اقتصاد الدولة والصندوق السيادى

اقتصاد الدولة والصندوق السيادى
محمد العمدة
بعد البحث والقراءة الكافيه عن الصندوق السيادي وجمع المعلومات عن الدول التي تؤسس الصناديق السيادية وجدت أن معظم هذه الدول التي تؤسس لمثل هذه الصناديق السيادية دول ذات فوائض مالية ريعية ً لإدارة تلك الفوائض وتنميتها لصالح الأجيال القادمة أو كاحتياطي استراتيجي يمكن اللجوء إليه في أوقات الأزمات الصعبة لذا نجد أن أكبر الصناديق السيادية تملكها ويمتلك عدد محدود من الدول التي لا تدخل في تلك التصنيفات صناديق سيادية صغيرة أما دولتنا العظيمةمصر فإنها دولة عجز مالي بامتياز فميزان الحساب الجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يسفر عن عجز كبير ارتفع إلى 6,5% عام 2017 وعجز الميزان التجاري بلغ 35,4 مليار دولار في العام المالي 2016/2017 وبلغ 18,7 مليار دولار في النصف الأول من العام المالي 2017/2018 والدين العام المحلي بلغ 3414,4 مليار جنيه في ديسمبر 2017 والدين الخارجي بلغ 82,9 مليار دولار في ديسمبر 2017 بحسب البنك المركزي المصري في النشرة الإحصائية الشهرية مايو 2018. ومجموعهما الدين الداخلي والخارجي معا يعني أن نصيب كل مصري من جميع الفئات العمرية داخل مصر وخارجها من هذا الدين بلغ نحو 48,5 ألف جنيه وبناء على ما سبق فإن الظروف المالية لإنشاء أي صندوق سيادي لإدارة الفوائض غير موجودة من الأساس في مصر إذن ماالحاجه لإنشاء صندوق سيادي مصري وماذا سيفعل وبخلاف ذلك فإن الصندوق له الحق في تأسيس صناديق فرعية بمفرده أو بالمشاركة مع الصناديق المصرية والعربية والأجنبية وله الحق في الاقتراض والحصول على التسهيلات الإئتمانية وإصدار السندات وصكوك التمويل وغيرها من أوراق الدين وشراء وبيع واستئجار واستغلال الأصول الثابتة والمنقولة والانتفاع بها، وايضا يحق له إقراض أو ضمان صناديق الاستثمار والشركات التابعة التي يملكها أو يساهم فيها وبناء على هذا الحق في الاقتراض والإقراض فإن الصندوق يمكن أن يتحول إلى مدخل عملاق لتضخم ديون الدولة المتضخمة أصلا
وحيث أن رأس المال المرخص به للصندوق يبلغ 200 مليار جنيه أي نحو 11,4 مليار دولار، لكن رأس المال المصدر يبلغ 5 مليارات جنيه تعادل نحو 285 مليون دولار فقط. وحتى هذا المبلغ الزهيد سيتم تقديم مليار جنيه منه تعادل 57 مليون دولار فقط في البداية من خلال الخزانة العامة ويتم استكمال باقي الـ 5 مليارات جنيه وفقا لخطط وفرص الاستثمار المقدمة من الصندوق خلال 3 سنوات من تاريخ التأسيس. وهذا الرأسمال المصدر وطريقة سداده تعني أن هذا الصندوق لا يمكن أن يحقق الهدف المعلن من تأسيسه وهو المساهمة في التنمية الاقتصادية المستدامة من خلال إدارة أمواله لأنها ببساطة قزمية ولا تساوي شيئا ولا تقارن حتى بالاستثمارات الحكومية السنوية التي تبلغ في الموازنة الأخيرة رغم محدوديتها الشديدة نحو 148 مليار جنيه.
إذن نشاط الصندوق الأساسي يتعلق بما يسمى “إدارة” الأصول المستغلة وغير المستغلة وهو الإسم الكودي الذي اخترعه صندوق النقد الدولي للخصخصة ذات السمعة والتاريخ السيئين وتجيز المادة 5 لرئيس الجمهورية أن ينقل ملكية أي من الأصول غير المستغلة المملوكة ملكية خاصة للدولة أو لأي من الجهات أو الشركات التابعة لها إلى الصندوق أو أي من الصناديق التي يؤسسها والمملوكة له بالكامل وذلك بعد عرض الوزير المختص لهذا النقل. وبالنسبة للأصول المستغلة يكون العرض من الوزير المختص بالاتفاق مع وزير المالية والوزير المعني بعد موافقة رئيس الوزراء.
وتشير المادة 8 إلى أن الصندوق له الحق في التصرف في الأصول المملوكة له أو للصناديق المملوكة له بالكامل من خلال البيع أو التأجير المنتهي بالتملك، او الترخيص بالانتفاع، أو المشاركة كحصة عينية وفقا للقيمة السوقية على أساس متوسط القيمة المحددة بموجب 3 تقارير لمقيميين ماليين تعتمدهم الهيئة العامة للرقابة المالية والبنك المركزي. وكلنا يعلم التاريخ الأسود لشركات التقييم التي سهلت استيلاء القطاع الخاص المصري والأجنبي وضمنه العربي على الشركات المملوكة للدولة المصرية بأقل كثيرا من قيمتها الحقيقية.
إذن نحن أمام صندوق لديه الحق في خصخصة الأصول العامة المستغلة وغير المستغلة المملوكة للدولة التي ستؤول للصندوق وهو ما يفتح الباب لأوسع برنامج للخصخصة ولبيع الأراضي والموارد الطبيعية العامة بدلا من إصلاح وتحديث القطاع العام وفتح الباب للاستثمارات الخاصة المصرية والأجنبية وضمنها العربية لبناء مشروعات جديدة بدلا من تداول مشروعات قائمة فعليا حتى ولو كانت متعثرة بفعل فاعل. وفي ظل العجز المالي الهائل الذي تتخبط فيه السلطة فإن بيع الأصول العامة المملوكة للشعب سواء كانت مستغلة أو غير مستغلة قد يقدم حلا مؤقتا لهذا العجز حتى لو كان حلا مسموما ومنتهكا لحقوق الأجيال القادمة، ومعتديا على ما بنته الأجيال السابقة.
ولأن مصر اكتوت من الفساد المروع في برنامج الخصخصة في السابق رغم وجود الأجهزة الرقابية التي تقل فاعليتها تحت ضغط الإرادة السياسية، فإن آليات الرقابة على التصرفات في المال العام من خلال الصندوق قاصرة وتحتاج للمراجعة حيث يتولى الجهاز المركزي للمحاسبات ومراقب حسابات آخر مقيد لدى البنك المركزي عملية المراقبة لتقديم تقارير للجمعية العمومية تمهيدا لرفعها للرئيس خلال ثلاثة اشهر من انتهاء السنة المالية (مادة 11) دون النص على حق الجهاز المركزي للمحاسبات في الإبلاغ عن أي مخالفات بصورة مباشرة. كما أنه لا يوجد أي ذكر للعاملين في الشركات والأصول المستغلة التي ستؤول للصندوق فيما يتعلق بتمثيلهم في الإدارة أو الجمعية العمومية للصندوق الذي سيقرر مصيرهم، بما يعني انفراد البيروقراطية وشركائها من الرأسمالية الخاصة المحلية والأجنبية بتقرير مصير أصول الدولة المستغلة وغير المستغلة التي ستؤول للصندوق بدون مشاركة أصحاب المصلحة والشأن الأصليين
وحتى بالنسبة لإدارة الصندوق والأموال والأصول التي ستؤول إليه فإن له الحق في إدارتها مباشرة أو أن يعهد بإدارتها كلها أو بعضها إلى شركات ومؤسسات متخصصة
ومن منظور مصلحة الدولة والمجتمع والتنمية الحقيقية وإعلاء قيم السيادة الوطنية والشفافية ومكافحة الفساد، فإن القانون في مجمله يحتاج للسحب كليا للمراجعة. وكان من الضروري طرحه للنقاش المجتمعي والسياسي ومراجعة آراء الخبراء فيه قبل الاندفاع لإقراره لأنه في صورته الحالية يعيد إنتاج سياسة الخصخصة على نطاق أوسع ويفتح بابا هائلا للاستدانة العامة بلا ضوابط.
كحفظ الله مصر..مصر عظيمة

Related posts