بيرم يغرد في سماء الأنفوشي

بقلم دكتور / حســن محمـــود
*********

كان موعدنا أمس مع إمام الزجالين بيرم التونسي، في ندوة اتسمت بالثراء المعرفي ورقي الحس الفني وسمو الحوار الثقافي. حيث تأتي في إطار سلسلة من الندوات التي نحاول من خلالها معايشة البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي أفرزت لنا جيل الرواد في الثقافة والفن منذ نهايات القرن الثامن عشر، فقد كان اللقاء في الندوة السابقة مع موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، وها نحن نلتقي مع عبقري آخر ألا وهو بيرم التونسي.
.
بدأت الندوة بمداخلة رائعة للشاعر الرقيق أحمد يسري، حيث تحدث في البداية عن الفروق الجوهرية ما بين الشعر والزجل، ثم عن نشأة بيرم الاجتماعية التي أثرت في شخصيته، وجعلته أحد رواد هذا الفن، وكيف استطاع أن يقتحم مجال كبار الشعراء حتى قال أحمد شوقي مقولته الشهيرة ( أنا لا أخشى على الفصحى إلا من أشعار بيرم). وكيف فرضت أزجاله برقتها وجمالها على أساطين الطرب وفي مقدمتهم سيدة الغناء أم كلثوم التي غنت له ما يزيد عن ثلاثين قصيدة.
.
ثم انتقل الحديث إلى الشاعر الكبير خالد هلال الذي أفاض بعلمه الغزير وغاص في أعماق بيرم، فهو باحث وعاشق وتلميذ نجيب له، حيث أوضح لنا – من خلال إلقاء العديد من أعمال بيرم- كيف تفاعل بيرم مع كل الأحداث الاجتماعية والسياسية منذ عصر الملكية حتى وفاته، فقد تناولت أعماله قضايا المرأة والرشوة والفساد وقضايا الفقراء والعادات والتقاليد البالية، فلم يترك مجالا إلا واقتحمه بمنتهى الجرأة والشجاعة مما كلفة الكثير من حريته.
.
وجاءت مداخلات الحضور راقية ومثمرة، وتمحورت حول سؤال ( لماذا لا يوجد بيرم أخر بيننا الآن؟). فقال الشاعر الكبير طارق الكردي إن البيئة الاجتماعية والسياسية هي التي أفرزت بيرم وغيره من الرواد، وتوافق رأي الشاعرة منى عبد الرحمن مع ذلك حيث قالت أن الشعر ما هو إلا تعبير عن واقع يعيشه الشاعر ويعبر عنه بأسلوبه الخاص بعد التفاعل معه وهضمه.
.
وأكدت لنا الشاعرة الكبيرة قوت القلوب على هذه النقطة وبينت كيف أن الشعر هو نتاج تجربة شعورية يعيشها إنسان مرهف الحس قادر على ترجمة إحساسه بصدق، بينما أرجعت الشاعرة رجاء حسين ذلك الابداع إلى موهبة الشاعر وصفاء ذهنه حيث إنه يمتلك المقدرة على ترجمة ما يحدث من حوله إلى أشعار.
.
وكانت المداخلة النقدية للدكتورة إيمان الزيات ثرية كعادتها، فقد أكدت على أثر المعاناة الشديدة التي يعيشها الشاعر أو الأديب كي يبدع لنا نصاً أدبيا راقيا، وأكد على ذلك الشاعر وسيم عبد الخالق الذي قال ( إن الموهبة لا تتكرر ولا يمكن استنساخها، فهناك بيرم واحد وأم كلثوم واحدة)، وجاءت مداخلة الشاعر الكبير عادل حراز لتؤكد على هذه النقطة من واقع تجربته الشخصية.
.
وجاء المحور الثالث للندوة بعنوان ( أحفاد بيرم) حيث استمعنا إلى بعض القصائد المشاركة في مسابقة الزجل ( إسكندرية … يوم حلو ويوم مُر) من الشعراء أسامة عياد وأحمد على حسن.
.
وجاء دور الغناء، لنستمع إلى أجمل الأغاني التي كتبها بيرم لأم كلثوم وفريد الأطرش وبعض أساطين الغناء في الزمن الجميل. كان اللقاء مع صوت الفنانة المتألقة ياسمين السكري، وهو صوت ناعم كالحرير، يتسرب إلى أذنيك في يسر ولطف، يستولي على قلبك قبل عقلك، صوت يأخذك إلى عالم خيالي لترى الكلمة المغناة وتسمعها، صوت ننتظر منه الكثير، فهو أحد الأضواء الصاعدة التي تؤكد إن حسنا الفني راق وباق رغم حملات بيكا وشطة ومن على شاكلتهم، وأتمنى أن نجد شركة الإنتاج التي تستطيع أن تتبنى هذه الموهبة الفذة.
.
أما عن أنغام العود، فقد أشجانا الرائع الفنان مرسي ياقوت بأجمل النغمات وأرق الألحان، فهو عازف ماهر ذو أصابع ذهبية، دارس وباحث في علم المقامات، فلا تفوته هفوة ولا يصدر منه نشاذ، يضاف إلى ذلك إنه يمتلك صوتا دافئا معبرا، به كثير من الطرب والنغم، فقد شدا لنا بالعديد من الأغاني التي كتبها بيرم في منتصف القرن العشرين ولم تأخذ حظها في الانتشار، فكان وبحق مفاجأة للحضور جميعا.
.
وأخيرا جاء وقت إعلان نتيجة المسابقة، حيث تصدر المراكز الأولى الشاعر أسامة عياد ثم الشاعر إبراهيم منصور وجاءت في المركز الثالث الشاعرة أميمة سلطان.
.
وهنا داهمنا الوقت وكان لا بد لنا أن نستيقظ من ذلك الحلم الجميل الذي تجاوز الساعتين والنصف.
.
شكرا للحضور الكريم…
والشكر موصول لمديرة المكتبة الأستاذة فاطمة السماليجي Sisi sisi
وكل الشكر والامتنان للفنانة والأديبة الراقية مديرة القصر أماني على عوض

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٩‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏أشخاص يجلسون‏‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏‏أشخاص يجلسون‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏

Related posts