متابعة :-,ابراهيم سالم المغربى

على ذِمَّةِ الحريّة والحلم الأديب التونسي محمد بو حوش “تحت سماءٍ تحترق”.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مقاربة :د. الأديبة العربية السورية أحلام غانم على سبيل الحلم هل الأحلام كما وصفها بعض الكتاب :هي أطفال الليل القاطنون في العالم السفلي ؟ يوصِّف (بريتون ) الحركة اللاواعية التي تظهر نتائجها في الحلم كما في النصوص الإبداعية بقوله :”أن وراء الواقع تقع الحقائق كاملة ، ففي اللاوعي يقبع كل مجاز وشهوة وشعر وحلم ..،حيث أن للاشعور اللغة المميزة ،وهي في الأعماق لا تنطق إلا بالرموز المغلقة . ربّما لأنَّ الحلم عابر للزمن لا يقف عند حد ،وكل أثر أدبي هو كالحلم يعبر عن الواقع ،الواقع المكبوت بأشكال وهمية وأخرى مموهة ، فكأنَّما الإبداع الفني والأدبي ، كما الأحلام يكون ظاهرهما تعبيراً رمزياً للاشعور . فعمليات الخلق الفني يقودها اللاوعي وقد أبعد “باشلار” لحظة خلق الصورة عند الفنان والأديب عن كل عملية واعية وربطها بقوى لا شعورية . يشتركان الحلم والكتابة الإبداعية أن المولد لهما هي الحركة اللاواعية التي تظهر نتائجها وهذا يؤكد أن عالم الحلم يمثل عالم الرغبات الظاهرة منها والمكبوتة،إنه –بحسب ( بيير داكو ) “صميمتنا المطلقة وعرينا الكلي ، يجرنا في شعابه ونبقى ساكتين “. هل كان لأصحاب الأعمال الإبداعية العظيمة أن يبدعوا ما يبدعوه لولا الحلم ؟ إن الإبداع يشبه الطوفان، فهو لا يتقيد بالحدود التي يرسمها الإنسان ،فإذا غضبت الطبيعة اكتسحت ذلك وخرجت على كل المعايير هكذا وصفه بعض الكتاب . تحت سماء تحترق ومن هنا يمكن أن يقال : إن شعرنة الحلم /الزمن وتقنيات الاسترجاع والاستباق في رواية الأديب التونسي محمد بو حوش (تحت سماء تحترق ) الصادرة عن دار الاتحاد للنشر والتوزيع – تونس- تشبه الطوفان ،وتبدأ بتشظي الزمن «النهار في فصله الأخير.. حدثٌ سيغير مجرى حياتي رأسا على عقب.. توقّف الزّمن لبضع دقائق ..حدث كُلّ هذا وكأنَّني في غفلةٍ من الوجود ..كيف حدث ذلك؟»(ص-5-6-7) ينهض استهلال الرواية , ليكشف عن أبعاد هذا العالم الحلمي موحياً – الراوي – بالتعبير عن عالم الايديولوجيا المثالي (الحلمي) في لحظة من تاريخ سورية والعراق .. ووثق اللحظة التي حاول فيها تنظيم داعش الإرهابي الاستيلاء على كل آثار وحضارة مدينة الرقة السورية , والموصل العراقية عبر الإرهاب الأسود وتكفير كل من يخالفهم بالفكر واستلاب كل الخيرات .. يعتمد الاستهلال هنا على أمرين أساسيين : الحاضر والماضي .. وتعدد الأصوات في هذا الماضي . وهكذا منذ هذه اللحظة الحاضرة, يبدأ الراوي بالغوص بعيدا, عبر آلية الاسترجاع في الحكي عن هذه الأصوات, مبتدئا بخبر وفاة الصديقة “سيمون ” .. حيث يحاول الروائي خلخلة المسار الزمني للنص، باقتراح نقطة بداية زمنية لامركزية تنطلق من اشعاع زمني فوضوي، بتضمين المقولات والوثائق والمعلومات ذات الصلة بالإرهاب الفكري بشكل عام والتكفيري الداعشي بشكل خاص، للدلالة على أن ما يحدث هو ممكن أن يحدث في أي زمان ومكان في العالم . هل كان هذا الذي نطقت به الشخصية الأساسية /الرواية ،حلماً أم كان وهماً ،أم أنه صور إبداعية ؟ “أهذه حقا سيمون ؟ ومن أين لها كل هذه الأفكار وهذه الفطنة ، وهذا العلم بجمالية المكان ،أيكون كل ذلك محض خيال ، أم وراء الأكمة ما وراءها ” –ص-16 مسار السرد لا شك ان الزمن من العناصر الاساسية المكونة للنص الروائي، فهو كما يرى(فورستر) الخيط أو السلك الذي تنتظم به البنية التعبيرية الروائية، وأن الروائي يصعب عليه كتابة نصه من دون زمن، لأن التتابع الزمني يتدخل في تنظيم أصغر وحدات الجملة(*)
الحقيقة المطلقة وقبل أن نستمكن خيطاً زمنياً من مسار السرد، يُسقطنا الروائي في سلسلة من الانثيالات التي تشبه الانفجار الكوني، لذا فإن رسالته مرتبطة بفلسفة الذات والوجود مستخدما من الحرية وسيطاً موضوعياً ،وأن حدود التحديد هو المكان ،وتحل المخيلة محل الأمكنة ولا تخضع لحدود ،إذ يرى أن الإنسان هو الحقيقة المطلقة للجمع بين الماهية والوجود ،وإنما الكيانات وجدت من أجل الإنسان الذي يكمل الفجوات من خلال استثمار الظواهر الخارجية أو الحياة المادية لأن ( الإنسان حر بمقدار ما يعيش خارج الآخرين ، لأنه يتوصل إلى الأشياء من خلال حريته ) (**) لذا يرتبط مفهوم الحرية لديه من خلال الآخر ، وعلى وفق هذا المفهوم أسس محور روايته بما يرتبط بفلسفة الوجود المدرك للوجود ، حيث أن كل إدراك من إدراكاتنا مصحوب بالشعور . فضاء السرد تدور أحداث الرواية بين توزر وتونس ولندن وتركيا والرقة والموصل وإسبانيا ومصر ،إذ لا تعتمد رسائل سيمون الالكترونية فقط على استعراض الحرب والفظاعات ، والعشق ، والتعلق بالحياة ،ولم تعتمد على حدث يبدأ من نقطة معينة لينتهي في نقطة أخرى. بل هي عبارة عن تسجيل مشاهد متراكمة ،لحقيقة فكر داعش الإرهابي كاشفة عن مرجعياته وممارساته اللاإنسانية ،و تشبه في اجتماعها عملية التصوير في فيلم وثائقي، لذلك فإن عمدة هذه الرواية هي اللغة الشعرية القادرة على التصوير و التعبير عن الألم المتأصل في النفس البشرية ،وظفها الراوي /الشاعر بدقة من أجل تصوير ما وراء “الحدث” ونقلها للقارئ بكل جرأة، وإبراز الصراع بين الأنا والآخر، وبين الأنا والأنا نفسها حين يكون الصراع داخلياً، وهذا ما تعكسه عدسة سيمون “تحت سماء تحترق”؛ صراع نكون أو لا نكون. دلالة العنوان فالاهتمام بالعنوان هو جزء هام من الرواية ومن لغتها لأنه، أصلا، مكوّن لغوي، لم يعد ممكنا إغفال دوره خاصة بعد الدراسات المتعددة للمصطلح (النص الموازي). حاول الراوي إذابة الجزئي بالكلي في تصويره مشهد السماء تحترق، موضحا تأثير الزمن على الإنسان يومياً،ويظهر العنوان أن الامتداد الزمني الداخلي أو الشعور الزماني ، هو الذي ربما يمثل الحقيقة الكلية ، التي تستمد طاقاتها التأويلية في ضوء هذا الامتداد العنكبوتي ،وقد يقودنا العنوان “تحت سماء تحترق” إلى أكثر من دلالة وإلى أكثر من تفسير و إذا اعتمدنا سد الفجوات، فالسماء هي سماء الوجود والعالم أجمع يستظل بها وعندما تحترق الكون سيصبح برمته رماداً .. إن كل الرسائل التي أوردتها سيمون في تفسير “داعش” لها صدى واضح في فضح الأحداث، سواء كان ذلك في الهدم، أو السير على سبيل المعرفة ، أو في عدم وضوح الرؤية والرؤيا، فهي كلّها تقود إلى المتاهة و غموض المصير وغموض المستقبل، كما هو الأمر مع غموض ما حدث في الماضي، وبالتالي فإن العنوان قابل للتشظي والانفتاح على أكثر من دلالة، قد تقود نحو ما هو أكثر من مجرد تقرير صحفي أو مصير صحفية بريطانية تشكل شمس الحقيقة ومن رسائلها كتبتْ: