كتب الدكتور هاني أبو العلا
“أستاذ نظم المعلومات الجغرافية بجامعة الفيوم”
لا شك إن الزيادات السكانية المتسارعة، التي حلت بمصرنا في فترات متتالية قد أتبعها تغيرات جغرافية و أصبحت المدن مُصدراً رئيساً للمشكلات بعد إن كانت الشوارع نظيفة و منظمة وأسطح العمارات و الأبنية ملئا بالورود و الرياحين، فأصبحت تعج بالأثاث البالي و مخلفات الحياة الحضرية، و ضاقت المدن بساكنيها، اللذين أصبحوا ينتهكون حرمة كل شبرٍ فيها، سواءاً أكان فوق أرضها أو تحت السطح. و أصبحنا نعاني من الزحام في كل الشوارع و المرافق، هذا الزحام، الذي صاحبه طفرة في شتى نواحِ و مختلف جنبات الشخصية المصرية.
و لا عجب أن يجد علماء و دارسو علم الاجتماع و علم النفس والسياسة قفزات لخصائص تلك الشخصية في اتجاهات عدة، تلك التي كانت راسخة بثبات جغرافيتنا.
فالمصري الأصيل ( السلالة الذهبية) كان عملاقاً بطبعه وخصائصه الشخصية، فكان منظماً، منمقاً، نظيفاً، يعرف أصول الذوق العام. لم تكن هناك حاجة لإعطائه دروساً في الأدب أو أصول الإيتيكيت، فقد تجرعها في مراحل رضاعته الأولى، سواءاً من الفلاحة المصرية أو من الحضرية بنت البلد.
و للقارئ أن يجوب في جولة بين أفلام و مسلسلات الزمن الجميل و بدايات القرن العشرين ليطالع مثل هذه الدروس المجانية من الذوق و أصول الإيتيكيت.
و مع هذا الضجيج المتصارع تدهور الوضع بشكل ملحوظ (زاد الطين بله) بظهور وسائل لنقل تلك الأعداد المتوالدة من السكان يوماً بعد يوم ونقل أفكارهم وثقافاتهم أيضاً.
و بظهور التوكتوك في المنطقة العربية مع دخول الألفية الثانية، بعد أن ظهر في الهند في أوائل الستينيات كتطور لمركبة الريكاشة اليابانية القديمة التي كان يجرها سائقها والتي كانت تجري علي عجلتين.
فبعد الريكاشه التي يجرها الانسان، التي تطورت لأخرى بترس وبدالين كالدراجة، ثم لمركبة بمحرك حتى وصلت لهذا الشكل، الذي تم تعريفه بصفته المزعجة ( توك توك) بالصوت الصادر من الماكينة عند تسارعها، بنفس طريقة تسمية تكتيك (نسبة إلى صوت المدفع).
ومع تسارع أعداد السكان يوماً بعد يوم، تسارعت أعداد التوك توك هي الأخرى. وفي غيبة من الإدارات المحلية انتشرت عدوى التوك توك في كل مكان دون الخضوع لأي نوع من الضبط أو الحوكمة.
فتلك المركبة، التي يقودها الأطفال و مجهولوا الهوية، وبعض الحرفين اللذين تركوا مهنتهم ليمتهنوا تلك الحرفة الجديدة الأكثر ربحية، و أصبح التوك توك يحتل نواصي الطرق والشوارع والميادين وكل منفذ وثغرة من مسام الرقعة المعمورة في بلادنا.
أصبحت الضوضاء أيضا مجانية و إلزامية، فبعدما كان يضيق صدر البعض من تلك الأصوات الضجيجية للمزمار و الطبل في ليال الخميس من كل أسبوع تزامناً مع ليال العرس، أصبح هذا التوك توك الملعون يطرق ويهبد هنا وهناك في كل وقت، دون تمييز، بل إنك ترى شقلبازات تلك المركبات المصحوبة برعونة سائقيها غير عابئين بما يفسدون أو يقترفون من حوادث بعيداً عن المحاسبة.
والتساؤل مطروح؛ هل ارتقى التوك توك من وسيلة نقل الركاب لوسيلة نقل ثقافات، لنرى أخلاقيات البعض شبيهة بعشوائية التوك توك؟ لنرى من يتكلم في ما يعرف وما لا يعرف بضجيج شديد التكتكة!
هل تغيرت ملامح الشخصية المصرية لتتوافق مع هذا الكائن الغريب، المنتشر انتشار السرطانات، أم إنه هو من وجد البيئة الخصبة للانتشار فأصبح كذلك!
متابعة د.هادي حسان