مقاربة : الشاعرة والأديب السورية د. أحلام غانم
تمهيد


ددسن
كيف وصل اعتقاد بعض الكُتَّاب والفنانيين إلى أن اللاوعي هو الممر للحقيقة المطلقة؟
” لم يبقَ في وُسْعِ الفَنَّانِ ذِي الوعي في هذا العصرِ أن يَصْطَنِعَ لنفسِهِ بيتًا بين أحضانِ طبيعةٍ فقدَتْ في نظرهِ شفافيتِهَا ، وَلا أن يقنعَ في الحياةِ بإطارٍ زائفٍ من الأشكالِ المنسَّقَةِ أو المجازاتِ المستعارةِ ، ولذلكَ نرَاهُ يَعْمَدُ الآنَ إلى تَفجيرِ هذه الأشكالِ.”(*)
وعليه، نلاحظ أن ( العالم الواعي ) كما تذهب إليه ( السريالية ) أثبت فشله لمعرفة الحقيقة ، لتتجه إلى (اللاشعورية ) في صياغة بنائها الفني للتعبير عن الحقيقة، ولان فهم السريالية كما فسره “أندريه بريتون ” انطلق من التوجه نحو تخليص الفكر واللغة وكل الخبرات البشرية من الحدود العقلانية المقيدة.
فاكهة الصلصال
ـــــــــــــــــــــــ
من هذا المنطلق مثلما سعى السورياليون لتكون التلقائية هي أكثر صور النقاء للتعبير عن مكنونات النفس أو ذات الفنان ، جاء خطاب الشاعر ” مراد العمدوني” تلقائياً ، يمد يداً للسديم شأنه شأن طائر النوء يفرّ من حدائق الأسماء إلى صفصافة بلا مأوى لاختزال الفوضى ،وترسيخ مفهوم الرغبات الداخلية.
فقد عمد ” مراد العمدوني” في مجموعته الشعرية ” فاكهة الصلصال” الصادرة عن الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم إلى تجميع جماجم مجفّفة لرسم صورة شعرية يشكل الانزياح البؤرة الرئيسة في تكوينها ضمن أشكال لا رابط بينها إلا ما يقصده هو.
منذ الصفحة الأولى يبدو جلياً أن ” مراد العمدوني” يكتب الشعر وليس القصيدة، أي أنه يذهب بالكتابة إلى أقصى ممكناتها ليكسر نمطية القصيدة ويهدم معاييرها المُقَعّدَة ويبعثر بنياتها الجامدة، فيخرج بشعره من هيمنة النموذج ليملأ المرئي باللا مرئي الذي جعله مرئيا ورمزياً في الإهداء مثل قوله : إلى النسيان : فاكهة مُتعفّنة لهذا الصلصال .ص-5
انزياح لغوي
ــــــــــــــــــــــــــ
في افتتاحية الاهداء صورة شعرية تعبر عن ذلك الرمز ودلالته :إذ نجد أن الشاعر أبدع في تشكيل انزياح لغوي خلال التوازي بين الإنسان والنسيان وكذلك الأمر بين الفاكهة المتعفّنة والصلصال، وهذا التوازي أنتج علاقات لغوية جديدة.
عبث الأنساق
ــــــــــــــــــــــــــــــ
من هذه النقطة القلقة في محاولة للدمج بين الإحساس الداخلي والواقع الخارجي ،انطلق الشاعر بالتجميع اللامنطقي للأشكال ،جعل التكوين يفلت من سيطرة المعنى المحدد ورجفة الصلصال والرؤيا الجاهزة لتقريبها من الحلم أو ما هو فوق الواقع ، جمعها من خلال خيال محض متحرر من موضوعات الزمان والمكان ، إذ تسامى بالبنية الصورية فوق المألوف والمحسوس ،ومن خلال المدى اللامتناهي للخيال أوجد صلاته بين الشيء نفسه والعالم مُتكئاً على عبث الأنساق في تشكيل الصورة الشعرية.. حيث يقول : “فأخطو/ فوق خطوط العرض /متكئاً /على الأنساق / لأدخل آلات تفرّخنا / نسخا ملطّخة /باختبار الحضارات .” ص- 19
مَسْلَك الخلق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا غرو في كون تجربة الشاعر تستردّ صلصالها الشعري؛ من رحم الاحتراق في تنّور الحق، للصعود عمودياً صوب الدواخل الدفينة المتّقدة على مدى خطوط الطول والعرض ، بأسئلة العلاقة المنسوجة بين الذات الشاعرة والوجود في سِدرةِ المُنتهى.
في هذا الإطار نفسه ،يعترف أن خطوه كان مرتبكاً فيصفه قوله : ” وخطوي كان مرتبكاً /كظلال الله زمن البدء/ أو ارتداد هباءة عاشقين /عن مَسْلَكِ الخلق العقيم . “ص-20
السيمياء المُترمّدة
ـــــــــــــــــــــــ
بهذه السيمياء القديمة المُترمّدة والمُتهجِّدة في الملكوت الصوفيِّ، تمكن الشاعر أن يؤاخي بين عنصرين مهمين من عناصر الصورة الشعرية الرمزية ، وهما :الغموض والوضوح كعربون محبة للحقيقة المبحوث عنها من لدن الكائن، فملفوظ الحق هو استحضار لتاريخ الإشراق المتلبّس للذات المُكتويّة بنار المصائب المتوالية على جسد منذور للشكوك والالتباسات، ويؤكد هذا أن الخطاب الشعري خطاب مفتوح على الألم والمكابدة.
ويعزز هذا الكلام قوله :” لِنَستردَّ من الاشباه حرقتَنا /ومن الخيانات سرّ سلطتها/ على الليلك البريّ /وخنق التوابيت لشوك النار .. أو لنمدّد شعرَ الأرض في سدرة المنتهى :”ص-10
العصافير الحديديّة
ــــــــــــــــــــــــــ
هذه السيمياء وعبر الانزياحات اللغوية خلقت جواً أسطورياً ساعد الشاعر في الاستمرار بعرض فاكهته الشعرية : ” أطفالك خائفون إنانا ،/من سقوط الليل عليهم /جداراً يائسا/ تثقبه العصافير الحديديّة /والوعود الطّلسميّة../فلم تعد مساحة أصابعك اليسرى / تكفي لتُظلّلهم / وتخفي من وراء الريح من دمّ مُلوَّن /”ص-42-43
إن الاستعارة التاريخية/ والشخصيات الأسطورية واضحة في بناء الصورة الرمزية من خلال إيراد أسماء مثل ( إنانا) ( المتنبي ) ( البابلي ) ( سومر) ( التتار ) ( رعاة البقر).
الرمزية الأسطورية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد اعتمد على هذه الرمزية الأسطورية كي يعبر عن خيبته بأيدلوجيات وأفكار رمز لها بتلك التربة( تربة الوادي العقيم):” إنانا ،/هل كان علينا/ أن نهب الريح أشلاءنا كي نحمي الورد من ترب الوادي العقيم /.”ص 51
إن الأسطورة التي يتحدث عنها الشاعر هنا هي معنى ( شخصي مفعم برنين شعري متميز ) “(**)
ولتأكيد رمزه الشعري بالقول :” جثّتي مُعلَّقة /بلا قافية/ كأنّما بلغم مُقيَّح / في سِدرة المُنتهى.. /والرّيح تجتثّ من دمي لون رايته / ليصير فزَّاعة للرذاذ الجميل /” ص-61
الفاكهة الشعرية/الصلصالية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تبعا لذلك، يخترع ديوان “فاكهة الصلصال” قارئه الخاص: قارئ يجد نفسه أمام نصوص عصية على الفهم، ويواجه كتابة يصعب استيعابها بشكل مباشر، ويكتشف شعرية لا يمكن فك رموزها دون جهد فكري.
ربّما لأنه أراد أن يخاطب الآخر بلغة باطنية قائمة على الحدس والشعور الباطني ، وهنا القارئ يضطر لقراءة النصوص عدة مرات للقبض على معانيها المتسترة وراء حجاب، وتأويلها، وتفكيك تلابيبها، لأن شعر “العمدوني ” لا يراهن إطلاقا على قارئ مستمع، وعيه محكوم بالشعر كإنشاد وكخطاب شفاهي.
كقوله :” الماء الملوَّث / لم يترك لنا /حريَّة الهذيان /فاستنشقنا النّشوة / من الجمرات ./ ص- 33
البعد التكثيفي للغة لعمدوني يجعل هذه الفاكهة الشعرية أكثر تلميحا وأبلغ معنى وأقوى إشارة لأصداء العالمين الداخلي والخارجي، إنها نصوص شعرية لا تَصف، لا تَحكي، بل تُلَمّحُ لمعان خفية.
صلصال القول :
إن الأسلوبية التي اعتمدها الشاعر مليئة بالوجع والخسارة والأمل والانتظار في الوقت ذاته لذلك خلاصة صلصال القول :النص الشعري لدى الشاعر العمدوني هو “غابة من الرموز” بتعبير شارل بودلير. وهذا يتأكد لنا، إنه يراهن على قارئ منتج ومبدع، قارئ ذي ذاكرة شعرية وأدبية وفنية ومعرفية جد غنية وأكثر خصوبة. بمعنى أن “العمدوني” يكتب من أجل قارئ يدخل في حوار جدلي مع النصوص الشعرية ويقيم معها علائق دينامكية ويدفعنا للقول : هل السريالية ستساعد على إنشاء أسطورة جديدة تجعلنا نقيم روابط بين الطبيعة والطاقات الروحية للإنسان ، ونجرح القصيدة كما جرح الشاعر “مراد العمدوني” فاكهة الصلصال كي ينبثق النور و يعرّي ويفضح اللاوعي ويصوّر غرابته دون قناع أو تجميل، ويدع القارئ مهرولاً وراء هذا العالم الأسطوري الغريب في محاولة منه لإضفاء المعنى على عالم اللامعنى.
ـــــــــــــ
الهوامش:
(*) عَنْ : عصام محفوظ – السُّورياليَّةُ وَتفاعُلاتها العربيَّةُ – المؤسسة العربية للدِّراسات والنّشر – 1987 – ص : 49 .
(**) الأسطورة والرمز :مجموعة من المؤلفين / ترجمة جبرا إبراهيم جبرا / وزارة الإعلام العراقية / بغداد / 1973 /سلسلة الكتب المترجمة.
متابعة :-ابراهيم سالم المغربى
أخبار العالم
الشاعر التونسى “مراد العمدوني”يعري ويفضح اللاوعي عبر “فاكهة الصلصال”