الظل الأسود


الكاتبه /تغريد مصباح

جلست وفاء أمام المرآة ، تمشط شعرها الأسود الطويل ، وتلون شفتيها القرمزيتين وترسم حول أحداقها خطوطا من الكحل ، حتى انتهت وبدا وجهها كأنه لوحة فنية رائعة ، فأخذت تتأمل وجهها الأبيض الناصع ووجنتيها الورديتين في غرور أنثوي ملحوظ ..
بينما تزين نفسها كالعادة ، حتى ولو لم تكن تستعد للخروج ، دق جرس الباب ، ولكنها لم تعره انتباها ، وظلت تمارس طقوسها اليومية في سعادة ، ولكن جرس الباب ألح مرات ومرات ، فقامت وهى متعلقة بصورة جسدها في المرآة ، تتحسس خصرها الرشيق ، وتلقي بقبلة على صورتها ، وتحركت نحو الباب رغما عنها وهى غاضبة ، من هذا الطارق ، الذي يريد أن يقتحم خلوتها
ـ حاضر .. حاضر … هى الدنيا طارت !
فتحت الباب في عصبية شديدة ، فإذا بصديقتها رشا تقف أمامها ، والابتسامة تكشف فمها الواسع ، وملامحها القبيحة ، معها فتاة في مقتبل عمرها ، نظرت إليها في ذهول ، وكأنها لم ترها منذ عقود ، حدث التحام بشرى بينهما ، لم يخلو من العناق والقبلات ، متبوعا بعبارات عتاب من كلا الطرفين ، حتى استقر الجميع في غرفة الضيوف ، وبدأ الحوار من جانب واحد ، وكأن رشا تتعمد أن تلقي بتلك العبارات القصيرة المُوجزة ، لتضع وفاء على محطة قطار فارغة بلا ركاب ، تجلس عليها بمفردها ، تتذكر كل القطارات ، التي مرت أمامها .
ـ عقبال عندك … فرح بنتي سمر يوم الخميس الجاي …
أحست بصدمة شديدة ، وشعرت أن البرودة ، قد اجتاحت مفاصل جسدها ، جلست وشريط الذكريات ، يدور في رأسها وكأنه قطار سريع ، يدهس عقلها الضعيف بلا رحمة .
رشا صديقة الصبا ، قليلة الجمال والعلم ، بنت العائلة المتواضعة ، رشا التي كانت ترافقها ، لتحظى ببعض نظرات الإعجاب ، أو لتستمتع بكلمات الغزل من الشباب ، ولو أنها خرجت بمفردها ، لن يشعر بها احد مطلقا .
رشا تزوجت ! وأنجبت! وكبرت ابنتها ! وستتزوج !
وهى التي كان يتعاقب عليها الخُطاب ، كعقارب الساعة ، ولكنها ظلت ترفض الواحد تلو الآخر ، لأسباب غير منطقية ، رغم انه كان بينهم ، أشخاص مناسبون جدا ، لكن الأم الشريرة ، فضلت مصلحتها الخاصة ، على مصلحة ابنتها وسعادتها .
ـ وأنت بقا لما تتزوجي .. هعيش لوحدي ..يا خيبة املك فيكي
ولكن البنت لم تكن اقل مكرا من أمها ، رفضت عشرات الخطاب ، من أجل حبيب القلب ، الذي كان ما يزال ، في طور بناء نفسه ومستقبله ، وكان الوقت في صالحه حتى يستعد ويتقدم إليها .
وأخيرا قابلها مصطفى في إحدى الحدائق العامة ، وطلب منها أن تحدد موعدا مع أمها ، استعدت وفاء وجمعت كبار عائلتها ، لاستقبال العريس المنتظر ، حبيب عمرها مصطفى ، الذي باعت الجميع من أجله
وظلت تلح على أمها حتى أقنعتها ، بأنها لابد وأن توافق على مصطفى ، فهو مناسب جدا لها ، شاب في مقتبل العمر ، يمتلك وظيفة دائمة ، ومن عائلة كبيرة ، فوافقت الأم وهى كارهة ، وأعدت نفسها لاستقبال العريس ، منتظرة ما ستسفر عنه تلك الزيارة المنتظرة ، التي لم ولن توافق هواها مطلقا .
وجاء مصطفى محملا بخيبة أمل ، جاء بمفرده ، لا احد معه ، وما أن رأته الأم ، حتى انفرجت أسايرها ، وذهب غيظها ، لقد وجدتها فرصة ، للقضاء على تلك الزيجة ..
ـ يعنى جاى لوحدك .. أومال فين اهلك .. ولا أنت مقطوع من شجرة ؟!
شعر مصطفى بالخجل ، وطأطأ رأسه ، ابتلع ريقه ، وهو يتأمل تلك الحشود من كبار عائلة وفاء ، الذين اجتمعوا لاستقباله ، بينما جاء بمفرده ، لقد رفضت أمه تلك الزيجة ، لأنها غير هواها .
ـ بصراحة في سوء تفاهم ..بس المرة الجايه هيجوا معايا
نظرت إليه الأم في سخرية ، ونهرته في غضب ، والسعادة تسري في أوصالها ، وقالت وكأنها تطرده من بيتها ، حتى تقطع دابره ، وتجبره على الفرار إلى الأبد .
ـ روح يا بني اتكل على الله … معندناش بنات للجواز
كانت تلك الصدمة ، كفيلة بان تقضى على وفاء ، مصطفى الذي رفضت عشرات الخطاب من أجله ، لم يقدر مدى التضحيات التي صنعتها من أجله ، يأتي بمفرده هكذا ، بل وذهب بلا رجعة .
قابلته بعدها بوقت طويل ، وأخذ يبرر موقفه ، من إصرار أمه ، على زواجه من ابنة خالته .
مرت الأيام بعدها ، حتى سمعت وفاء انه قد تزوج من ابنة خالته ، ضاربا بحلمها عرض الحائط .
ظلت وفاء سنوات تعيش على أمل أن يعود ، بعدما انغلق باب الخُطاب ، وكأن مصطفى كان أخرهم ، لقد أدرك الجميع ، أن الرفض هو الرد المنتظر ، لأي احد يحاول الاقتراب من باب بيت وفاء .
سنوات وسنوات مرت حتى كبر سنها ، وبدأت عجلة الخطاب ، تعود من جديد ، ولكن وجوه المتقدمون قد تغيرت جذريا ، إما أرمل فقد زوجته ، ومعه حفنة من الأولاد ، ويريدها خادمة لأولاده ، إما رجل فاته قطار الزوج ، وقارب على الخمسين من عمره ، أو مسن يريدها خادمة، أو عقيم انفصل عن زوجته ، لعدم قدرته على الإنجاب ، أو زوج يريدها زوجة ثانية ، نكاية في زوجته الأولى، أو رجل يريدها كما يقولون فراغة عين …. ولكن الجميع قوبلوا بالرفض أيضا …
توقف شريط الذكريات ، على صوت صديقتها رشا ، وهى تقول بصوت عال
ـ وفاء … وفاء … روحتي فين ؟

انتبهت إليها ، وكأنها كانت في كابوس ، تقلب ذكرياتها الأليمة ، ولكنها رسمت ابتسامة ، وقالت
ـ ألف مبروك … هحضر الحنة والفرح كمان ..
تحركت صديقتها رشا نحو الباب ، ومن خلفها ابنتها ، وبمجرد أن أغلقت باب الشقة ، حتى هرولت إلى غرفتها ، والدموع تنفجر من عيونها ، اتجهت نحو صديقتها المرآة ، والدموع تخط خطوطا سوداء على وجنتيها وشفتيها ، فاختلط الأسود بالأحمر .
أخذت تدقق في المرآة ، ولأول مرة ، تلاحظ تلك الخصلات البيضاء ، المندسة وسط شعرها الأسود ، تلك التجاعيد التي بدأت تزحف على وجهها ، تلك الترهلات التي تظهر أسفل ذقنها .
سحبت زجاجة العطر من فوق التسريحة ، وألقت بها في المرآة ، وهى تصرخ فيها ، وكأنها تعاتبها
ـ كدابة .. كدابة …

Related posts