تَنَسُّكاتٌ في مِحْرَابِ ألْفَاظِ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ
(ساق)
في قوله تعالى : {يَوْمَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ}.
هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي يُكْشَفُ فِيهِ عَنْ سَاقٍ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وفي بداية الكلام نتساءل: بِمَاذَا نُصِبَ (يَوْمَ)؟
فِي ناصِبِ (يَوْمَ) وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بالْفِعْلِ (فَلْيَأْتُوا) على أنَّهُ مفعولٌ فيه (ظرف زمانٍ)، فَكَأَنَّهُ تعالى قَالَ : إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي أَنَّ لَهُم شُرَكاءَ فلْيَأْتُوا بِهِم يَوْمَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ؛ ليَنفَعُوهُم ويَشْفَعُوا لَهُم.
وَالآخر : أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ الْفِعْلِ (اذْكُرْ) على أنَّهُ مفعولٌ به، والمعنى: اذكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ عن سَاقٍ…
وفِي تَفْسِيرِ السَّاقِ قولان مشهوران :
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمُرَادَ سَاقُ اللَّهِ سبحانه وتعالى، وأَنَّهُ من الْمُتَشَابِهِ الَّذي نُؤْمِنُ بِهِ، ونُفَوِّضَ الأَمْرَ فِيهِ إلى الله عز وجل، ولا نتعرضُ له بالتَّفْسِير والتأويل.
واستدلَّ القائلون به بنحو ما جاء في صحيح البخاري، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ – رضي الله عنه – قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ : “يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا”.
الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْكَشْفَ عَنِ سَاقٍ عِبَارَةٌ عن شِدَّةِ الأَمْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ للحسَابِ والْجَزَاءِ، فَالسَّاقُ يُرَادُ بِها الشِّدَّةُ.
جاءَ في المستدرك على الصحيحين أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ}، فَقَالَ : إِذَا خُفِيَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَابْتَغُوهُ فِي الشِّعْرِ، فَإِنَّهُ دِيوَانُ الْعَرَبِ، أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشَّاعِرِ [يخاطب فرسَهُ المسمى بـ: عَنَاق]:
اصْبـِرْ ، عَنَاقُ ؛ إِنَّهُ شَرٌّ بَاقِ
سَنَّ لَنَا قَوْمُكَ ضَرْبَ الْأَعْنَاقِ
وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقِ
ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا يَوْمُ كَرْبٍ وَشِدَّةٍ .
وأهْلُ اللغةِ قالوا : الْكَشْفُ عن سَاقٍ مَثَلٌ يُضْرَبُ فِي شِدَّةِ الْأَمْرِ وَصُعُوبَةِ الْخَطْبِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي اللُّغَةِ شَائِعٌ، وَأَنْشَدُوا أَبْيَاتًا كَثِيرَةً، مِنْهَا قولُ سعد بن مالك جَدّ طَرَفَة بن العبد عن الحرب:
كَشَفَتْ لَكُمْ عَنْ سَاقِهَا * وَبَدَا مِنَ الشَّرِّ الصُّرَاحْ
وَقَولُ الشاعر :
قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا فَشُدُّوا * وَجَدَّتِ الْحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا
فهَذَا تَقْرِيرٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ السَّاقِ فِي الشِّدَّةِ مَجَازٌ .
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَرْفُ الْكَلَامِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا بَعْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وقَدْ قامتِ الدَّلَائِلُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أَنَّهُ سبحانه وتعالى يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ جِسْمًا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقِينَ ويَقْبَلُ التَّجْزِيءَ، ولَوْ كَانَ الْمُرَادُ بالسَّاقِ ساقَ اللهِ عز وجل لَكَانَ مِنْ حَقِّ السَّاقِ أَنْ تُعَرَّفَ؛ لِأَنَّهَا سَاقٌ مَخْصُوصَةٌ مَعْهُودَةٌ عِنْدَهُ، وَهِيَ سَاقُ الرَّحْمَنِ. فَحِينَئِذٍ يَجِبُ صَرْفُ اللَّفْظِ مِنَ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ، وحَمْلُهُ عَلَى معنى الشِّدَّةِ.
وَفَائِدَةُ تَنْكِيرِ السَّاقِ فِي الْآيَةِ: الدَّلَالَةُ عَلَى التَّعْظِيمِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ شِدَّةٍ أَيِّ شِدَّةٍ، أي : شِدَّة لَا يُمْكِنُ وَصْفُهَا لِعِظَمِهَا وهَوْلِها. والتَّنكيرُ دلَيلٌ مِنْ أدلةِ قُوَّةِ هَذَا القولِ الأخِير.
وَوَجْهُ تَعْرِيفِ السَّاقِ بالإضافةِ فِي الْحَدِيثِ (عن سَاقِهِ) دُونَ الْآيَةِ (عن ساقٍ) أَنْ يُقَالَ: أَضَافَهَا في الحديثِ إِلَى اللَّهِ عز وجل تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا الشِّدَّةُ الَّتِي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا السَّاقُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابِهِ الْكَريم.
ثُمَّ الصَّلاةُ بَعْدَ حَمْدِ الصَّمَدِ * عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدِ
د/ أحمد عيد
أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر