أبو الهول في حضرة المسيح

 

 

أبو الهول في حضرة المسيح

بقلم الدكتور/ إبراهيم حسن الغزاوي
المهنة: مواطن مصري ‏
[email protected]
[email protected]

داهمتني الفكرة على غير انتظار أو توقع …‏فكلما ابتعدت عنه كثيرا ..يغيب عن بالي لبعض الوقت ..وما أن أذكره حتى تتداعى في فكرى العواطف والمشاعر…‏فأشعر بالتقصير..وربما الذنب…‏فما عهدى به أنه ابتعد عنا ..حتى وإن تباعدنا نحن عنه سنين وسنين …‏ومهما دارت بنا الدوائر…في الخير وفي غير ذلك ..كان هو دوما هناك…‏على البعد قريب منا جميعا…‏أبو الهول … رمز البقاء لمصر العزيزة في كل الأزمان….‏

وقادني إليه اليوم إحساسي به دون استئذان…‏في ذهني تلاطمت الأفكار ..وعندي من المواضيع العديد التي وددت لو طرحتها عليه في وقتها…لكنه الانشغال ربما ..أو ‏خشيتي من حساباته اليسيرة الصعبة..فما يفرحني عادة يحوله هو إلى مسارات فكرية عميقة …‏صحيح استفيد منه ..فالمعرفة كنز من صاحب المعرفة الأبدية في تاريخنا الطويل ..لكن يؤلمني أنها تظل حبيسة ‏الصدور..لا تبارح النفوس إلى الأفعال…‏اتفقت معه في كل ما قاله سابقا ..وهذا ربما ما أبعدني عنه لبعض الوقت…‏

نعم…‏إنه يحاسبنا جميعا …لا بأس سأذهب إليه …فأنا إليه جد مشتاق ..وطلته الرائعة في البهاء الوجودي تنطبع في قلبي قبل أن ‏تراه عيناي…‏

لا أنكر أنني أحب أن أهيم في حضرته …وهو يأخذني برحلة أبديه في ملكوت البقاء والديمومة…لكنني أيضا لا أنكر فضله ‏في الفكر وطرح أمورنا في بساط التحليل الطيب والعاقل…ليختصر لنا من العمر أزمانا ..فقط لو كنا نعقل له قولا أو نسمع منه ‏فكرا…‏ ولذلك عندما أطربني اعتماد بابا الفاتيكان لأيقونة رحلة العائلة المقدسة في مصر …جاءتني صورته على عجل …فقررت ‏أن أحاوره ..وأرى رأيه في ذلك…فذهبت إليه…‏في ظهيرة اليوم..وأجواء صيف يحتضر ..ونسيم يوم لطيف ..لمحته في البعد رابضا كعادته …فاقتربت منه …‏أحبه في النهار أكثر من الليل ..وأحترمه وأجله في الليل أكثر من النهار…لكنني استمتع منه باللقاء في الليل والنهار ‏‏…ولست أدرى..أهو لهف المحبين أم إجلال المقدرين …‏

السلام عليك يا حارس التاريخ … التفت إلي في بهاء النهار المشمس بلطف …وابتسم هو في تؤده ووقار ليس غريبين عليه ‏‏…وقال ..وعلى مصر السلام والمحبة والمسرة دوما بإذن الخالق الأعلى ….‏
وكأنه قرأ في عقلي الفكرة ..السلام…المحبة…المسرة….كيف له ذلك ؟

سيدي ….‏

وكأنك علمت ما أنا قادم إليك فيه…فكيف تراه؟ ‏

وما الجديد يا ولدي؟.. إن هي إلا خطوة ظاهرية تحتفلون بها لخواء جعبتكم من الإرادة ..لكنها ليست بالجديد…فمصركم مسيحية مثلما هي ‏إسلامية..ومصركم فرعونية في أصل حضارات البشر … وقوة مصر الأبدية في احتضانها لأديان الديان كلها …ولا تنسى يا ‏ولدي أن بلادكم هي أصل التوحيد …فكان طبيعيا أن تحتضن العائلة المقدسة ..السيدة مريم البتول و أبنها النبي عيسى عليه وعلى ‏نبيكم وكل أنبياء الله كل الصلاة وكل السلام…‏

بادرته وقد تدفقت في عقلي الفكرة ..ربما لم أتوقع رده…سألته: أراك ليس متحمسا يا سيد الزمان ..لماذا؟
أشاح بيده بعيدا …ورد باستنكار شديد..من قال لك ذلك ؟ هل قرأت عقلي؟ إنما أنا مشفق من طموحاتكم العالية لأن هممكم ‏بالغة الضعف والفتور…‏

كيف ذلك يا سيدي؟ سألته وقد حيرتني إجابته …‏

يا ولدي…لقد حباكم الله بألف سبب وسبب للتفرد والتطور والغنى..وأنتم تباريتم على مر العصور في تجاهلها ..ولو كان ‏لديكم نصف همة غيركم من المجتمعات المعتدلة في أمورها..لكان لكم شأن آخر…لكنكم اثاقلتم إلى الأرض ..ورضيتم بالقليل من ‏العيش والزهيد من الثراء في كل صوره …‏
زدني من العلم يا سيدي ..سألته وانا متحير أكثر…‏

يا ولدي ..دعنا من الذي فات وانتهى..لكنني فقط أود اليوم أن أضع موضوعكم الجديد في نصابه ..لأنه لا يصح مطلقا أن ‏تعاملوه كما تعاملتم مع باقي أموركم المعيشية..وإلا كان ذلك لكم خزي وعار أمام شعوب البسيطة …‏

كيف يا سيدي؟

إذا كانت إرادة الله أن يسخر لكم أولى الأمر في المسيحية في كبريات كنائسهم ..وأن يطوع لكم محبة وطاعة مسيحيي ‏مصر والشرق والغرب …وأن ييسر لكم محبة العالمين …فما عليكم إلا أن تبادلوا الحب بحب ..والاحترام باحترام ..والتقديس ‏بالتوقير…‏

كيف ذلك يا سيدي ؟

سألته …‏

الله تعالى سخر لكم هذا الأمر ..ولعله يخرجكم من العنت الذي يحيط بكم..فعليكم أن تهتموا به بجدية ويقين…وتتعلموا من ‏أشقائكم بالمملكة العربية السعودية كيف يكون الاهتمام بالحجيج..وكيف تسخرون كل طاقاتكم لجعل تلك الرحلة لحجيج العالم ‏متعة ما بعدها متعة..متعة للروح وقبلها متعة وراحة للنفس والجسم…‏

عليكم أن تتعلموا كيف تتعاملوا مع ضيوفكم وتحسنوا إليهم..ولا تنفروهم أو تغتالوا متعتهم باستغلالهم…وعليكم أن تشعروهم ‏أنهم في بلدهم وفي وسط أهلهم …وكذلك أن تقدموا لهم ما يصح من التيسيرات التي تجعل وجودهم بينكم أمرا محببا لنفوسهم ‏‏…وأمنا وسلاما على نفوسهم ومتعلقاتهم …‏

أحسنوا إليهم تحسنوا لأنفسكم…ولا تتركوهم نهبا لجشع أحد من الجهال…ولترتقوا بثقافاتكم لتحسنوا ضيافتهم..فهم حجيج ‏لله أيضا … وما هم في وجودهم بينكم إلا محبة منهم لدينهم وقربى من الله بزيارة مسار العائلة المقدسة…وهي مقدسة أيضا لديكم ‏‏..مسيحيين ومسلمين…. ‏

لكن يا سيدي…‏

قاطعني بشدة ..واعتدل في وقفته …وقال …يا ولدي ..أتركني الآن ..أنا في حضرة المسيح …استجلبه بروحه وعطائه ‏وسلام رسالته للبشرية ومودته إلينا … وأعلم أنه في سماحته ونبوته ورسالته ..نفحة من نور الرحمن خالقنا جميعا …اتركني ‏وشأني يا ولدي فأنا الآن في أمر عظيم …‏

تركته مسرعا ..ولم أره قبل ذلك في مثل تلك الحالة من الانشغال الداخلي بأمره …وأطلقت العنان لفكري في مقولته ‏الأخيرة أنه في حضرة المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام …‏

وأعلم أن كل ما قاله عن واجبنا نحو حجيج العالم الذين سيأتون إلينا في زيارة لمسار العائلة المقدسة …صحيح كل الصحة ‏‏..‏
فهل نعتبر؟

Related posts