() تَنَسُّكاتٌ في مِحْرَابِ ألْفَاظِ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ

() تَنَسُّكاتٌ في مِحْرَابِ ألْفَاظِ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ
دكتور / أحمد عيد
استاذ بجامعة الأزهر. متابعة : مختار عياد القسم الادبي

() قُرَيْش

في قوله تعالى: {لإِيلافِ قُرَيشٍ}
مَنْ قُرَيْشٌ؟
قُرَيْشٌ هُمْ وَلَدُ النَّضِرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدَهُ النَّضْرُ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَلِدْهُ النَّضْرُ فَلَيْسَ بقُرَشِيٍّ.
جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ – رضي الله عنه – قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ  يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».
سَبَبُ التَّسْمِيَةِ بهذا الاسْمِ:
قُرَيْشٌ مُصَغَّرُ قَرْشٍ- بفتح القاف – أو قِرْشٍ– بكسرها – وسُمُّوا قُرَيْشًا؛ لثلاثةِ أوجهٍ قويَّة:
أحدها: سُمُّوا بمُصَغَّرِ القَرْشِ، وَهُوَ التَّكَسُّبُ وَالْجَمْعُ من هاهنا وهاهنا، يُضَمُّ بعضُهُ إلى بعضٍ، يُقَالُ: (فَلَانٌ يَقْرِشُ لِعِيَالِهِ) أَيْ: يَكْتَسِبُ ويَضْرِبُ فِي الْبِلَادِ يَبْتَغي الرِّزْقَ. وَهُمْ كَانُوا تُجَّارًا حُرَّاصًا عَلَى كَسْبِ الْمَالِ، وَلَمْ يَكُونُوا أَصحابَ زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ؛ لأنَّهم مقيمون بوادٍ غيرِ ذِي زرعٍ.
وَالثاني: سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لتَقَرُّشِهم، أَي: تجمُّعِهم إِلى مَكَّةَ مِنْ حَوَالَيْهَا بَعْدَ تفرُّقِهم فِي الْبِلَادِ حِينَ غَلَبَ عَلَيْهم قُصَيُّ بْنُ كِلاب، وَبِهِ سُمِّي قصيٌّ مُجَمِّعًا. قال الشاعر: [من الطويل]
أُبُونا قُصَيٌّ كان يُدْعَى مُجَمِّعًا * به جَمَّعَ اللَّهُ القبائِلَ مِنْ فِهْرِ
وقيل: سُمُّوا بذلك؛ لأَنهم كَانُوا يذهبون للتجارة ثم يجتمعون بِمَكَّة بعد التَّفَرُّق فِي الْبِلَاد.
وَالثالث: سُمُّوا بمُصَغَّرِ القِرْشِ، فقد رُوِيَ أنَّ مُعَاوِيَةَ – رضي الله عنه – سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما -: لِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا؟
قَالَ: لِدَابَّةٍ تَكُونُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَعْظَمِ دَوَابِّهِ، يُقَالُ لَهَا: الْقِرْشُ لَا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ إِلَّا أَكَلَتْهُ، وَهِيَ تَأْكُلُ وَلَا تُؤْكَلُ، وَتَعْلُو وَلَا تُعْلَى، قَالَ:
وَهَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، فَأَنْشَدَهُ شِعْرَ الْمُشَمْرِج بنِ عمرو الْحِمْيَريّ: [من الخفيف]
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ * ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا

تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِيْنَ وَلَا تَتْـ * ـرُكُ فِيْهِ لِذِي جِنَاحَيْنِ رِيْشَا

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: {لِإِيلافِ}، عَلَى وَزْنِ (إِفْعَال)، وهو مَصْدَرُ الفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ (آلَفَ)، وأصله: (أَاْلَفَ)، وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ: {لِإِلَافِ} عَلَى وَزْنِ (فِعَالٍ)، وهو مَصْدَرُ الْفِعْلِ الثلاثيِّ (أَلِفَ).
وَأَجْمَعُوا هُنَا عَلَى صَرْفِ قُرَيْشٍ، فقد رُوعِيَ فِيهِ مَعْنَى الْحَيِّ، فهو علمٌ مذكرٌ، وَيَجُوزُ مَنْعُ صَرْفِهِ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنَى الْقَبِيلَةِ لِلتَّأْنِيثِ وَالْعَلَمِيَّةِ، كقولِ الشاعر: [من الكامل]
غَلَبَ الْمَسَامِيحَ الْوَلِيدُ سَمَاحَةً * وَكَفَى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسَادَهَا

ثُمَّ الصَّلاةُ بَعْدَ حَمْدِ الصَّمَدِ * عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدِ

Related posts