متابعة :-ابراهيم سالم المغربى
“الأعز أنطونيو أكتب إليكم هذا التقرير ،وأذكر أني قرأت في صحف شتى عن جهاد النكاح . وها إنَّني أراه يتجسّد في شخصية إسلام التي أتت إلى الرّقة لتكون انتحارية فإذا بها تشغل وظيفة أخرى .إسلام الأن حبلى في شهرها الثالث سيد أنطونيو . ستقرؤون اعترافاتها وستلاحظون أنها فتاة من سبايا داعش ،وظيفتها الامتاع والمتعة ، كانت تتحدث إلي ولسان حالها يخشى أن يقول لي :”أنا ضحية ،أنا أسيرة ،أنا مسلوبة ،،وأنا لا شيء في عتمة هذا الكون …قالت لي بأنّها تتعرّض لما يشبه الاغتصاب ،كلما باشرها أحد الأمراء ، تحدثت عن الالتهام ،وكأنها أكلة لرجال شبقين وجائعين .” ص-52 شمس الحقيقة تقوم رواية ” تحت سماء تحترق”، على لغة شعريّة حافلة بالاستعارات والكنايات والصور المجازيّة، واللغة الإيحائيّة الدالّة، مؤثثةً في الكثير من المواقع، في السرد وفي الوصف بثقافة متنوعة من عوالم مختلفة، قادرة على التشظي وعلى استكناه داخل التقارير وسبر غور الشخصيات بالشرق بكل ما تحمله من قهر وظلم واغتصاب وخوف من خلال استرجاع قصائد السياب وأقوال حبيبها محمد إذ تعيد قوله وتؤكد عليه : “المرأة والفقير والطفل هم الكائنات الأكثر عرضة للقهر غي مجتمعاتنا الشرقية 39 في لغة قادرة على تحديد معالم المكان والزمان والشخصيات، بطرق غير مباشرة، تستفزّ القارئ وتحثّه على العمل على فكّ رموزها واكتشاف أسرارها، ولنا على ذلك أمثلة عدة منذ الصفحة الأولى من الرواية، فقد افتتحت “سيمون”، الراويةُ الرئيسية، الروايةَ بالنص التالي تصوّر فيه الخوف: “أشعر بالخوف ..وأحس بأن عيونا كثيرة تراقبني حيثما حللت ..سأنجو بنفسي ..سأرحل ..ولن أكون الضحية الأولى والأخيرة التي سيغطي دمها المراق شمس الحقيقة ..” ص- 5 وتدافع الأحداث يحرك عجلة التساؤلات لدى المتلقي: ما هو الذي يبرر حضورها في هذه الأماكن الساخنة من العالم ..إذا لم تكن من صنع المخابرات البريطانية، وكيف لفتاة مثلها تملك كل هذا الجمال أن تفلت من اغتصاب هؤلاء الوحوش البشرية ؟ ولنا بالإجابة على ذلك أمثلة عدة من الرواية منها:” ضعي في الحسبان أمراً هاماً هو أنّهم مدعومون من قبل دول ومخابرات تسعى إلى تحقيق هدف واحد ، هو تدمير الأوطان الضعيفة لأجل إعادة بنائها ، هذا هو منطق الدول القويّة ،إنها تحتاج دائما إلى الفوضى وتدمير الكيانات الهشة ،والدول والشعوب مما سيمكّنها من السّيطرة عليها ، والتحكم في ثرواتها ،وبيع الأسلحة وجني الأرباح ،الشعار هو دائما حلم ورديّ تستهلكه الشعوب الغبيّة ، حلم الحريّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان “-ص 28 تتحول المشاعر من فردية (مشاعر الصحفية) الباحثة عن الحقيقة لجريدة الحقيقة ،لتنفلش وتتمدّد فتطال كل ما في الشرق والغرب لتصل، من بعدُ، إلى المتلقي ولنتمكن من القول: أن الألم النفسيّ قادر على اختراق التوازن البشريّ المطلوب كما يخترق المحور هذه الأرض التي أصبحت كنار جهنم تدور حول نفسها. استطاعت الرّواية بمرونتها وانفتاحها أن تمتص معظم الفنون الأخرى وتهضم عوالمها، فانفتح السرد على المسرح من خلال الصراع وعلى السينما من خلال الفلاش باك مثلما انفتح على الرسم وعلى النحت والموسيقى كما نرى ذلك في استرجاع الذاكرة :” متذكرة قول صديقي محمد :”احتمي بالشعر والموسيقى ساعة الشدة والضيق “. وقد برزت بشكل واضح من خلال الذكريات والمونولوج والفلاش باك والأحلام والرؤى، هذه التقنيّات تتيح للغة أن تغوص أكثر في أعماق النفس، وبالتالي يتكسر الزمن وتتشتت الأحداث وتتوزع على مساحة زمنية أوسع، وتنتقل “الكاميرا” ما بين أزمنة وأمكنة متعددة يتقاطع الحاضر بالماضي البعيد والأبعد، وتتبدّل مواصفات الشخصية ولغتها مع محمد الراوي (سيمون) التي تتوزع بين مريم(سيمون) فاطمة ، عائشة ، زينب ، بريجيت .. . ولنا من ذلك : ” طيب حدثيني يا فاطمة ، ما الذي يشغل بالك تحديداً ؟هل تحلمين ؟أجل ..ماذا حلمت البارحة ؟- أحسب أنك تودين معرفة أسرار هذا الحلم الكابوس ..الأرض التي تفصل بينها وبين عائلتها التي تومئ ليست سوى حواجز الواقع ، حاجز الحرب والرعب والخوف ، الحرب التي شتت العائلات فأضحت مشردة ونازحة”..ص-157 على ذِمَّةِ الحرية والحلم .
” سماء تحترق “رواية تعكس عمق ثقافة الراوي/الحكيم /الشاعر وتَمكُّنه من تجنيد لغة استعارية شاعرية، تفوقت على اللغة المخابراتية ،إذ حاولت تفكيك المنظومة العقائدية لتنظيم داعش واستطلاع ممارساته على أرض الواقع من زاوية أخرى بعيدا عن الأسلوب الذي تم اتباعه حتى الآن في الرواية العربية ، تحمل من مواصفات الواقع بقدر ما تحمل من الخيال الذي يصل أحيانا حد العجائبية، تأخذنا الأحداث باتجاه الحيز الزمكاني الذي يخدم الحدث بشكل مباشر، والذي تنمو الشخصيات في ظله. وبالتالي باتت الشبكة العنكبوتية ذات دلالة أوسع وأعمق من مجرد خيوط افتراضية. بدت رواية “تحت سماء تحترق “، بناسها وأحداثها، ذات دلالات ورموز متشظية تتسع للسماء الثامنة الافتراضية الأوسع والأشمل. على ذمة الحقيقة : ” تحت سماء تحترق ” يبدو قاع الوجود هو الفضاء الساخن الذي تتشكل عنده حيوات ضالة وصراعية ،يأخذها الجوع والخوف والاحلام الى عوالم تنتهك فيها الروح وتفقد سكونها وطمأنينتها المسلوبة ، حيث العالم الخارجي الصراعي يمور بمافيات الحرب وإلغاء الآخر والبطالة وحيث قاع المكان يعيش قلقه الساخن وحلمه بأنهار العسل وعواءه الجنسي والانساني عبر ارواح تل الشخوص المفجوعة ومنها روح /مريم /سيمون / وهي تراقص أنوثتها المضطربة كمفارقة في مواجهة كل تداعيات الزمن الخارجي ، زمن الخطيئة والجوع والخيانة والموت. وكأن تنظيم “داعش ” اراد ان يجعل أبطاله حالمين فقط بالحوريات أما ضحاياه هم نتاج أزمة وجودية وسياسية واخلاقية لم تترك لهم الاّ فضلات العنكبوت والاخطاء والاخفاق والخواء ،،ولاشك ان توصيفه للمنظومة داعش السرية وتصوير حياة الناس في ظل دولة الخلافة الإسلامية الافتراضية هو دلالة على ان صناعة الخلافة السياسية في المعيش والرفاهية يبدأ من تكفير (الفكر ) اذ يصنع الداعشيون عوالمهم الباذخة واصحاب المصالح مناطق تعويضية حافلة بالإغواء دائما ،،بينما ابطاله/ شخوصه لايملكون سوى وعيهم المضطرب والمخدوع والموهوم بأحلام الآخرين . دهشة الخاتمة وكما انطلق سرد هذه الرواية – بخبر وفاتها – من استرداد الذات كغنيمة بحد ذاتها , ومن لحظات الموت.. يبدآن معا في محاولة استرداد, أو استعادة الماضي, كمحاولة لطرد شبح الموت، و ينهض السرد بولادة أخرى كطائر العنقاء في العودة (الإياب) من الماضي الأسود, كي يستمر ربيع الحياة رغم الدمار والهزائم وانكسارات الروح والجراحات والفقد وذيلت الصفحة الأخيرة بعبارة :”أنهيت تخليدا لذكرى حبيبة ليست غربية ولا شرقية ، سيمون الحقيقة والإنسان “. تستفيق الراوي/ة من هذا العالم الحلمي إلى الحاضر الحقيقي.. جاءت دهشة الخاتمة بوصف ، ومدار من الغرابة والعجب . كنت ؟ وهل كنت فعلا ؟ _ قلت سيمون ، وهي تتاملني مبتسمة :” ها قد عدت إليك بميلاد جديد ..لنبدأ معك فصولا أخرى “. ثم قالت مبتسمة : ” لماذا قتلتني يا محمد .. لماذا .؟” –ص 247 ــــــــــــــ الهوامش : (*) – الزمن في الأدب، هانز مير هوف، ت: أسعد رزوق، مراجعة الوكيل العوضي، مطابع سجل،القاهرة،1997 (**)-حرب ، ىسعاد ،الأنا والآخروالجماعة ، دراسة في فلسفة سارتر ، دار المنتخب للدراسات والنشر والتوزيع ، ب ،ت ،ص5