البيئة التعليمية بين طموح التطوير وواقع الميدان: قراءة في استطلاع رأي أولياء أمور مدرسة الشهيد أحمد القداح

بقلم / مصطفى فرج

​لا يمكن لأي نظام تعليمي أن يحقق أهدافه المنشودة بمعزل عن البيئة الحاضنة للطالب والمعلم على حد سواء. فالاستثمار الحقيقي في التعليم لا يقتصر على المناهج وخطط التطوير النظرية، بل يبدأ من تفاصيل اليوم المدرسي ومقومات السلامة والجاهزية داخل الفصول. وفي هذا السياق، جاء استطلاع رأي واسع أجرته جموع أولياء أمور طلاب مدرسة الشهيد أحمد القداح الرسمية لغات (القاهرة الرسمية سابقاً)، التابعة لإدارة القاهرة الجديدة التعليمية، ليعكس واقعاً ميدانياً يحتاج إلى قراءة متأنية وتدخل عاجل يوازن بين متطلبات العملية التعليمية والإمكانات المتاحة.

​بدايةً، أجمع أولياء الأمور في رصدهم الميداني على توجيه كامل التقدير والاحترام للجهود الاستثنائية التي تبذلها مديرة المدرسة وإدارتها؛ إذ تخوض الإدارة معركة يومية مضنية للحفاظ على انتظام الدراسة والانضباط بأقل الموارد الممكنة. ولكن، انطلاقاً من مبدأ أن “الإدارة الواعية تحتاج إلى أدوات تمكّنها”، أظهرت نتائج الاستطلاع أن حجم التحديات اللوجستية والتنظيمية يفوق بكثير قدرة أي إدارة مدرسية بمفردها ما لم تتلقَ دعماً مؤسسياً ومجتمعياً متكاملاً.

​وقد تمحورت الرؤى والشكاوى المتطابقة لأولياء الأمور حول أربعة محاور رئيسية تشكل ضغطاً حقيقياً على الطلاب وأسرهم:

​العجز التعليمي والتربوي: كشف الاستطلاع عن قلق بالغ إزاء نقص معلمي المواد الأساسية، مما يخلق فراغات دراسية خلال اليوم تعطل التحصيل الأكاديمي، وتفرغ فكرة “المدارس التجريبية والرسمية لغات” من جوهر تميزها القائم على الكفاءة والاستمرارية.

​الأمن والسلامة المدرسية: يمثل النقص الصريح في أطقم الإشراف الداخلي وعمال الخدمات المعاونة نقطة حرجة في تقييم أولياء الأمور؛ فغياب الكثافة الرقابية في الفناء والممرات، إلى جانب تدني القدرة على ملاحقة أعمال النظافة الدورية في دورات المياه والفصول، يضع صحة الطلاب وسلامتهم الجسدية تحت ضغط مستمر.

​الدعم اللوجستي وتجهيزات الفصول: في ظل الكثافات الطلابية وارتفاع درجات الحرارة، برزت قلة المراوح وضعف التهوية كأحد أبرز العوامل المجهدة للطلاب داخل الفصول، مما يقلل من قدرتهم على التركيز الذهني ويحول اليوم الدراسي إلى عبء بدني غير مبرر.

​جدوى امتداد اليوم حتى الثالثة عصراً: أشار الغالبية العظمى من المشاركين في استطلاع الرأي إلى أن مد ساعات تواجد الطلاب حتى الساعة 3 عصراً، دون أن يقابله تغطية كاملة للحصص بالمعلمين أو أنشطة ممنهجة ومرافق مريحة، يمثل إهداراً لطاقة الطالب واستنزافاً للأسرة، حيث تتحول الساعات الأخيرة إلى مجرد وقت انتظار ثقيل يفتقر إلى المردود المعرفي.

​إن قراءة هذه المؤشرات تضعنا أمام مسؤولية مشتركة تتطلب تحركاً سريعاً ومنظماً. فالمطلوب اليوم ليس توجيه اللوم لإدارة تبذل قصارى جهدها، بل مساندتها عملياً؛ أولاً من قِبل وزارة التربية والتعليم عبر سرعة سد العجز في القوى التدريسية والإشرافية وإعادة تقييم مواعيد الخروج لتلائم الواقع الفعلي، وثانياً من الهيئة العامة للأبنية التعليمية لتوفير الصيانة والتجهيزات اللوجستية للتهوية، وأخيراً من منظمات المجتمع المدني ورجال الأعمال لتفعيل الشراكة المجتمعية ودعم صرح تعليمي يحمل اسماً وطنياً غالياً.

​إن جودة التعليم لا تبدأ من بوابة المناهج فقط، بل من جودة الهواء داخل الفصل، وتوفر المعلم المؤهل، وبيئة مدرسية آمنة تمنح أطفالنا الحق في يوم دراسي متوازن وبناء.

Related posts