استثمار العمر *********** بقلم / محمد شهاب المتحدث الأعلامي لحزب الجيل الديمقراطي

استثمار العمر
***********
بقلم / محمد شهاب
المتحدث الأعلامي لحزب الجيل الديمقراطي

متابعة /إيمان الحملي

إن أكثر ما يشغل عقل أى شخص هو الخوف والقلق
من الغد ، وهذا يجعله غير مطمئن لما سوف يحدث
غدا ، لأنه المجهول الذى لا يعرف عنه شيئا .
ولا يخاف الإنسان على شئ قدر ما يخاف على أولاده
لأنهم استثمار العمر كله لأى شخص ، فكل إنسان
يضحى ويبذل كل ما يملك فى سبيل إسعاد أبنائه .
فالأب والأم يقدمان حياتهما جميعها لأبنائهما
دون انتظار أى مقابل منهم ، ولا يريدان سوى أن
يريا أبناءهما فى أحسن حال .
فالوالد يواصل عمله ليلا ونهارا وسرا وجهارا ليوفر
لهم أفضل مستوى من المعيشة ، وكثيرا ما يهمل
نفسه شخصيا ، ولا يفكر سوى فى شئ واحد فقط
،وهو سعادة أبنائه والاطمئنان على صحتهم ونفسيتهم
وأحوالهم في الوقت الراهن ، والاطمئنان على
مستقبلهم في السنوات المقبلة .
وتبدأ المعاناة الكبيرة والحقيقية عند رب الأسرة منذ
أن يلتحق أولاده بالمدرسة لتلقى العلم وتحصيله ، واذ به يدخل فى دوامة كبيرة تتسع شيئا فشيئا ، وتأخذه إلى أسفل مع بداية كل عام دراسى ، وتزداد الهوة عند كل مرحلة تعليمية .
ودعونا لكي نكون صادقين مع أنفسنا ونقول إننا أمام
مشكلة كبيرة جدا ومن زمن طويل ، وهي مشكلة
التعليم الذى يعتبره العالم كله الأساس الذي يقوم عليه
بناء الشخصية الاجتماعية الواعية والمثقفة ، تلك
الشخصية التي تحدد أهدافها ، وتعرف واجباتها جيدا
بكل حب وإخلاص لوطنها ، وفي الوقت ذاته تكون
على دراية تامة بما يجري في المجتمع من ثقافة ودين
وعلوم ومعارف ، ولا يمكنها أن تنسى أو تتناسى
تاريخ بلادها العظيم ، تبحث عما فيه من دروس
مستفادة ، وتفخر بما فيه من علو همة وعلوم سابقة
لم يكن أحد في الكون يعلمها سوى أهل مصر .
وهذا يستوجب أن يعمل كل مصري على هذه الأرض
من أجل رفعة ونهضة بلاده .
وتبدأ معاناة البيت منذ السنين الأولى فى التعليم ، فيجد
رب الأسرة أنه أمام أمرين لا ثالث لهما ، وكلاهما
صعب ، الأول : أن يُعلّم أولاده في مدارس حكومية
أو تجريبية بمصاريف قليلة ومدعومة بشكل كبير من
الدولة ، ولكنه سوف يجد أولاده يجلسون فى فصل
عدد الطلاب به كبير جدا ، مما يجعل مهمة المدرس
الوحيدة هي محاولة الانتهاء من الدرس المطلوب منه
فى الوقت المحدد ، دون الالتفات إلى الطلاب الجالسين
أمامه هل استطاعوا أن يستوعبوا الدرس بشكل جيد أم
لا ، المهم بالنسبة للمعلم أن ينتهي من المطلوب منه
في آداء المنهج الدراسي الموضوع حسب خطة
الوزارة .
وهكذا أصبح المدرس فى المدرسة آلة ليس مطلوبا
منها سوى الانتهاء من عملها فقط ، دون النظر إلى
النتائج ، ودون النظر إلى العلاقات الانسانية الراقية
التي تربط بين الطالب ومعلمه من مودة العلم ، وحبه
وكما قال الرسول العظيم ( العلم رحم موصولة بين
أهله ) ، فالعلم مبني على علاقات فكرية ووجدانية
ونفسية تزرع في نفوس الطلاب المودة والمحبة لمن
علموهم ، وقدموا لهم أجمل ما في الكون وهو العلم .
وهنا يأتى الأمر الثانى : وهو أن يعلم الوالد أبناءه في
المدارس الخاصة ، والتي سوف تكون بمصروفات
كبيرة وربما مبالغ فيها إلى حد كبير يجعل مسئولية
بعض أولياء الامور صعبة للغاية ، ولكن فى معظم
الأحوال تكون المدارس الخاصة نظيفة وجميلة وعدد
الطلاب فى الفصل معقول ومقبول ، فلا يمكننا أن
نقارنه بالمدارس الحكومية الأخرى ، كما يوجد فى
الفصل وسائل التعليم الحديثة من شاشات ذكية ، وفي
المدرسة مختبرات حديثة ونظيفة وفى كثير من
الاحوال تكون فصول الدراسة مكيفة الهواء .
ولكننا نجد نفس تصرف المدرس واحد فى كلتا
الحالتين وهو عدم الالتفات لمصلحة الطالب الذى
أمامه ، وأنا لا أقول هذا عن كل المدرسين ، ولكن من
اتحدث عنهم عدد غير قليل كذلك ويؤثر على العملية
التعليمية في مصر كلها .
وحينما أعود بالذاكرة للخلف بعض السنين لأرى كيف
كان المعلم مخلصا لعمله ، وكيف كان يعامل كل
الأطفال على أساس أنهم أولاده ، وكيف يتفاعل معهم
ويسأل عن حالهم ؟ ويفرح بإجاباتهم ، ويصحح لهم
واجبات أمس ، نعم هو ذلك المعلم الذي قال عنه أمير
الشعراء العظيم / أحمد شوقى
قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا
كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
أرأيت أشرف أو أجل من الذي
يبني وينشيء أنفسا وعقولا
سبحانك اللهم خير معلم
علمت بالقلم السنين الأولى
*******
هذا ماتربينا عليه ونحن صغار ، للمعلم هيبة ومحبة
في القلوب ، ولكن للأسف الشديد أصبح بيننا عدد كبير
من المدرسين تغير فكرهم ، وأصبح كل ما يشغل بالهم
هو ( الدرس الخصوصى ) وهذه من أكثر النفقات
التى تستنزف البيت المصرى ، فيجد ولى الأمر نفسه
بين نارين ، حيث إذا اختار المدارس التى تدعمها
الدولة ، أو المدارس الخاصة ذات المصاريف المبالغ
فيها ليس أمامه سوى أن يعطى أولاده دروسا خاصة
من أجل النجاح والتفوق ، وهنا يأتى سؤال هام وهو
محتوى الكتاب المدرسى ، وهل يقوم محتواه على
الحفظ والتلقين أو على الفهم والمناقشة والاستيعاب
وهل هو مواكب لعصرنا ؟ ويتم تجديده بشكل مستمر
أم لا .
ولايمكننا أن ننكر جهود الدولة فقد بدأت بالفعل فى
تطوير المناهج من الصف الأول الإبتدائى إلى الصف
الرابع الإبتدائى ، ولكن يبقى السؤال الأهم : هل تم
إعداد المدرس وتدريبه على تلك المناهج الجديدة
لكي يستطيع أن يقدم المعلومة للطالب نقية ومرتبطة
بحياته أم لا .
إن مشكلة الدروس الخصوصية تمثل حملا ثقيلا على
عاتق البيت المصرى ، وإلى الآن لم نجد حلا لها
فيستمر ولى الأمر المغلوب على أمره في هذه الدوامة
طوال سنين الدراسة إلى تأتى سنة الحسم وهي
الثانوية العامة ، والتى كنا وما زلنا نخشاها والتى
أراها من وجهة نظرى تحتاج كثيرا من التعديلات فمن
يقول أن يتوقف مستقبل أسرة كاملة على سنة واحدة
يتحدد فيها مستقبل الطالب والأسرة معا .
وكم رأينا أمثلة عديدة فى كثير من البيوت ، بعض
الطلاب كانوا متفوقين لعدة سنوات وجاءوا فى الثانوية
العامة ليحصلوا على نتائج قليلة لا تتناسب مع
مستواهم العقلي الطبيعي .
ويرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها الضغط النفسى
الرهيب الذى يتعرض له الطالب في الثانوية العامة من
الأهل والأقارب وكل من حوله .
كما أن فكرة أن الامتحان القادم هو وحده من يحدد
مصير الطالب ومستقبلة بالكامل ! مجرد هذه الفكرة
مرعبة جدا للطالب وللأسرة ، وقد تمثل ضغطا رهيبا
عليهما .
وفى هذه السنة بالتحديد يتم ابتزاز الأسرة بشكل
مبالغ فيه من قبل بعض المدرسين ، ونسمع ارقاما فى
الساعة الواحدة مبالغا فيها جدا ، بل لا يصدقها عقل
ولا يقبلها منطق في كثير من الأحيان .
نحن فى حاجة ماسة لمراجعة نظام التعليم ككل من
الصف الأول الإبتدائى إلى الثالث الثانوى من حيث
النهوض بالمدارس الحكومية ومراقبة المدارس
الخاصة من حيث المبالغة في المصاريف التى
يطلبونها ، ورفع الكادر للمعلم لكى يستطيع أن يعيش
حياة كريمة تليق به وباسرته وبكونه مدرسا ،
إلى جانب العمل على تدريب المدرس بشكل مستمر
على مستجدات المناهج الدراسية ، وكيفية التعامل وتقديمها إلى الطلاب بشكل يفيد المجتمع .
وختاما : إن وظيفة المدارس والجامعات بناء
الشخصية الوطنية والاجتماعية الصالحة والمفيدة
للمجتمع علميا وعمليا ؛ لتكون على دراية تامة بكافة
الأمور التي تجري من حولها ، بعقل مستنير نستطيع
الاعتماد عليه فى بناء الوطن والنهوض به ، نعم إننا
حينما نستثمر في أولادنا فهذا يعني أننا
نستثمر في العمر كله .

Related posts