جريدة اخبار العالم
بقلم النّاقد البشير الجلجلي( ناقد وباحث جامعي من تونس)
عرفت الرّواية في العالم تطوّرا كبيرا منذ أعلن الروائي الاسباني ميغيل دي سيرفانتس(1547م- 1616م) إيقاف رواية الفروسيّة بروايته الشهيرة ” دون كيشوت”، وصولا إلى النّزعة الإمبرياليّة التي تميّزت بها الرّواية بعد ذلك، على عبارة لوكاتش وانتهاء إلى مدرسة الرواية الجديدة والرّواية الجديدة الجديدة مع ريكاردو وساروت و ما بعدهما والأعمال التي استفادت من الفنون الأخرى المجاورة…خلق هذا الوضع لدى المبدع العربي كاتبا كان أو ناقدا حيرة مضاعفة بين الخوف والرّهبة….إذ السؤال الرئيس عن هذه الدرّة الفريدة التي تمسّك بها المبدع العربي دون الأجناس الأخرى( المسرح ، الشعر، الكتابات المرجعيّة…) أ لاعتقاده أنّها أيسر الأجناس وأسهلها ؟أم لطبيعتها الامبريالية؟ أم لعلاقتها الآثمة بالتاريخ( اُنظر العجائبيّ في الرّواية العربية الحديثة ص23).
وليس يسيرا أن يلِجَ كاتب عربي مغامرة الرّواية وينجح كما نجح نجيب محفوظ في اختصار 350 سنة من الرّواية في العالم في أعماله عبر تجاربه المختلفة من الرّواية التاريخية فالواقعية فالذّهنية فالعجائبيّة وغيرها…ونجاج البشير خريف في تجاربه وخاصّة في ” الدّقلة في عراجينها”….وغيرهما …والجيل الجديد من كتّاب الرّواية العربيّة والتّونسيّة يحاول تطوير التخييل الرّوائي بحثا عن طرق ناجعة للنجاح والإقناع…والرّوائيّة التونسيّة حنان جنّان من هذا الجيل خاصة في روايتها الأولى (كاترسيس: جائزة الاكتشاف في مسابقة كومار 2016) و(حبْ الملوك: التّنويه في المسابقة عينها سنة 2019)…
والرّاي عندي أنّ حنان جنّان في روايتها الجديدة (حبْ الملوك: دار نظر للنّشر ، تونس 2019،ط. 1/ 223صفحة)…تكتب التفاصيل المنسيّة وتحفر في الجزئيات التي تناستها الذّاكرة، فتبعث فيها لواعج الحياة، فتتراءى لك حيّة جديدة .وهي من التّيمات التي حازتها وتملكتها “حبْ الملوك” ، فيضيع القارئ في تعرجاتها بحثا عن أطروحتها….يتمسّك بتلابيب الموضوع في الفصل الخامس(التصفيح)…يتفلّت منه في الفصل السّابع( الخميس الأسود :26 جانفي 1978) ويتشعّب في الفصول اللاحقة : العاشر : البورقيبيّة والناصريّة….ليسقط القناع في الفصل الأخير …حبْ الملوك الشفاه/حبْ الملوك: الكرز، الوحم…هذا اللّهاث وراء تيمات الرّواية، لُهات رواية بوليسية لكشف اللّغز، يمكن تبريره بلعبة سرديّة قائمة تارة على الخطيّة و تارة على البارقة السّرديّة وطورا على الاسترجاع…وقد لعبت الذّاكرة لعبتها في الحكي والاسترسال و الكولاج في توظيف طريف لتقنيات السينما والمرئيات…
تأسرك الرّواية بقربها من عالمك الواقعي وروحها الطّريفة السّاخرة الجادّة في آن واحد، ساخرة من التّاريخ كما اعتاد الرّوائي أن يسخر من كلّ أكذوبة على عبارة إبراهيم الكونيّ…والتّاريخ والواقع والذّاكرة والذّات والمكان والحيوات التي عاشتها شخصيّة( سلوى) ماهي إلاّ تعلّة حددت بها الكاتبة علاقة الرّواية الآثمة بالتّاريخ…لذلك كان لزاما فعل الـ( كتارسيس)…وهو تطهير تنازعت فيه شخصيّات الرّواية لامتلاك أحقيّة البقاء والوجود…والكاتبة في هذا تنبش في العلاقات الكبرى للثقافة العربيّة التي لم تبتنِ لنفسها بعدُ هُويّة تدافع بها عن نفسها أمام الاستيلاب الحضاري…وما وقوف ( سلوى) في مهبّ الريح مدافعة عن قناعاتها ضدّ مجتمع يؤمن بالحظّ والنّحس والعين والأولياء الصالحين ، ولا يرى في العمل قيمة ، رغم تشديد الكتب السّماويّة على قيمة العمل وصلا بالإيمان إلاّ مقامرة فإمّا الظفر أو الخسران، تقول السّاردة ” وبعد سنوات حمدت ربّها وشكرته يوم إعدام صدّام حسين ذات عيد أضحى، لأنّه تمّ قبل يومين فقط من حلول شهر جانفي الحزين، شهر عيد ميلادها”( الرّواية ص 57).
خاضت (سلوى) رحلة التّحدّي منذ حادثة زميلها في الصفّ الاوّل الطفل سامي ( ص28) وصولا إلى سمير زميلها في العمل ورحلة جربة ، مرورا بآدم (الحبيب الباريسيّ الافتراضي عبر السكايب ) وانتهاء بعادل خال مجدي زوج أماني ابنة أختها…وهي رحلة كانت الجدّة المنقذة الأولى لها، فالتميّز في الدّراسة وصولا إلى قرار الرحيل إلى الذّات الأحد والاكتفاء بها …وهي رحلة وجود منذ الصفّ الابتدائي وضعف قرار الأب أمام جبروت الأمّ…حتّى أجهزت عليها الندبة السّوداء…خوفا من ” الخطيئة الكبرى” (ص 28)…وصولا إلى التصفيح الكاذب” أنا حيط وولد النّاس خيط”…وقد اكتشفته يوم واقعة آدم الذي لم يمنعه التصفيح بل قولها” أنا حامل”….هي رحلة في الذّات البشرية …ذكورةً ورجولةً وأنوثةً…وتواسع الهاجس عند سلوى بحثا عن الرّجل …فلم تجده….فالتجأت لمن”يُعَشْرَهَا”( يخصبها) تقول رادة على عادل وهو حائر في سبب اختيارها له رغم الفوارق بينهما سنّا ومستوى دراسيّا وعاطفيّا “لأنّي كنت بحاجة إلى رجل في حياتي…بحاجة لأكون أمّا قبل أن يفوت الأوان.”(ص 214)…
بين حبْ الملوك عنوان شفاهها(الكرز) وبين النّدبة السّوداء…جالت الشّخصيّة في ثنايا التفاصيل المنسيّة وفق ثنائيات ضديّة حكمت معاريج الرواية( سلوى العانس / أماني الشّابة، صلة الدّم / صلة المال ،الذّكورة / الرّجولة ، الأنثى / المرأة ، الأب الخجول/ الأمّ المتسلّطة ،الاحتفال بعيد الحبّ/ اغتيال رفيق الحريري ،النّسك / الفسق…) وقد مرّت هذه التيمات في حرم المخيال الشّعبي والغيرة بين الأبناء والعلاقات عبر السكايب ووسائل التّواصل الاجتماعي…والثورة التّونسيّة والفايس بوك وما حدث قبل ذلك من خلاف دمويّ يوسفي بورقيبي وصولا إلى أحداث جانفي 1978….
وهي تفاصيل قد يتيه فيها القارئ لولا الخيط الناّظم الذي عوّلت عليه الرّوائية باعتماد السرد المجمل( Récit Sommaire/Summary)….تلخيصا لما سبق وتتويجا لمآلات الأحداث…إضافة لروابط لغوية اعتامتها الكاتبة كلوازم دالة على ملخّصات الأحداث كقولها “وهكذا كان…هكذا ظهر…هكذا قالت…” وهي من اللوازم التي استعانت بها حنان جنّان في بناء هندسة روايتها التي دارت دورة أُسطوانة من شفاه تشبه حبْ الملوك ( الكرز) إلى “الوحم” بفاكهة حبْ الملوك الحمراء الجميلة…”خطرت على بالها فاكهة “حبْ الملوك” فسال لعابها: إنّه الوحم”( الرواية ص 223)…
وبعد، هذا سقط زند أوّل نواصله مشروعا نقديا متكاملا…. ربما في زمنٍ آخرَ … ربما !!
الناقد البشير الجلجلي ( تونس)

