الجرائم الأمريكية ثماني وعشرون عامًا على قصف ملجأ العامرية العراقى..

★لواء أح سامى شلتوت.
شهود الفاجعة يروون تفاصيل جريمة أمريكية على الأراضي العراقية
عشية الثاني من فبراير 1991، كانت الأجواء الباردة داخل العاصمة العراقية بغداد؛ في منطقة العامرية على وجه الخصوص؛ حيث أوصد عباس عواد أبواب الملجأ الذي كُلف بحراسته منذ أن بدأ يستقبل العراقيين الفارين من قذائف دول الحصار إبّان حرب الخليج، تلك التي إختفت من سماء العراق ليلتها، فظن أنها ستمر بسلام، فأمن فنام، لكنه سرعان ما أستيقظ على دوي إنفجار، لم يعلم أبعاده، سوى بإبصاره سقف الملجأ وقد سقط أرضًا بجانبه، فيما عجز ت قدماه عن النهوض، لما أٌطبق عليها من حُطام.
28عامًا مرت على قصف طائرتين أمريكيتين لملجأ العامرية العراقي بصاروخين من طراز “إف 117″، لكن تفاصيل هذا الحادث لم تنفك تهاجم ذهن “عواد” فردى وجيوشًا، فيصطحب ابنته “دالين” كل عام، إلى ذاك الملجأ الذي حوله الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين إلى متحفٍ؛ تحمل جدرانه آثار نحو (409) جثة تفحّمت من النساء والأطفال “بحكي لبنتي كتير عن جريمة الأمريكان فينا، وكيف خرجت من تحت الأنقاض”.
بينما كان يحاول “عواد” الخروج من تحت الأنقاض، ليرى ماذا حل بالملجأ الذي تنبعث منه صراخ وبكاء من كل جانب، كان حسين بهلول يهرول رفقة زملائه المُجندين إلى الملجأ، ليحاولوا إنقاذ من يمكن إنقاذهم من لهيب النيران التي اشتعلت بالداخل “كنا 20 شخص فقط أمام المبنى نسمع عويل النساء ونرى الدخان الأسود يخرج”، حاولوا كسر باب الملجأ، لم يتمكنوا من ذلك “سُمك الباب كان 50 سم ويعمل بالكهرباء عند فتحه أو غلقه”.
على مدار ساعتين، كان بهلول ورفاقه يحاولون اختراق الباب المُعد جيدًا ضد الرصاص، بينما تعلو وتزداد صرخات السيدات وبكاء أطفالهن، فسارعوا بجلب معدات حديدية، ليشرعوا في عمل فتحات داخل الباب، نجحت المحاولة، هبوا إلى الداخل، فكانت الفجعة “وجدنا خزانات الأكسجين والماء انفجرا، فساعد الأكسجين على اشتعال النيران، فسخنت المياه وتحولت إلى جهنهم”.
“رأيت سيدة ألقت بنفسها في المياه وهي تغلي لتطفئ النار التي اشتعلت في ثوبها.. فتفحمت تمامًا”.. لم يمهل حسين عقله التفكير في هول ما يحدث، تلقف بعض الأطفال من أمهاتهم، حملهم إلى الخارج، فيما كان زملاؤه يحاولون إنقاذ من بقوا أحياءً تحت الحطام، من بينهم “عباس” الذي وجد يدًا تُمد إليه، تشبث بها “طلعوني بساحة الملجأ”، الذي تغيرت ملامحه التي كشفت عنها شمس خجولة لصباح مُكدس بالغيوم.
وسط الساحة التي إلتف حولها أهالي الضحايا، جلس عباس مكفهر الوجه، عاجزًا عن النطق، يشاهد أبشع حادث تعرض له، يتذكر كيف جاء إلى العامرية من مسقط رأسه بتكريت، للعمل كحارس أمن في الملجأ المكون من طابقين شاهقين تبلغ مساحته (550متر)، وذلك منتصف الثمانينات، حتى يلوذ به المدنيون، فرارًا من أذى الغارات الإيرانية والإسرائيلية على بغداد “على إعتبار أن المواثيق الدولية تحرم قصف ملاجئ المدنيين وقت الحرب”.
لكن بهلول المُجند الأسبق، كان أدرك كما تلقى في الجيش العراقي، أن الأمريكيين لا يحترمون مواثيق دولية، ولا يعيرون إهتمامًا بأرواح المدنيين، فلم يتوقف أمام هذه المعضلة وقتها، لانهماكه في إنقاذ الصغار والنساء “كان همي كله يطلع بالساحة عن الملجأ الذي تحول لمقبرة جماعية”، فيجد بعض الأسر تسأله عن مواصفات ابنة لهم علّه وجدها على قيد الحياة أو طفل يرتدى ملابس زاهية ربما أخرجه مسبقًا “مافي حدا كان بده يصدق أن أولاده ماتوا بهي طريقة!”.
لسبب نفسه، جُرّ وليد خالد وعمره لم يتعد 8 أعوام جرًا من قِبل والدته، التي رفضت استيعاب أن شقيقتيها وأطفالهم ماتوا حرقًا داخل الملجأ، فهرولت إلى الساحة، تلطم خديه بينما تُفتش بين الناجين على أختيها “المسعفون قالوا لها إنهم استشهدوا”، كأنها لم تسمع، إستمرت في البحث “ما فهمت شو كانت بتبحث، ولا ليش”، غير أنه انشغل بملامح هؤلاء المحفورة في ذهنه إلى اليوم “ما بقدر أنسى شكل السيدات المحترقة ولا الأطفال.. كتير كتير صعب أوصف”.
عقب أن إنتهى الحادث، توعد الرئيس الأسبق أمريكا كعادته، وقدم التعازي في شهداء الملجأ، فإن شرح صدر والدة وليد “قالت: صدام راح يجيب حق أخواتي وجهالهم (أطفالهم)”، زاد من قناعتها قرار صدام بأن تكبر المساجد وتقرع أجراس الكنائس معًا في ذكرى اليوم المشؤوم كل عام، تذكيرًا لما إرتكبه الأمريكيون من حماقة على الأراضي العراقية.
لكن الأمريكيين لا يعترفون بحماقاتهم، إذ أنكروا علمهم بأن ثمة مدنيين بلغ عددهم (1500) كانوا يحتمون داخل ملجأ العامرية، فتلاشت فرحة والدة وليد، “العالم أقتنع بما قاله الأمريكان وهو كذب!”، غير أنها لم يخالجها شكًا أن أختيها قُتلتُا على أيدي الأمريكيين، ولم تتوقف عن زيارة الملجأ حتى اليوم.
مثلما آمنت والدة خالد بصدام، آمن به كل من أنيس وبهلول، إلى أن إبتلع كبرياؤه، ورضخ لرغبة أمريكا، بهزيمته في حرب الخليج، وإعادة الكويت إلى أهلها، فيما لم تعد الأرواح العراقية التي أٌزهقت إلى أهلها، وكذا لم يعد كل من رأي الحادث إلى ما كان عليه، فبهلول يبكي كلما يحكي لبناته عن ذاك اليوم، وعباس ينقبض صدره كلما نُمي إلى سمعه دوي إنفجارات التي ما أكثرها داخل بلاده حتى الأمس القريب.

Related posts