بقلم / سيد علي
مصر و”لعبة الشطرنج النووية”
كيف تُحرّك القاهرة خيوط المصالحة بين إيران والخليج؟
في خضم الضجيج الإعلامي الذي يُصور العلاقات المصرية مع الخليج أو إيران على أنها “صراع ولاءات”، تظهر الوقائع أن مصر تلعب دورًا “محوريًا غير معلن” في إعادة ترتيب المشهد الجيوسياسي، مستفيدةً من ثلاثة أوراق رئيسية:
١. الورقة النووية : مصر تُصر على ربط أي تفاهم مع إيران بملف منع الانتشار النووي في المنطقة ، بما يضع ملف إسرائيل (غير الموقّع على معاهدة حظر الانتشار) تحت المجهر الدولي.
زيارة عباس عراقجي إلى القاهرة كشفت عن تنسيق خفيّ بشأن ضمانات أمن الخليج مقابل ضمانات منع التسلح النووي الإسرائيلي.
٢. الورقة العُمانية: مسقط كانت دائمًا الجسر بين طهران والغرب، لكن مصر (من خلف الستار) حوّلت مباحثات السلطنة إلى منصة لـ”مشاركة مصرية” في صياغة أي اتفاقيات مستقبلية، خاصة بعد التقارب الإماراتي-الإيراني الذي دعمته القاهرة بأدواتها الاستخباراتية والدبلوماسية.
٣. ورقة التوازن : مصر لا تختار بين طبيعة النظام في إيران أو الخليج، بل تتعامل مع الملفات بمنطق “المصالح المتقاطعة”.
الخطاب الإيراني الأخير الذي استخدم مصطلحات قريبة من الموقف المصري (مثل التركيز على “أمن المنطقة المشترك”) هو دليل على نجاح الضغط المصري.
لماذا يُخطئ اليسار والناصريون في قراءة السياسة المصرية؟
– الانبهار بالصراع : بعض التيارات ترى العالم من خلال عدسة “الحرب الباردة” (معسكر ضد معسكر)، بينما مصر تعمل بـ”دبلوماسية الملفات” التي تتعامل مع إيران كشريك في قضية (كالنووي) وخصم في أخرى (كملف سوريا ، لبنان أو اليمن).
– تجاهل الدور المصري في الوساطة:
عندما أعلنت السعودية عن استئناف العلاقات مع إيران بوساطة صينية، غاب عن الكثيرين أن مصر كانت قد مهّدت لهذا عبر حوارات غير مباشرة في مسقط وبغداد، حيث لعبت المخابرات المصرية دورًا في كسر الجليد.
– الخلط بين “العلن” و”الخفاء” : انتقاد البعض لاستقبال السيسي بحفاوة في الإمارات أو عدم مهاجمة مصر لإيران علنًا ينم عن جهل بـ “الدبلوماسية الذكية” التي ترفض تقديم تنازلات إعلامية على حساب المكاسب الاستراتيجية.
مصر كـ”لاعب فوق الطاولة”
الرسالة التي يجب أن تصل للجمهور المصري (والخليجي والإيراني) هي أن مصر ليست طرفًا في الصراع ،
بل هي (((حَكَمٌ يفرض شروط اللعبة))):
– أي تفاهم نووي إيراني-خليجي سيكون مصحوبًا بضغوط مصرية لإدراج إسرائيل في مفاوضات الانتشار النووي.
– تحسين العلاقات مع طهران لا يعني التخلي عن التحالفات الخليجية، بل تعظيم المكاسب من كلا الجانبين.
– الخطاب الإيراني المُتغير نحو الخليج (والعكس) هو نتاج ضغوط مصرية غير مباشرة، وليس “ضعفًا” أو “انتصارًا” لأحد.
مصر أكبر من القراءات السطحية، ودورها الحقيقي يُصنع في الغرف المغلقة، لا على منصات السوشيال ميديا.
دمتم بخير
سيد علي
مساعد أمين عام القاهرة لشئون المهنيين
حزب حُماة الوطن