بقلم الداعية الإسلامي / سيد مندور
وُلدت السيدة زينب رضى الله عنها بعد مولد سيدنا الحسين الحسين بسنتين أمَّا هي ففي السنة الخامسة أو السادسة للهجرة فعاصرت إشراق النبوة عِدَّةَ سنوات وسَمَّاهَا الرسول ﷺ «زينب» إحياءً لذكرى ابنته (السيدة زينب) ومعنى زينب : الفتاة القوية المكتنزة الودودة العاقلة .
واشتهرت السيدة زينب بجمال الخِلقة والخُلُقِ اشتهارها بالإقدام والبلاغة وبالكرم وحسن المَشُورَةِ والعلاقة بالله وكثيرًا ما كان يرجع إليها أبوها وإخوتها في الرأي ويأخذون بمشورتها لبُعْدِ نظرها وقوة إدراكها ولذلك لقبت المشيرة .
تزوجت بابن عمها عبد الله بن جعفر (الطيَّار) بن أبي طالب وكان عبد الله هذا فارسًا شهمًا نبيلًا كريمًا اشتهر بأنه (قطب السخاء) وهو أول طفل ولد أثناء الهجرة الأولى بأرض الحبشة وهو يكبُر السيدة زينب بخمس سنوات أي إنه عاصر إشراق النبوة عشر سنوات ومنه أنجبت ذكورًا وإناثًا ملئوا الدنيا نورًا وهم : جعفر، وعلي، وعون الكبير، ثم أم كلثوم، وأم عبد الله، وإليهم ينسب الأشراف الزَّيَانِبَة وبعض الأشراف الجعافرة .
ولمَّا خرج الإمام الحسين رضى الله عنه في جهاد الغاصب الفاسد (يزيد بن معاوية) شاركته السيدة زينب في رحلته وقاسمته الجهاد فكانت تثير حَمِيَّةَ الأبطال وتشجع الضعفاء وتخدم المقاتلين وقد كانت أبلغ وأخطب وأشعر سيدة من أهل البيت خاصة والنساء عامة في عصرها .
ولما قُتِلَ الإمام الحسين وساقوها أسيرة مع السبايا وقفت على ساحة المعركةوهى تقول : «يا محمداه! يا محمداه! هذا الحسين في العراء مزمَّل بالدماء مقطع الأعضاء يا محمداه ..! هذه بناتك سبايا وذريتك قتلى تسفي عليها الرياح فلم تبقَ عين إلا بكت .
كما كان لها مواقفها الجريئة الخالدة مع ابن زياد ومع يزيد وبها حمى الله فاطمة الصغرى بنت سيدنا الحسين من السبي وحَمَى الله عليًّا الأصغر زين العابدين من القتلِ فكانت به ذرية الإمام الحسين واستمرَّت في الثورة على الفساد ولقبت بلقب (بطلة كربلاء زينب) .
– رحلتها من المدينة إلى مصر ووفاتها :
وَلَمَّا أعادوها رضي الله عنها إلى المدينة المنورة بعد أن استبقَوا رأس الإمام الحسين بدمشق ليطوفوا به الآفاق إرهابًا للناس أحسُّوا بخطرها الكبير على عَرْشِهِم فاضطروها إلى الخروج فَأَبَتْ أن تخرج من المدينة إلا محمولة ولكن جمهرة أهل البيت أقنعتها بالخروج فاختارت مصر لما علمت من حب أهلها لأهل البيت .
فدخلتها في أوائل شعبان سنة 61 من الهجرة ومعها فاطمة وسكينة وعلي أبناء الحسين واستقبلها أهل مصر في (بُلْبَيْس) بُكَاةً معزِّين واحتملها والي مصر (مسلمة بن مخلد الأنصاري) إلى داره بالحمراء القُصوى عند بساتين الزهري (حي السيدة الآن) .
وكانت هذه المنطقة تسمى (قنطرة السباع) نسبة إلى القنطرة التي كانت على الخليج المصري وقتئذ فأقامت بهذه الدار أقل من عام عابدة زاهدة تعلم الناس وتفيض عليهم من أنوار النبوة وشرائف المعرفة والبركات والأمداد حيث توفيت في مساء الأحد (15 من رجب سنة 62هـ) ودفنت بمخدعها وحجرتها من دار (مَسْلَمَةَ) التي أصبحت قبتها في مسجدها المعروف الآن .
وقد توفيت رضى الله عنها وهي على عصمة زوجها (عبد الله) وأمَّا قصة طلاقها منه فكذب من (خصوم أهل البيت) .
كان المسجد الزينبي الذي هو بيت أمير مصر مَسْلَمَةَ بن مخلد قائمًا على الخليج المصري عند قنطرة على الخليج كانت تسمى (قنطرة السباع) لأنها كانت مُزَيَّنَةً من جوانبها بسباع منحوتة من الحجر
ولما رُدِمَ الجزء الذي عليه القنطرة من الخليج زالت القنطرة فاتَّسَعَ الشارع وظهر مسجد السيدة بجلالِه وتوالت التجديدات عليه وقد أنشئ هذا المسجد في العهد الأموي وزاره كبار المؤرِّخِين وأصحاب الرحلات .
ومشهدها ترياقٌ مجرَّبٌ ترفع فيه التوسلات إلى الله وتستجاب فيه الدعوات .
– من أشعار السيدة زينب بنت علي رضي الله عنها :
ومما ينسب إلى السيدة زينب بنت علي رضي الله عنها من الشعر قولها للعراقيين وهي محمولة وآل بيتها على الأقتاب إلى دمشق للقاء يزيد بعد مذبحة كربلاء واستشهاد الحسين وإهانة من بقي من أهله وأحبابه :
ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الأممِ
بعترتي وبأهلي بعد فرقتكم * منهم أسارى، ومنهم خُضِّبُوا بدمِ
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي
ومما ينسب إليها بعد أن وصلت إلى مصر، قولها:
إذا ضاقت بك الأحوال يومًا * فثق بالواحد الأحد العليِّ
ولا تجزع إذا ما ناب خطب * فكم للهِ من لطفٍ خفيِّ
رضي الله عنها وعنَّا بها وبأهل البيت.
وينسب إليها أيضا هذه الكلمات :
وَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيٍّ * يَدِقُّ خَفاهُ عَن فَهمِ الذَكيِّ
وَكَم يُسرٍ أَتى مِن بَعدِ عُسرٍ * فَفَرَّجَ كَربَهُ القَلبُ الشَجيِّ
وَكَم أَمرٍ تُساءُ بِهِ صَباحاً * وَتَأتيكَ المَسَرَّةُ بِالعَشيِّ
إِذا ضاقَت بِكَ الأَحوالُ يَوماً * فَثِق بِالواحِدِ الفَردِ العَلِيِّ
تَوَسَّل بِالنَبِي في كُلِ خَطبٍ * يَهونُ إِذا تُوُسِّلَ بِالنَبيِّ
وَلا تَجزَع إِذا ما نابَ خَطبٌ * فَكَم لِلّهِ مِن لُطفٍ خَفيِّ
فرضى الله عنها وأرضاها .