حدث بالفعل ؟

مقدمة

حدث بالفعل

بقلم / سيد علي


(أمسكتُ بقصاصة الورق.. تلك التي سقطت مني منذ أيام.. ربما حينما كنتُ أبحث عن معنى شيءٍ ما.. شيءٍ ضاع مني في زحام الحياة. الغرفة غير المرتبة تُشعرني أنني أعيش في فوضى الكون ذاتها.. ولكن الفوضى -يا سادة- قد تكون أماً لعشرات المعاني الجميلة.

 

كتبتُ على القصاصة.. على يمينها تحديداً -ولا أدري لماذا اخترت اليمين.. ربما لأن قلبي يوجد في تلك الناحية- كتبتُ: “تأثير تانتال”.. ثم شطبته وكتبت تحته “تأثير تيندال”.. ثم مزجت بين الاسمين في حيرةٍ عجيبة.

 

لقد التبس الأمر في ذهني.. تماماً كما يلتبس الواقع بالخيال.. وكما يلتبس الحلم بالحقيقة. ظننتُ للوهلة الأولى أن “تانتال” و”تيندال” هما شخصية واحدة من شخصيات الأساطير الإغريقية.. بطل تراجيدي يعيش في دوامة من الأوهام.

 

لكن المفاجأة كانت تنتظرني.. كالمعتاد في أفضل القصص.

 

اكتشفتُ أن “تأثير تانتال” هو ذلك العذاب الذي لا ينتهي.. أن ترى ما تريد واضحاً جلياً.. لكنك لا تستطيع الوصول إليه. كأن ترى كوباً من الماء البارد وقد غصت حلقك بالعطش.. ولكن كلما هممتُ للوصول إليه ابتعد عنك.. إنه خدعة النفس.. وخدعة الحياة.. وخدعة التجارة أيضاً.. حينما تُظهر لك السلعة ثمينة ثم تعلم في قرارة نفسك أنك لن تمتلكها.. فتشتاقها أكثر.

 

أما “تأثير تيندال”.. فهو ذلك السحر العلمي الجميل.. حينما يكون الضوء خفياً لا تراه العين.. ثم فجأة يظهر لك في مشهدٍ مدهش.. كأنك ترى الروح تتجلى في جسدٍ مادي. إنه يحدث عندما توجد جسيمات صغيرة في الهواء أو الماء.. فتعكس الضوء وتجعله مرئياً.. كشعاع الشمس حينما يدخل من نافذة غرفة مظلمة فيظهر واضحاً بسبب ذرات الغبار.

 

يا له من تناقض عجيب ،ربما أكثر عجبًا من طريقة تفكيري و ربطي للأمور

 

أحدهما يجعل المرئي بعيد المنال.. والآخر يجعل الخفي مرئياً.

 

أحدهما يستخدم الوهم والخوف من الفقدان لتحقيق مكاسب.. والآخر يستخدم الوضوح والعلم لتحقيق الفهم.

 

أحدهما يبيعك أحلاماً مستحيلة.. والآخر يريك جمال الحقائق العلمية.

 

وبينهما.. وقفتُ أنا.. على قصاصة ورقٍ صغيرة.. في غرفة غير مرتبة.. أكتب وأشطب.. وأتعلم.

 

كم هي رائعة تلك اللحظات التي نكتشف فيها أن العالم مليء بالعجائب.. حتى في أصغر التفاصيل.. حتى في غبار الأيام الماضية على قصاصات الورق المهملة.

 

لقد بدأتُ القراءة و البحث عن هذين التأثيرين وأنا لا أعرف عنهما شيئاً.. وانتهيتُ وأنا أعرف أن الحياة كلها.. في النهاية.. ليست إلا سلسلة من التأثيرات.. بعضها مرئي.. وبعضها خفي.. وبعضنا من يصنع منها أوهاماً.. وبعضنا من يصنع منها علماً.

 

والفرق بين الوهم والعلم.. هو مجرد قصاصة ورق.. وكلمات نكتبها بحرص.. وغرفة نرتبها بنظام.)

 

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

 

لنغص معًا في أعماق الوهم والإدراك

 

الوهم .. ذلك الكذاب اللطيف

 

كتبها / سيد علي

 

هل جربت يومًا أن تتضور جوعًا وعطشًا، وتجد طبقًا من أطايب الطعام وكوبًا من الشراب البلوري قد وُضع أمامك، ولكن كلما مددت يدك لتحقق حلمك، ابتعد عنك وكأن بينكما حاجزًا خفيًا؟

 

لا.. لا أتحدث عن حلمٍ مزعج، بل أتحدث عن عقاب “تانتالوس” في الأساطير الإغريقية، والذي أصبح اسمه “تأثير تانتال”، لوصف ذلك العذاب الإلهي الذي نعيشه كل يوم: أن ترى ما تريد بوضوح الشمس، ولكنك لا تصل إليه أبدًا.

 إنه وهم القرب.. وهم أن كل شيءٍ ممكن بينما أنت في قفص من زجاج.

 

والآن، أغلق عينيك قليلًا وتخيل معي مشهدًا آخر.

 

في غرفة مظلمة، تمسك بتلك الأداة السحرية التي تطلق شعاعًا من الضوء الأخضر أو الأحمر.

تسلطه على كوبٍ من الماء النقي الصافي فيمر كالسهم، غير مرئي، وكأنه شيء من الخيال.

 

ثم تقوم بسحرٍ بسيط: تضيف قطرة حليب واحدة.. وفجأة، يتحول الشعاع الخفي إلى عمودٍ ضوئي مبهر، يمثل بسلاسة في الماء وكأنه سيف من نور يمكنك الإمساك به

 

هذا ليس سحرًا، إنه “تأثير تيندال”. إنه ذلك الخداع البصري الجميل الذي يجعل غير المرئي مرئيًا. إنه يخبرنا أننا لا نرى الأشياء في كثير من الأحيان، بل نرى أثرها حينما تصطدم بعوائق العالم.

 

فما الفرق بين الوهمين؟

 

في تأثير تانتال، الشيء حقيقي لكنك لا تستطيع الوصول إليه.

 

إنه مثل تلك الصفقة الرائعة التي تنتهي قبل أن تكمل طلبك، أو مثل الشخص الذي تحبه وهو قريب منك جسديًا لكنه بعيدٌ روحًا وفكرًا.

 

أما في تأثير تيندال، فالشيء غير ملموس أساسًا (الضوء) لكن العوائق تجعله يبدو حقيقيًا.

 

إنه مثل سماع رأي الناس عنك، فهو ليس حقيقيًا بذاته، ولكنه يظهر فقط حينما يصطدم بشخصيتك الحقيقية فيعكس صورة قد لا تكون أنت

 

حياتنا كلها مبنية على هذه التأثيرات ،،، صدق هذا فإنه الواقع

 

عقولنا ليست كاميرات موضوعية تسجل الواقع، بل هي “كيميائية” معملية عجيبة، تأخذ البيانات الخام من أعيننا وآذاننا وتُعيد تركيبها وتلوينها بناءً على مخزوننا من التجارب والأوهام والآمال والأحزان.

 

ذلك الشبح الذي تراه في زاوية غرفتك المظلمة هو “تأثير تيندال” لدماغك الذي يفسر ظلالاً عادية على أنها خطر محدق.

وذلك الحلم بالثراء الفاحش والشهرة الواسعة الذي يبدو قاب قوسين أو أدنى، هو “تأثير تانتال” في أرواحنا، الذي يجعلنا نركض وراء سرابٍ صحراء جافة نظنه ماءً.

 

نحن نعيش في عالم من الأوهام التي صنعناها بأنفسنا، بعضها مؤلم مثل تأثير تانتال، وبعضها جميل مثل تأثير تيندال.

 

المهم أن نعترف أن جزءًا كبيرًا مما نراه ونؤمن به هو مجرد “تأثير” ناتج عن اصطدام الحقائق بعوائق أرواحنا.

 

ففي المرة القادمة التي تمد فيها يدك إلى شيءٍ مستحيل، أو ترى فيه نورًا لا يراه غيرك، توقف واسأل نفسك: هل أنا أمام “تانتال” من صنع ظروفي، أم “تيندال” من صنع عقلي؟

 

الحياة ليست ما تراه عيناك، بل ما تفسره أنت مما تراه.

فاحرص على أن تكون كيميائك الداخلية نقية، كالماء الصافي، حتى لا تحول أشعة الأمل إلى أوهام، ولا تحول أوهام الآخرين إلى حقائق عليك أن تعيشها.

 

الوهم كذابٌ لطيف، ولكن معرفة آلية عمله هي أقوى سلاح لتعيش في سلام مع الحقيقة.

 

دُمتم بخير

Related posts