الشخصية والمجتمع ..
مقالتى ليوم الجمعة الموافق 23/8/2019
وسوف أتغيب عنكم حتى أكتوبر القادم إن أحيانا الله .. تحياتي واحترامي دائما ..
حازم خزام بالهيئة العامة للإستعلامات برئاسة الجمهورية
متابعة خميس اسماعيل
اصبحت مسألة العلاقة بين الشخصية والمجتمع، والتفاعل بين العوامل السيكولوجية والاجتماعية، الموضوع الرئيسي لأعمال اريك فروم (ولد عام 1900) الذي صاغ ما يدعى بـ(التحليل النفسي الانساني). لقد اعاد فروم النظر في كثير من مواقف التحليل النفسي الكلاسيكي (فرويد) ومبادئة واستنتاجاته، حيث وجه النقد الى النزعة البيولوجية الفرويدية، والنزعة الجنسية الكلية ورفض التفسير الليبيدي لـ (عقدة أوديب) ووقف موقفاً نقدياً من التصورات الفرويدية حول التناقض التناحري بين الانسان والحضارة، والهوة العميقة بين النزعة الطبيعية لدى الكائن البشري ونزعته الاجتماعية. ان فروم يرى في الانسان، )كائناً اجتماعياً (، يلاتبط دائماً بالعالم الطبيعي والمؤنسن.
وعموماً تم تشكل تصورات فروم بتأثير افكار الفرويدية، ومدارس فلسفية مختلفة، على حد سواء وتضم اعماله استشهادات بمفكري الماضي، ومن بينهم هيراقليط، افلاطون، ارسطو، توما الاكويني، هوبز، سبينوزا، هولباخ، باسكال، كانط، هيغل، نيتشة، هوسر، جون ديوي، جيمس، وفلاسفة بوذيين، وكذلك بالمنظرين المعاصرين للفلسفة البرجوازية الانثروبولوجية الطراز مثل هايدجر، سارتر، البير كامو وتيليخ وغيرهم. كما يؤكد فروم أن أفكار كارل ماركس قد تركت أثراً كبيراً على تصوراته وأفكاره.
وفي محاولته لاعادة تفسير أفكار التحليل النفسي الكلاسيكي ينتقد فروم فرويد، ويأخذ عليه، بادئ ذي بدئ، فصله علم النفس عن الفلسفة والأخلاق، بحيث يهمل مسألة معنى الوجود البشري، والقواعد الأخلاقية، التي يجب أن تغدو بداية منظمة لنشاط الانسان الحياتي. ولكن فروم لم يكن محقاً الا جزئياً في لومه لفرويد. فلا يصح القول بأن فرويد قد ابتعد عن المسالة الفلسفية، فقد كان طرح فرويد على تماس مباشر مع المسائل الفلسفية لمختلف جوانب حياة الانسان. غير أن فروم قد ادرك بصورة صحيحة، نزعة التحليل النفسي الخارجية، الموجهة الى الابتعاد عن أي مذهب فلسفي، والى نقل الأفكار التجريدية حول اللاشعور (اللاوعي) و(عالم الشخصية الداخلي عامةً) الى مجرى البحث الملموس لاليات فعل العمليات النفسية الداخلية. ورغم أن التحليل النفسي لفرويد كان قد ساعد على اثراء المعارف حول الانسان، فان مذهب فرويد لم يزد من معرفنا حول مسألة كيف يجب على الانسان أن يعيش، وماذا عليه أن يفعل. ومن هذه الناحية، فان نظرية يونغ في (السيكولوجيا التحليلية) لا ترضي فروم ايضاً، نظراً لأنها تخلو، مثل التحليل النفسي الفرويدي، من الأجوبة التفصيلية عن مسائل الوجود البشري.
وخلافاً للمذهبين كليهما، يحاول فروم بحث المسألة الأخلاقية-الفلسفية، المرتبطة بفهم جوانب معنى حياة الانسان وقيم وجوده، والمعايير الأخلاقية والصراعات الأخلاقية. وبدلاً من وضع خط فاصل بين الجانبين (الطبيعي) والروحي) لدى الانسان (كما كان الأمر لدى فرويد) يرى فروم أن من الضروري، على وجه التخصيص، التوجه الى تقاليد مفكري الماضي الانسانيين، ومن بينهم ارسطو وسبينوزا، الذين بحثوا الانسان من حيث هو كل واحد، واكتشفوا مصادر المعايير للسلوك الأخلاقي في طبيعة الانسان نفسه، حيث رأوا أن على المعايير الأخلاقية ان تقوم على اسس الخصال الداخلية للكائن البشري، وأن اختلالاتها تؤدي الى عدم تكامل الشخصية النفسي والانفعالي. ومن هنا فان هدف التحليل النفسي (الانساني) عند فروم هو المساعدة على (التطوير الذاتي) لطاقات الانسان الداخلية باتجاه الحيوية والانتاجية، مما يفترض استيعاب قيم الأخلاق الانسانية، ومعرفة المرء لطبيعته الداخلية، واتقانه وتفهمه لـ(فن الحياة). ويرى فروم أن من غير الممكن تحقيق هذا الهدف، الا بتركيز الاهتمام على مسائل جوهر الانسان ووجوده، وعلى بحث الجوانب الأخلاقية-الفلسفية والاقتصادية-الاجتماعية من حياة الشخصية. وهذا يعني أن (علم النفس لا يمكن أن ينفصل لا عن الفلسفة، ولا عن الأخلاق، ولا عن علم الاجتماع والاقتصاد)، كما يقول فروم.
ومنذ كتابه الأول (الهرب من الحرية) 1941 يتجه فروم الى مسألة وجود الانسان. وهو يبحث المواقف الحياتية النمطية، المتكونة في المجتمع البرجوازي، والعوامل الاقتصادية-الاجتماعية لتطور المدنية البرجوازية، طامحاً، بذلك، الى ابراز خصائص تكون طبع الشخصية في نظام اجتماعي معين. ويتمكن فروم من ملاحظة أن تطور المدنية البرجوازية يرافقه نشوء عدد من التناقضات: فبتوسيعه لمجال حريته، يقع الانسان في الوقت نفسه، تحت عبئها، وبابتعاده عن الدين وتقديس الالهة التقليدية، يكتشف الانسان فجأةً، أنه قد خلق، بنفسه، اقانيم جديدة، وبتجاوزه لبعض اشكال الاغتراب، المميزة لمجتمع العصور الوسطى، يصبح الانسان أكثر اغتراباً، سواءاً عن نتاج عمله، أو عن الناس الاخرين، أو عن نفسه، مما يولد لديه لامبالاة وعدم اكتراث بالحياة، وحنيناً الى أوهام الماضي للاندماج بالطبيعة، وفقداً لفرديته الشخصية وتفرده، من حيث هو كائن بشري.
وهكذا فان فروم ينظر الى حرية الانسان على انها عملية مركبة ذات جانبين، وأنها تتمتع بحرية سلبية (تحرر من) وحرية ايجابية (حرية لأجل). وهو يفترض أن تطور الانسان يسير في طريق ازدياد (التحرر من) يبدأ باضطهاده، ليتحول الى قوة غريبة تقف فوقه. ومن خلال ذلك لا يزول الاغتراب، بل العكس هو الصحيح: انه يغدو عاملاً من عوامل الوجود البشري أكثر حساسيةً، وتجلياً وشمولاً، ونتيجةً لذلك فالانسان المعاصر (يفقد ذاته)وبالطبع، لم يكن فروم سباقاً الى مثل هذا التفسير للحرية. ففي تأملاته حول جانبي الحرية في كتابه (هكذا تكلم زرادشت) يقول نيتشه بالحرف الواحد ما يلي: (حر من اي شيء؟). اما واقع أن فروم وضع هذه المسألة في مركز تأملاته حول الانسان، فهذا أمر اخر. ان نظرته الى الحرية على انها عملية ذات جانبين، قد سمحت له بأن يؤكد بصورة أوضح، تناقض وجود الانسان في المدنية البرجوازية. صحيح أن فروم جد جعل الهوة بين (التحرر من) و(الحرية لأجل) هوة مطلقة، ولم ير الروابط الدياليكتيكية بين جانبي حرية الشخصية، وبالتالي، لم يستطع أن يدرك أنه بدون (التحرر من) الوجود الاجتماعي، الذي يستعبد الانسان، يستحيل وجود (حرية لأجل) صيرورة الانسان انساناً حقيقياً. وليس من باب الصدفة أن مفهومه في الحرية قد أثر تأثيراً كبيراً على تشكل النظرة الى الكون والحياة لدى اولئك المفكرين البرجوازيين، الذين كانوا يعتبرون الشخصية غير قادرة على ان تستخدم، بصورة عقلانية، الحرية، التي اكتسبتها، من أجل تطوير عالمها الروحي وطاقاتها الداخلية، وكانوا يستخلصون من هذه الموضوعة جميع العوقب السلبية، المرتبطة بالاغتراب، وفقدان الشخصية واختلالات الانسان النفسية الداخلية. ومن الطريف في الأمر أن تصورات فروم حول الجوانب السلبية والايجابية للحريةقد دخلت الى اراء فيلهلم رايتش النظرية. فقد استخدم رايتش افكار فروم، وذلك في كتابه حول سيكولوجيا الفاشية، الذي عدله وأعاد طبعه في الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا يقول رايتش بعدم قدرة الناس على التحكم بحريتهم، وبالطبيعة النفسية-البيولوجية لخوف الانسان من الحرية التي حصل عليها، وبأن بنية الفرد مشروطة بالنزاع الحتمي القائم بين النزوع الى الحرية والخوف منها .. تحياتي واحترامي دائما
حازم خزام بالهيئة العامة للإستعلامات برئاسة الجمهورية
