن أوّل حالة في تونس لنصل اليوم أواخر مارس 2020 إلى 300 حالة أو يزيد.والمتأمّل يلحظ انخفاض المعاملات الاقتصاديّة بين البلدين والوفود السياّحية كذلك .وعلينا مراجعة ذلك لأن مؤشر الاقتصاديات في العالم يُقاس بالمبادلات الاقتصاديّة وزيارة رجال الأعمال .
وما تعريجنا على الظواهر العدميّة التي رافقت استقبال السيّدة “ك” إلاّ محاولة منّا لتفكيك ظاهرة الأوبئة في العالم و فهم فلسفة الإنسان الحديث في علاقته بنفسه والعالم ، وخاصّة في علاقته بالكورونا التي تتجاوز الحدود دون تأشيرات ، ترافق الإنسان وتلازمه من 7 أيام إلى شهر …صراعا معها، نتيجتها الحياة للأغلبيّة والموت لـ7 في المائة من المصابين في العالم …لتتجاوز10 في المائة في إيطاليا لتهرّم المجتمع فيها…وهذه الأرقام ونحن نتحدّث –تقريبا –عن مجهولة الهُويّة…لا تقدّم نفسها إلاّ قليلا…في سعال خفيف وحرارة قد تخدع…فتكلّم الأطبّاء عن أعراض دقيقة …وظهرت حالات لا تحمل تلك الأعراض…وتخاصم الجماعة في الفايسبوك واستغراكم ويوتيوب وغيرها…فظهرت الفيديوهات والصور…وأصبح “مساجين العالم” يحلمون بخبر سارّ أتاهم ذات مساء إلى هواتفهم الرّقميّة أنّ “يوهان” الأمّ الكبيرة للكورونا شُفيت تماما وظهر الأطباء بلباسهم الملائكي يرفعون شعار النّصر بالتخلّي عن كماماتهم…لتخرج كوريا بمعجزة في السيطرة على الفيروس….فقلبت دول آسيا معادلة التّحضّر وقدرات العولمة التي أوجع بها الغرب رؤوسنا لقرون…
يغلق السّجين الإرادي في الحجر الصحي هاتفه ويفتح التلفاز على أخبار الثامنة…”إيطاليا تستغيث…كل يوم تفقد 1000 ضحية …اسبانيا لم تجد الأسرّة اللازمة لمرضاها و العلاج القويم لأميرتها “ماريا تيريزا ” و أصبحت أوّل فرد من عائلة ملكيّة ينفق بسبب الفيروس التّاجي-إنْ صحّ الخبر-، و بريطانيا أميرها تكورن ورئيس وزرائها بوريس جونسون احتضنته السيدة “ك” في اجتماع مغلق… وألمانيا تغلق بواّبة الإصابات بإصابة المرأة الحديديّة المستشارة “أنجيلا دوروتيا ميركل” بعدوى أفقية من طبيبها …. وإيران ينفق مصابوها ومصر والمغرب وليبيا وفلسطين والعراق والسعودية ولبنان وسورية…. يصّاعد فيها عدد المصابين وتونس تسجل خمس ضحايا”…فيستفيق “سجناء العالم” في بيوتهم كل يوم على أخبار الموت والفقد فيزدادون خوفا على خوف…
يجد سجناء العالم أنفسهم في سجن كبير…سجن الحجر الصحّي الذي جعلهم أيتام الأنظمة الرأسمالية التي لم تصل إلى فهم طبيعة الإنسان الزئبقيّة …فلم تستبق الكوارث…ولم يتصوّر أحد أن يُسجن كلّ سكان العالم وتتحوّل الكرة الأرضية إلى صحراء دون سكّان في مشهد هُلاميّ يصعب تخيّله …فيغدو الإنسان بلا عمل وبالتالي بلا إنسانيّة…بما أنّ العمل عنوان إنسانيته وحرّيته كما أشرنا إلى ذلك في مقالنا الثالث نقلا عن “ماركس”(8)
هذه الإشاعات ترافقت مع السّباق المحموم نحو اكتشاف اللّقاح اللاّزم دون إضاعة للوقت…خرج طبيب فرنسي في باستور بلقاح الكلوروكين المعروف منذ 70 عاما ولكن وزارة الصحّة الفرنسيّة عارضت بشدّة…ولكنّ الأمل يستفيق بخبر مفاده توصّل أطبّاء ألمان إلى لقاح فعّال جعل ترامب تشرئبّ رقبته إليه…ويخفت الخبر لنرى طبيبة صينية تلقّح نفسها….فيصفّق الإيطاليون لها بما أن الصّين أحسّت بحنوّ الأم ّ المريضة التي قامت بعدوى ابنتها إيطاليا فأرسلت فرقا طبيّة ومساعدات وأخواتها في الاقتصاد والجغرافية تمنّعن…
يتحرّر العقل من الكورونا فتأتيه في أضغاث الأحلام…وهي تقوم بجولتها حول العالم كما فعل ذلك “جيل فارن” في ثمانين يوما(9)… وهي جولة أفرغت سكان العالم من المصانع والشوارع ولم يبق إلاّ أصحاب البحث العلمي والأمن والصحّة والنظافة يراودون الشوارع الفارغة…وهي قطاعات تكفّلت بسكان العالم اليتامى…ولكن لكل وطن بارقة تزرع الأمل كالطالب المهندس التّونسي أصيل ولاية جندوبة “ولاء سهيلي” الذي اخترع تطبيقة ذكيّة لاكتشاف حاملي فيروس كورونا باعتماد صور(RX) التي توجّه إلى الرئتين ربحا للوقت…والمخترع ” أنيس السّحباني ” أصيل مدينة السّجنان اخترع الرّوبوت الشُرطيّ الذي يمنع النّاس من كسر الحجر الصحّي ويسألهم عن مرادهم ووجهتهم، بعدما استقال من السّوربون ليعود إلى تونس في رحلة حبّ وطن …وهو إنجاز أبهر الألمان وأسال حبر الصِّحافة … وغيرهما من صانعي القناع الواقي والجهاز التّنفّسي الاصطناعي بإمكانات ذاتيّة …والطلبة في لبنان الذين صنعوا طائرة بلا طيّار زمن الكورونا لإرسال باقات ورد إلى الأمهات في عيدهن … وكأنّ الشعوب المستضعفة كانت في سُبات أو تبعيّة مفروضة تحرّرت منها عندما تخلّت عنها هذه الدّول القوِيّة…وآن الأوان أن تُبعث كطائر السّمندل أو الفينيق من رمادها…وأن تقف، في فرصة تاريخيّة أعطتها إياها السيّدة “ك” وإلاّ ذهبت ريحها وهو ما أطلقنا عليه ” مزايا الكورونا”…”
وهي أخبار على صحّتها قد تُحوّل وجهتها مسالك التّواصل الاجتماعي التي غلبت عوليها اختلاق الأخبار تجاوزا للرّتابة والح وعدجر …فغالى البعض وفنّد آخر وشتم ثالث وتآمر رابع وتبرّع خامس…ممّا زاد يقيننا من خلال هذه التحاليل أنّ الحضارة التي عاشها العالم منذ قرنين قرُبت الزّيف…وما العولمة إلاّ لعبة مضادة لم تفد الإنسان في حربه الكونيّة إلاّ قليلا…فمرض الكثير من سكان العالم بالخوف والهلع قبل المرض بالكورونا…فتجده يتوقّع ويحسب وكأنّه ينتظر الكورونا…لذلك احتفل بها شبان تونس… وغناها بعضهم قصيدة غزلا… والغريب أنّ الدول العربيّة ، على تأخّرها حضاريا ، فإنّ عدد الإصابات فيها لم يتجاوز المئات…وإلا كيف يعجز الغرب عن السيطرة على الفيروس وقدره العرب؟ الإجابة تأتي من الحكام العرب الذين يغازلون الإعلام بوهم الأرقام بقولهم :”الوضع تحت السيطرة”…وهو ما دعا منظّمة الصحّة العالميّة إلى دعوة البلدان العربيّة إلى التعجيل بالإفصاح عن الأرقام الحقيقيّة بتكثيف التحاليل ورفع القدر الكافي من العيينات….متناسين أن المناعة عند العرب وطريقة غذائهم هي الحاميّة الأولى لهم…ينضاف إليها معدّل الأعمار الذي يغازل الشباب في أغلب الوطن العربيّ… فهل سننصر على السيدة “ك” بالوهم أم بالعلم أم بالذّكاء الذي أثبته الحاكم التّونسي بالاستباق والطّبيب بالتّضحية و المخترع بالعلم والمواطن بالوعي ؟ تابعونا في المقال الخامس….