إليها انتسابي ماحييت بقلم الشاعر الدكتورجهاد بكفلوني من سورية

 

إليها انتسابي ما حييْتُ

أطلّتْ من الفردوس منسابةً نهْرا
فأنعشت الأرواحَ تغمرُها عِطْرا
تُحيّرني تلك الحُروفُ أرَدُّها
لأستخرجَ الدُّرَّ الذي يصطفي الدُّرّا
شموساً وأقماراً هصرْتُ رُواءَها
وذكّرَني النّسيانُ بل أنجُماً زُهْرا
أطوفُ بها نشوانَ ما كنْتُ صاحياً
ألقّنُها في صحويَ الحذِرِ الخمْرا
كنوزٌ بها قارونُ هامَ وربّما
شكا بعدما لاحتْ بزينتِها فقرا
ولم أحْصِها عشرون قالوا وتسعةٌ
وقيّمتُها فلْتتعبوا العَدَّ والحَصْرا
أتقبلني كي أملكَ الكَونَ حارساً
لديها إذا لا تومئي نفّذا الأمرا
وهل تُحسِنُ التّشبيبَ بي قلتُ: شاعرٌ
بضاعتُهُ راجتْ ويعْرضُها شِعْرا
أنا القامةُ الهيفاءُ كالرّمْحِ فَلْتَجئْ
بشيءٍ جديدٍ بالأسَاطيرِ قد أزرى
إذا مِلْتُ قالَ البانُ خطوُكِ مُشْعِلٌ
ثلوجي فيا نارُ امنحي وقْدَكِ الجمْرا
وأنت تناغي الصَّمْتَ تلهثُ حائراً
 وراءَ معانٍ ضيّعتْ دربَها الوعْرا
تنسّقُ ألفاظاً أزورُ ركامَها
وأسخرُ من بنيانِها فاقبلِ السُّخْرا
أراها جموداً لا يَمورُ حِراكُهُ
فيا ماءَهُ تجري وكم تجهلُ المجرى
تشكّلُ نهْراً تائهاً عن مسارِهِ
وشيخوخةُ الأيّامِ تمنعُهُ البحْرا
نعِمْتَ بحصبائي عُقوداً فرْطتَها
ولملمْتَها هل كنْتَ للّهْوِ مضطرّا؟
وأشفقْتُ يا هذا عليكَ وربّما
ذرفْتُ ويأبى الكِبرُ دمعتيَ الحَرّى
أسيّدتي ! هذا ثناءٌ أنالُهُ
وهل كنْتُ أهلاً لِلثّناءِ وكم أغرى
لسانُكِ يُطريني سمائي تطاولتْ
وقدْري بها ما كان أعظمَهُ قَدْرا!
أحلّقُ في تلك السَّماءِ قوادمي
خوافيَّ يا ريحُ احملي مركَبي المثرى
إذا رمقَتْني الضّادُ يوماً بنظرةٍ
فعَرْشيَ فوقَ الشَّمْسِ وهْيَ بهِ أدرى
إليها انتسابي ما حييتُ وإنْ أُجِدْ
لُغاتٍ وتبقى وحْدَها أمّيَ الكُبْرى
عنادلُها قد ألهمتْني روائعي
فيا لِشراعِ الخُلْدِ بيْ هادئاً أسرى
بنى لي أنا الفاني قُصوراً مُنيفةً
حِجارتُها الملساءُ منضودةٌ تِبْرا
حدائِقُها مدهامّةٌ ذاتُ بهجةٍ
عليها خيالي رفَّ طيْراً بها مُهْرا
وألبسني تاجاً تمَنّيْتُ خلْعَهُ
لكثرَةِ حُسّادي يشرّدُهم أسرى
يخاطبُهم يَعْنُون موتوا بغيظِكم
ولا يملكون الرّدَّ واستعظموا الأمرا
إلى مُتْحَفِ التّاريخِ قالوا نسوقُها
هنالك تقضي الضّادُ تنسونَها ذكرى
إذا داعبَتْ تلك القلوبَ بطيفِها
رَمَيْنا عليها فانتهى أمرُهَا سِتْرا
ويَنْسَوْنَ تلك الأُمَّ يطغى عقوقُهم
خضمّاً زنيماً يدمِنُ المدَّ لا الجزْرا
إذا خطرتْ قالوا هي الأمسُ وانتهى
وإنَّ على أسماعِنا فلْيغبْ وَقرْا
ستبقين يا أمَّ اللّغاتِ مليكةً
لها ننحني حُبّاً فدمْتِ لنا ذُخْرا
نتيهُ على الدّنيا بأعظمِ ثروةٍ
ونسحَبُ أذيالَ الشّموخِ بها فخْرا
أطلَّتْ على الشّهباء في منتدىً سما
 بأقيالِهِ الأعلامِ مَنْ كرمّوا الفِكْرا
جحاجحُ صِيدٌ من نزارٍ تحدّروا
فيا لَكَ جدَّاً مُلْهِماً خالداً ذِكْرا
دلَفْنا بأشواقٍ إليه ظمَيَئَةٍ
وألهمَنا هذا الهوى صاحياً سُكْرا
خلعْتُ على الشّهباءِ بُرْدَ قصيدتي
وطّرْزتُهُ من ذَوبِ عاطفتي زهْرا
وقلتُ لها قصّرْتُ في وصْفِ غادةٍ
 بطلعتِها فتّانةً أجدُ العُذْرا
وقفْتُ أمامَ الحُسْنِ حيرانَ عاجزاً
 فسلطانُهُ قد شتّتَ الشٍِّعْرَ والنّثرا
أيا دارةَ السِّحْرِ الحلالِ تركتْنِي
به مؤمناً كم كنْتُ استنكرُ السِّحْرا
بحسبيَ أنّي زرْتُكِ اليومِ فانجلتْ
همومي وشعَّ اللَّيلُ في ألمي فجْرا

د. جهاد محمَّد طاهر بكفلوني
ألقيت في مدرّج كلّيّة الطّبّ في جامعة حلب يوم الثلاثاء  ١٥ آذار ٢٠٢٢.

 

 

 

 

 

 

 

Related posts