أطفال الشوارع .. وصمة فى جبين المجتمع
بقلم / سعد الراوى
ظلت الأسرة المصرية على امتداد تاريخها الطويل مثالاً للترابط والتآلف بين أفرادها ، فكان الأب يحيط أسرته وأبنائه بكل ألفة ومودة يوفر لهم الحماية والرعاية يعمل من أجلهم ليل نهار يتمنى مخلصاً أن يصير أبناؤه أفضل منه حالاً، يستشعرون وجوده فى كل وقت وفى كل مكان ، وكانت الأم تحتضنهم بكل حب وحنان ، تتفرغ لخدمتهم ، تدافع عنهم، تغفر زلاتهم، تسهر على مريضهم ، تنتظر غائبهم وتلازم صغيرهم ليل نهار.
إذن ماذا حدث للأسرة المصرية تترك فلذات أكبادها يتخذون من الشارع ملجأً دون المنزل ، يتعرضون للعنف والجوع والخوف ، يتعرضون لبرد الشتاء وزمهرير الصيف وقسوة الرصيف ، يتعرضون للاضطهاد والمطاردة والانحراف ليل نهار، ينظر إليهم الجميع على أنهم عتاة المستقبل .. وكيف للدولة أن تسكت عن هذه الوضعية الخطيرة لأبنائها دونما حلول ناجدة تمنع الكارثة قبل وقوعها وتحد من هذا الخطر الداهم قبل أن يستفحل أمره ويستعصى على الحل وتترك الصغار مهملين فى شوارعها يمثلون وصمة فى جبين المجتمع .
وظاهرة أطفال الشوارع ظاهرة عالمية تتفاوت من بلد إلى بلد نتجت عن الزيادة السكانية الهائلة لتعداد العالم من نصف مليار نسمة فى منتصف القرن الماضى إلى أكثر من ستة مليارات فى سنوات قليلة بفضل التقدم الصناعى والرعاية الصحية.
وتعد ظاهرة أطفال الشوارع فى مصر من أعلى المعدلات العالمية ، كما تمثل قنبلة موقوتة ينتظر انفجارها بين حين وآخر وكان استخدام أطفال الشوارع فى أعمال الشغب والعنف التى تلت ثورة يناير وضح مثال على ذلك، ويشير تقرير للهيئة العامة لحماية الطفل أن عددهم فى مصر وصل إلى مليونى طفل أكثرهم من الذكور معظمهم يمثلون الفئة العمرية من 7 ـ 14 سنة وهم في تزايد مستمر مما يجعلهم عرضة لتبني السلوك الإجرامي في المجتمع
وتشير إحصائيات الإدارة العامة للدفاع الاجتماعي إلى زيادة حجم الجنح المتصلة بتعرض أطفال الشوارع لانتهاك القانون، حيث كانت اكثر الجنح هي السرقة بنسبة 56%، والتعرض للتشرد بنسبة 16.5%، والتسول بنسبة 13.9%، والعنف بنسبة 5.2%، والجنوح بنسبة 2.9% ، وينقسم أطفال الشوارع إلى نوعين : أطفال يحتفظون ببعض الروابط مع الأسرة وأطفال يعتمدون على أنفسهم اعتماداً كليا يتخذون من الأرصفة وأسفل الكبارى وأماكن متفرقة مأوى لهم وغالبيتهم يعيشون فى المدن الكبرى .
وتتلخص أسباب ظاهرة أطفال الشوارع فى :
ـ مشكلات مجتمعية : مثل البطالة والفقر ـ ارتفاع الأسعار ـ أزمة الإسكان ـ ظهور المجتمعات العشوائية والتسرب من التعليم .. وغيره .
ـ مشكلات أسرية مثل : التفكك الاسرى ـ الطلاق ـ ضعف الوازع الدينى ـ تشغيل الأطفال ـ العنف الأسرى والقسوة ضد الأطفال ـ زيادة عدد أفراد الأسرة مع تدنى الدخل وضيق السكن ـ انحراف الآباء .. وغيره .
ـ مشكلات فردية مثل : مرافقة أصدقاء السوء ـ تعاطى المخدرات ـ التمرد على الأسرة ـ التخلف الدراسى ـ الشعور بالاضطهاد والهروب من الضغوط الأسرية ..
وهنا يجب علاج هذه المشكلة باحتواء الأطفال الذين انقطعوا عن أسرهم نهائياً فى مؤسسات اجتماعية توفر لهم الإقامة والرعاية الصحية والتدريب المهنى وتهيئتهم لسوق العمل مع توفير الحماية القانونية وأنواع الرعاية الاجتماعية والترفيهية ، أما الأطفال الذين لا يزالوا مرتبطين بالأسرة فيجب إعادتهم للأسرة مع توفير المناخ المناسب بالإشراف على الأسرة وتقديم المساعدات اللازمة لها .
كما يجب وضع حلول جذرية لمشكلات البطالة والمجتمعات العشوائية ورفع مساعدات الضمان الاجتماعى للأسر الفقيرة والعمل على حل مشكلة السكن والمرافق ، كما يجب إجراء مزبد من البحوث الاجتماعية حول تلك الظاهرة الخطيرة لتفنيدها وتقديم الحلول المناسبة .. رعى الله أبناءنا وبناتنا من كل سوء والله الموفق .
