دكتــور / أحـــمد عــيد
أ.د/ عادل محمود محمد سرور
————
العالم الصريح، اللغوي الفصيح، الخطيب النصيح، النحوي الساطع، الصرفي اللامع، العروضي الرائع، الصوفي المتواضع، المحبوب من أساتذته وزملائه وطلابه وقُصَّاده، باعث السرور بين مقابليه ومجالسيه، وناشر الْحُبُور بين تلامذته ومريديه،
إن ألَّف كتابًا ما أو ألقى محاضرةً كانت القواعد ميسرة، والفوائد محررة، والفرائد مقررة، فصار قريبًا من قرائه وطلابه ومستمعيه بدقة فهمه، وحسن عرضه، وسرعة بديهته، وسهولة عبارته، ولين معاملته، ومزاح مناقشته، لا تفارقه الابتسامة، ولا يفارق الاستقامة.
كان كريم الطبع، ليِّن الجانب، محبًّا للخير، يَسْعَى في الإصلاح بين المتخاصمين سعيًا حثيثًا، فيبذل نصحًا ويُقدّم عذرًا للشَّمُوس الجامح، لعله يرضى أو يَرْعَوِي، أو يَذَّكر فينتهي، ويظلُّ يُكرّر له ذلك إلى حين يتبين له أنَّ تكرار النصيحة سيؤدي إلى وقوع القطيعة مع شخصه المُشْفِق الناصح بتصريح من الشَّمُوسِ الجامح، فيتوقف ما دام سيترتب على محاولة إزالة المفسدة مفسدة أخرى، فيأسف على حال صاحبه، ويقول: ما تركتُ نصحه حتى قال لي: (إذا تكلمت معي في هذا الموضوع مرة أخرى فستنتهي العلاقة بيننا)، فأُعْلِنُ له المشاركة في الأسف قائلًا: قدمت له النصيحةَ قبلَك وما استجاب لي ولا آب، وقدَّمها آخرون كبارٌ قبلنا فما استجاب لهم ولا أناب، وما عليَّ وعليكَ إلا صدقُ النصيحة، ومحاولة إزالة القطيعة، وقد فعلنا ذلك، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
لم أَكن من الذين درَّسَ لهم العالم الحبيب، وما أسعدهم بالأخذ عنه عالمًا خلوقًا وأستاذًا شفوقًا وناصحًا أمينًا! ولكنَّني زاملته في قسم اللغويات مُدَرِّسًا بعد عودته من السفر، ثم شاركته في تدريب السادة مدرسي المعاهد الأزهرية الذين تم اختيارهم من المناطق الأزهرية لحضور الدورة التدريبية الأولى التي عقدتها مشيخة الأزهر الشريف في عام ٢٠١٠م تقريبا حين أنشأت الشعبة الإسلامية الجديدة في الثانوية الأزهرية.
فقد شاء الله تعالى أن أكون من بين المدربين الذين تم اختيارهم في تخصص النحو والصرف والعروض لتدريب هؤلاء الأفاضل على تدريس كتب التراث لهذه الشعبة الجديدة. وكنت حينئذٍ مدرسًا جامعيًّا، وثالثَ جليلي القدر والعلم: أ.د/ محمد حسين عبد العزيز، والدكتور/ عادل محمود محمد سرور – رحمه الله تعالى ورضي عنه – وكان المشرف على تلك الدورة التدريبية الشيخ الجليل/ الطاهر الحامدي – متعه الله بالصحة والعافية – واشتركنا ثلاثتنا في وضع أسئلة التقييم نهاية الدورة التدريبية، كلُّ واحد منا وضع فيما حاضر، وقَيَّم فيما تناول من مادة إرشادية توجيهية،
ثمَّ ازداد التقارب والتعارف، فساد الإخاء والتآلف؛ بالمشاركة في عضوية الكنترول العام مدة قليلة لكنها كانت جليلة، تَجَلَّى لي فيها حُبُّهُ آلَ البيت والصالحين، وتَصَوُّفُ العلماءِ العاملين، وسماحةُ صالح المؤمنين، ووَلَعُهُ بالمطارحات النحوية والصرفية وتلاقح الأفكار وتبادل الآراء معي، ثمَّ انتقل العالم الجليل برغبته إلى كنترول مواد التخلف؛ لأنَّهُ – كما قال لي – أَقلُّ عملًا والتزامًا بالحضور، ويتناسب مع ظروف سفره الدعويّ إلى الصعيد، وما تقتضيه صحته من عمل غير مديد.
وفي أثناء المشاركة في أعمال الكنترول العام استوى الحُبّ في الله تعالى عندنا، وقويت الصلة بيننا، إذ كانت تجمعنا أمورٌ أخلاقية، ورسائل حياتية، ومُحاولةُ تقريب القواعد وتيسيرها للطلاب ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، فكنَّا نعيش داخل المسائل المدروسة أولًا إلى أن تستقر في عقولنا ونرتضيها، ثم نعرضها عليهم عرضًا تطبيقيًّا مناسبًا، فمن واجب أهل العلم نحو تراث الأمة في كل عصر – وليت قومي يعلمون -: أن يُقدموه لأبناء عصرهم بالطريقة التي تناسب عقولهم، وليس بطريقة العصر الذي كُتِبَ فيه، وللأسف هذه الطريقة هي السائدة، وقد نَفَّرَت الكثيرين، وأرهقت الدارسين، وظهرت جليةً في إعداد الكتاب الجامعيِّ المُعَمَّم، الذي ناله الذَّمُّ من المعلِّم الدقيقِ والمتعلِّم.
كان العالم الجليل يُقدّرني، ويَظُنُّ بي خيرًا، ويُشِيد بأخلاقي، وبما عرفه عن صلاح أبي، وكنتُ أُقدّره تقديرًا، وأحترمه احترامًا؛ فقد كان فريدًا في معاملته وتواضعه وسلامة قلبه، وفي تقديم علمه للآخرين في الجامعة وخارجها، محبًّا لآل البيت والعلماء والصالحين، وهو منهم، لا أزال أذكر أنَّهُ دعاني مرةً إلى الذهاب معه إلى مسجد أبي البركات الشيخ المالكي الجليل/ أحمد الدردير – رحمه الله تعالى ورضي عنه – لحضور مجلس علم وذكر يصحبه غداء طيب، وأخبرني أنَّ بعض الأساتذة الأجلاء ذاهبون معه، لكنني كنتُ مرتبطًا بموعدٍ محددٍ يومها فاعتذرت له، وشكرته على تلك الدعوة المخلصة الكريمة.
وكان يدور بيننا نقاش علميٌّ في بعض المسائل الدقيقة، لا أزال أذكر أنَّهُ سألني يومًا عن عبارة: (الجملة في محلِّ رفع خبر، أو: الجملة في محلِّ نصب حال، أو: الجملة في محل جر نعت)، كيف تضبط (خبر، وحال، ونعت) ضبطًا إعرابيًّا؟ فقلت له: أُنَوّن كلمات (رفعٍ، ونصبٍ، وجرٍّ) الواقعة مضافًا إليه قبلها، وأرفع كلمات (خبر، وحال، ونعت)، على أنَّها خبرٌ لمبتدأ محذوف، وأضع قبلها فاصلة ( ، ) توضيحًا لذلك، والتقدير: (هي خبرٌ، هي حالٌ، هي نعتٌ)، فأقول: (الجملة في محلِّ رفعٍ، خبرٌ، أو الجملة في محلِّ نصبٍ، حالٌ، أو الجملة في محل جرٍّ، نعتٌ)، ولا أستسيغ ضبط بعضهم لها بالجر، وهو : (الجملة في محلِّ رفعِ خبرٍ، أو الجملة في محلِّ نصبِ حالٍ، أو الجملة في محل جرِّ نعتِ).
ثمّ قلت له : وماذا ترى في ضبطها؟ فقال لي: رأيتُ فيها ما رأيتَ أنت، لكنني أحببتُ أن أستوثق من المعلومة، من باب التثبت والتأكد. وهذا ما أحرص عليه دائمًا.
وحين برزت لي ظاهرة (إصلاح اللفظ في العربية) في مسألتين أو ثلاث مسائل أول الأمر نالت اهتمامي، وجعلتني أرجع إلى ابن جني؛ فقد عقد في خصائصه بابًا في إصلاح اللفظ، وعَدَّ بعض صوره ومسائله، ونَبَّهَ القارئ إلى أنَّ هذا الباب كثيرٌ واسعٌ، ونصَحه بالتفطُّن له.
وقد تلقيتُ نُصْحَ فقيه العربية البارع في القرن الرابع الهجري بالسمع والطاعة، ويممتُ وجهي شطر كتب العربية، فوقفت على مسائل أخرى كثيرة غير ما ذكرها، وفي منتصف البحث جرى حديث بيني وبين عميد كلية اللغة العربية بالقاهرة حينئذٍ أ.د/ محمد حسين عبد العزيز – بارك الله عمره وصحته – وكنت راكبًا معه سيارته ذاهبين من الكلية إلى الجامعة، فأخبرته أنني أبحث في موضوع (إصلاح اللفظ) وقد قطعتُ فيه شوطًا، فأخبرني بأنَّ هناك كتابًا في هذا الموضوع عند د/ عادل محمود محمد سرور، وأنَّهُ كان سيكتب في هذا الموضوع، فلمَّا وقف على هذا الكتاب امتنع عن الكتابة فيه، فقلتُ لسعادة العميد حينها: وأنا سأتوقف عن إتمامه مع أنني انتهيتُ من نصف البحث تقريبًا، فقال لي: أنصحك أن تنظر في الكتاب أولًا، ثم تُقرّر ما تراه مناسبًا بعدُ، فإن وجدت ما فيه هو ما ستفعله فتوقف، وإن وجدت اختلافًا بيِّنًا فأتمم بحثك، ولكل باحثٍ جهده وطريقته ومنهجه وما يُميزه، فتوقفتُ عن الاستمرار في هذا البحث مدةً إلى أن حصلتُ على نسخة الكتاب التي عند أخي العلامة الحبيب د/ عادل محمود محمد سرور، وقد كان معي في الكنترول العام حينئذٍ، وقد قال لي حين أخبرته ببحثي المتوقف: (إنَّهُ كان قد أعدَّ خطةً لدراسة هذا الموضوع، فلمَّا عرف هذا الكتاب ونظر فيه وجد أنَّ خطته هي خطته الموضوعة، فأحجم عن الكتابة فيه)، فطلبتُ منه نسخة الكتاب للاطلاع عليه، فرحَّب بذلك ترحيبًا، وانتظرت وطال الانتظار؛ إذ كان ينسى أن يأتي بها معه، وتكرَّر ذلك منه، فاتصلتُ به ليلًا قبل اليوم الذي سيحضر فيه إلى الكنترول العام، فقال لي: أحسنت صنعًا يا د/ أحمد، وجزاك الله خيرًا، سأضعه الآن في حقيبتي حتى لا أنساه، وأتركه لك في درج المكتب غدًا، فأخذتُ الكتابَ، ونظرتُ فيه، فإذا هو لم يخرج عما ذكره ابن جني، وكان عنوانه (إصلاح اللفظ: دراسة تحليلية لما ورد في الخصائص لابن جني)، ثم رددت الكتاب إلى أخي العلامة الحبيب د/ عادل محمود سرور بعد أن انتهت حاجتي إليه، وازددت إصرارًا على مواصلة بحثي؛ لسببين:
أحدهما: أنَّ طريقة معالجتي كانت منصبةً على إيضاح مسائل الإصلاح، والإفصاح عنها، بعيدةً عن الاستطراد والدخول في أشياء فرعية لا تمت إلى الظاهرة بصلة.
والآخر: تنفيذ نصيحة ابن جني بالتفطُّن لمسائل الإصلاح في كتب العربية؛ لأنَّهُ بابٌ واسعٌ.
ولم أدّع الإحاطة بوسائل الإصلاح كلها، بحيث لم تندّ مني وسيلةٌ، أو تعزب عني مسألةٌ، لكنني اجتهدتُ في استقصائها، وتأنيتُ في استدعائها، وتَمَهَّلْتُ في تصنيفها، ووسَّعْتُ دائرة البحث ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ونُشِرَ هذا البحثُ في مجلة الكلية العريقة بعد تقديره والثناء عليه قبل النشر، وللأسف لم يجد من يُقدّره فيما بعد النشر.
وكان العالم الجليل كريمًا في علمه، كريمًا في خلقه، كريمًا في مجلسه، كريمًا في معاملته، تدخل عليه الكنترول العام فيقوم إليك مسلمًا متهللًا، ويجلس معك مرحّبًا مُصرًّا على أن تتناول شيئًا من طعامه الموجود، أو تأخذ شيئًا من المخبوزات المتنوعة التي قد أرسل العامل للمجيء بها، ويقول لك: (بصلة المحب خروف)، وإذا هممنا بالانصراف من الكلية، وكان منصرفنا واحدًا آثر أن يستقلني معه في سيارته إلى حيث يختلف طريقنا.
وقد حدَّثني مرةً عن برِّه بجيرانه، وإهدائه لهم من طعامه، وأنَّهُ ظلَّ على ذلك الأمر، وهو خارج البلاد معارًا؛ فقد كان يفعل ذلك مع بعض زملائه، ولا ينتظر منهم شيئًا، سوى أنَّهُ يمتثل لتعاليم النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – فكلَّما صنعت زوجه الكريمة/ أم محمود طعامًا غرفت لجيرانها منه وقدمته إليهم، لكنَّ الذين لم يألفوا هذه المعاملة الكريمة المتكررة لم يقدروا صنيعه، ولم يحمدوا طريقه، فقال له زميله: يا د/ عادل، قل للسيدة/ أم محمود: لا تفعل ذلك مرةً أخرى؛ لأنَّنا لا نحتاج إلى هذا الطعام، ونُلقيه في سلة المهملات ولا نأكله، فتوقف حينئذٍ عن ذلك الصنيع، وقد أَدَّى ما عليه امتثالًا لتوجيهات الحبيب الشفيع.
وقد ظهرت براعته في تخصصه العلمي براعةً محمودة بشهادة طلابه ومستمعيه، ففاق رفاقه، وبزَّ معاصريه، على الرغم من تأخر ترقيته كثيرًا، فما كان العلم يومًا بالدرجات، بل بما تنضح به المدرجات، وقد كان بعض شيوخنا يقول: (العالم من شهد له طلابه في درسه، وليس من شهدت له درجته)، وتلك حقيقة وواقع، فقد جيء بي مرتين استجابة لشكوى الطلبة، ولمعالجة قصور صاحب أعلى درجة، إحداهما وأنا مدرس في عهد أستاذنا العلامة أ.د/ صبحي عبد الحميد، والأخرى وأنا من أصحاب تلك الدرجة، التي لم تعد الدليل الواضح على وجود العلم والعمل عند بعضهم، فقد جعلت أخلاقهم عبارةً عن غرورٍ وخَطَل، وصيَّرت حظَّهم من العلم أمْشَاجًا من كبر وكسل،
لقد ألَّفَ العالمُ الجليلُ كتاب (الدرر السنية في قواعد العربية) مشتركًا فيه مع رفيق دربه، وخير جيله علمًا وخلقًا أ.د/ محمد حسين عبد العزيز، فجاء الكتابُ في ثلاثة أجزاء عجَّت بالفوائد، ومُلئت بالفرائد، مع كثرة التطبيق، وجودة التعليق، وإحكام التوثيق؛ فيسَّر القواعدَ وقرَّب، وشرَّق وغرَّب، تراه في يد المصريّ، وبحوزة أخيه الإفريقي، وفي حقيبة الأسيويّ، وقد وَقَعَ موقعًا حسنًا في أنفس الدارسين، وحرص على اقتنائه أكثر الباحثين.
وشاء الله تعالى أن يؤلف بعض الأبحاث العلمية الدقيقة التي نال بها درجة “أستاذ مساعد” قبيل وفاته، ومثله لا يكتب شيئًا لا تقبله نفسه، ولا يرتضيه عقله، فليس جمَّاعة للنصوص – فيما أرى – من أجل الجمع والتكثير للصفحات، بل من أجل التحليل والتقرير، بعد ضمِّ النظير إلى النظير.
وهاك أبحاثه المنشورةَ التي رُقِّي بها عاجَّةً بجهده وعُمْقِ نظره عجًّا، بعد أن حقَّقها تحقيقًا، وجوَّدها تجويدًا، فلله درُّه باحثًا!
1- الإيضاح والإكمال لقول المعربين الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال. كان قد نشره عام 2002م طبعة الجريسي، ثمَّ أعاد نشره في المجلة نزولًا على مقتضى القواعد الجديدة لبحوث الترقيات.
2- اللبس ووسائل رفعه في الدرس الصرفي، نشره في مجلة كلية اللغة العربية بالقاهرة، في العدد السادس والعشرين، عام 2007م.
3- الإِقحام في التراكيب العربية، دراسة في ضوء التراث النحوي. نشره في مجلة كلية الآداب بجامعة المنصورة، في العدد السابع والثلاثين، عام 2005م، وتوجد نسخة منه على الشبكة العنكبوتية بصيغة”بي دي إف”.
4- تعارض المانع والمقتضى في ضوء التراث النحوي والصرفي. وكان قد أخبرني بتلك الفكرة البحثية في مستهل شروعه فيها، وقد نشره في مجلة قطاع كليات اللغة العربية بالقاهرة، العدد العاشر، عام 2016م.
5- ميزان الذهب في مسائلِ الخلاف بين سيبوَيْهِ والمبرد في التصغير والنسب، نشره في مجلة كلية اللغة العربية بالقاهرة عام 2017م بالعدد الخامس والثلاثين، وكان خير استفتاح لبحوث ذلك العدد، وتلاه بحثي المسمى بـ(المعايير النصية في سورة نوح عليه السلام).
وبعد أن قضى العالم الجليل نحبه، ولبى نداء ربه لم أجد مَن يُبادلني المشاورة اللغوية، ولا المطارحة النحوية، ولا المناقشة الإعرابية، ولا المحاورة الصوفية. لا أزال أذكر أننا تحاورنا يومًا ما عن التصوف الذي هو أخلاق عملية لا مظاهر عامية، وعن الصوفي الحقيقي لا الصوفي العاميّ، فذكر أقوالًا لعلمائنا السابقين لا يحضرني ذكرها، وكان مما ذكرته له في ذلك السياق أنَّ أفضل ما قيل في تعريف الصوفي ما قاله أبو علي الروذباري – رحمه الله تعالى – عندما سئل عن الصوفي، فقال: الصوفي من لبس الصوف على الصفا، وأطعم الهوى ذوق الجفا، وكانت الدنيا منه على القفا، وسلك منهاج النبي المصطفى.
وكان العالم الجليل يُقَدِّر أساتذته الأجلاء، ويشيد بدورهم معه توجيهًا وإرشادًا ومناقشةً، لا أزال أذكر ثناءه المتكرر على أستاذنا د/ إبراهيم حسن إبراهيم، وغزارة علمه، وحسن عرضه، وحرصه على مناقشة القسم في بعض المسائل واستماع آراء الآخرين، ولا أزال أذكر كلامه عن مشرفه الجليل في مرحلتي التخصص ” الماجستير” والعالمية “الدكتوراه” أستاذنا د/ صبحي عبد الحميد، الذي كان يتابعه متابعةً جيدةً، ويحثه على مواصلة البحث والإنجاز، وأنَّ من توفيق الله له أنَّ مشرفه كان يقيم في حيه السكني، فجاد له بالكثير من الوقت، وسمح له بالزيارة المتكررة في البيت للمتابعة والتوجيه والإرشاد، وأنَّ هذا قد أفاده كثيرًا.
ومواقفي مع مثل أ.د/ عادل محمود محمد سرور لا تكاد تنتهي، فقد تعددت في اجتماعاتنا العلمية النقاشات والأقوال، وتنوعت مشاركاتنا في بعض اللجان والأعمال، ومنها خارج الجامعة: تحكيم (مسابقة سيبويه في إعراب القرآن الكريم) التي كانت تُعِدها قناة الفجر الفضائية قبل أن تنسفها نسفًا القرارات الملكية؛ لتصريح صاحبها بتأييد الثورات العربية، وقد كان العالم الجليل هيِّنًا ليِّنًا سَهْلًا قريبًا من الناس، يألف ويؤلف، وهكذا المؤمن، فما ذكرته عنه ما هو إلا شذرات قليلة جادت بها الذاكرة، واتسع لها الوقت؛ فظهرت في مرآة المؤمن لأخيه المؤمن، واللهَ أسأل لي وله المغفرة والرحمة والرضوان، ومعية النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وختامًا أقول:
كانت ولادة العالم الصريح اللغوي النبيل الصوفي الجليل أ.د/ عادل محمود محمد في حي بيجام، بمنطقة شُبْرَا الخِيمة، محافظة القليوبيَّة في يوم الأحد، الموافق الخامس من شهر يونيو، عام 1960م.
وكانت وفاته في يوم الجمعة، الموافق الثاني والعشرين من شهر سبتمبر، عام 2017م.
فسلامٌ على العالم الصريح اللغوي النبيل الصوفي الجليل أ.د/ عادل محمود محمد سرور في العلماء العاملين، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
مع خالص تحياتي:
د/أحمد عيد
15 مارس 2021م./ عادل محمود محمد سرور:
العالم الصريح، اللغوي الفصيح، الخطيب النصيح، النحوي الساطع، الصرفي اللامع، العروضي الرائع، الصوفي المتواضع، المحبوب من أساتذته وزملائه وطلابه وقُصَّاده، باعث السرور بين مقابليه ومجالسيه، وناشر الْحُبُور بين تلامذته ومريديه،
إن ألَّف كتابًا ما أو ألقى محاضرةً كانت القواعد ميسرة، والفوائد محررة، والفرائد مقررة، فصار قريبًا من قرائه وطلابه ومستمعيه بدقة فهمه، وحسن عرضه، وسرعة بديهته، وسهولة عبارته، ولين معاملته، ومزاح مناقشته، لا تفارقه الابتسامة، ولا يفارق الاستقامة.
كان كريم الطبع، ليِّن الجانب، محبًّا للخير، يَسْعَى في الإصلاح بين المتخاصمين سعيًا حثيثًا، فيبذل نصحًا ويُقدّم عذرًا للشَّمُوس الجامح، لعله يرضى أو يَرْعَوِي، أو يَذَّكر فينتهي، ويظلُّ يُكرّر له ذلك إلى حين يتبين له أنَّ تكرار النصيحة سيؤدي إلى وقوع القطيعة مع شخصه المُشْفِق الناصح بتصريح من الشَّمُوسِ الجامح، فيتوقف ما دام سيترتب على محاولة إزالة المفسدة مفسدة أخرى، فيأسف على حال صاحبه، ويقول: ما تركتُ نصحه حتى قال لي: (إذا تكلمت معي في هذا الموضوع مرة أخرى فستنتهي العلاقة بيننا)، فأُعْلِنُ له المشاركة في الأسف قائلًا: قدمت له النصيحةَ قبلَك وما استجاب لي ولا آب، وقدَّمها آخرون كبارٌ قبلنا فما استجاب لهم ولا أناب، وما عليَّ وعليكَ إلا صدقُ النصيحة، ومحاولة إزالة القطيعة، وقد فعلنا ذلك، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
لم أَكن من الذين درَّسَ لهم العالم الحبيب، وما أسعدهم بالأخذ عنه عالمًا خلوقًا وأستاذًا شفوقًا وناصحًا أمينًا! ولكنَّني زاملته في قسم اللغويات مُدَرِّسًا بعد عودته من السفر، ثم شاركته في تدريب السادة مدرسي المعاهد الأزهرية الذين تم اختيارهم من المناطق الأزهرية لحضور الدورة التدريبية الأولى التي عقدتها مشيخة الأزهر الشريف في عام ٢٠١٠م تقريبا حين أنشأت الشعبة الإسلامية الجديدة في الثانوية الأزهرية.
فقد شاء الله تعالى أن أكون من بين المدربين الذين تم اختيارهم في تخصص النحو والصرف والعروض لتدريب هؤلاء الأفاضل على تدريس كتب التراث لهذه الشعبة الجديدة. وكنت حينئذٍ مدرسًا جامعيًّا، وثالثَ جليلي القدر والعلم: أ.د/ محمد حسين عبد العزيز، والدكتور/ عادل محمود محمد سرور – رحمه الله تعالى ورضي عنه – وكان المشرف على تلك الدورة التدريبية الشيخ الجليل/ الطاهر الحامدي – متعه الله بالصحة والعافية – واشتركنا ثلاثتنا في وضع أسئلة التقييم نهاية الدورة التدريبية، كلُّ واحد منا وضع فيما حاضر، وقَيَّم فيما تناول من مادة إرشادية توجيهية،
ثمَّ ازداد التقارب والتعارف، فساد الإخاء والتآلف؛ بالمشاركة في عضوية الكنترول العام مدة قليلة لكنها كانت جليلة، تَجَلَّى لي فيها حُبُّهُ آلَ البيت والصالحين، وتَصَوُّفُ العلماءِ العاملين، وسماحةُ صالح المؤمنين، ووَلَعُهُ بالمطارحات النحوية والصرفية وتلاقح الأفكار وتبادل الآراء معي، ثمَّ انتقل العالم الجليل برغبته إلى كنترول مواد التخلف؛ لأنَّهُ – كما قال لي – أَقلُّ عملًا والتزامًا بالحضور، ويتناسب مع ظروف سفره الدعويّ إلى الصعيد، وما تقتضيه صحته من عمل غير مديد.
وفي أثناء المشاركة في أعمال الكنترول العام استوى الحُبّ في الله تعالى عندنا، وقويت الصلة بيننا، إذ كانت تجمعنا أمورٌ أخلاقية، ورسائل حياتية، ومُحاولةُ تقريب القواعد وتيسيرها للطلاب ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، فكنَّا نعيش داخل المسائل المدروسة أولًا إلى أن تستقر في عقولنا ونرتضيها، ثم نعرضها عليهم عرضًا تطبيقيًّا مناسبًا، فمن واجب أهل العلم نحو تراث الأمة في كل عصر – وليت قومي يعلمون -: أن يُقدموه لأبناء عصرهم بالطريقة التي تناسب عقولهم، وليس بطريقة العصر الذي كُتِبَ فيه، وللأسف هذه الطريقة هي السائدة، وقد نَفَّرَت الكثيرين، وأرهقت الدارسين، وظهرت جليةً في إعداد الكتاب الجامعيِّ المُعَمَّم، الذي ناله الذَّمُّ من المعلِّم الدقيقِ والمتعلِّم.
كان العالم الجليل يُقدّرني، ويَظُنُّ بي خيرًا، ويُشِيد بأخلاقي، وبما عرفه عن صلاح أبي، وكنتُ أُقدّره تقديرًا، وأحترمه احترامًا؛ فقد كان فريدًا في معاملته وتواضعه وسلامة قلبه، وفي تقديم علمه للآخرين في الجامعة وخارجها، محبًّا لآل البيت والعلماء والصالحين، وهو منهم، لا أزال أذكر أنَّهُ دعاني مرةً إلى الذهاب معه إلى مسجد أبي البركات الشيخ المالكي الجليل/ أحمد الدردير – رحمه الله تعالى ورضي عنه – لحضور مجلس علم وذكر يصحبه غداء طيب، وأخبرني أنَّ بعض الأساتذة الأجلاء ذاهبون معه، لكنني كنتُ مرتبطًا بموعدٍ محددٍ يومها فاعتذرت له، وشكرته على تلك الدعوة المخلصة الكريمة.
وكان يدور بيننا نقاش علميٌّ في بعض المسائل الدقيقة، لا أزال أذكر أنَّهُ سألني يومًا عن عبارة: (الجملة في محلِّ رفع خبر، أو: الجملة في محلِّ نصب حال، أو: الجملة في محل جر نعت)، كيف تضبط (خبر، وحال، ونعت) ضبطًا إعرابيًّا؟ فقلت له: أُنَوّن كلمات (رفعٍ، ونصبٍ، وجرٍّ) الواقعة مضافًا إليه قبلها، وأرفع كلمات (خبر، وحال، ونعت)، على أنَّها خبرٌ لمبتدأ محذوف، وأضع قبلها فاصلة ( ، ) توضيحًا لذلك، والتقدير: (هي خبرٌ، هي حالٌ، هي نعتٌ)، فأقول: (الجملة في محلِّ رفعٍ، خبرٌ، أو الجملة في محلِّ نصبٍ، حالٌ، أو الجملة في محل جرٍّ، نعتٌ)، ولا أستسيغ ضبط بعضهم لها بالجر، وهو : (الجملة في محلِّ رفعِ خبرٍ، أو الجملة في محلِّ نصبِ حالٍ، أو الجملة في محل جرِّ نعتِ).
ثمّ قلت له : وماذا ترى في ضبطها؟ فقال لي: رأيتُ فيها ما رأيتَ أنت، لكنني أحببتُ أن أستوثق من المعلومة، من باب التثبت والتأكد. وهذا ما أحرص عليه دائمًا.
وحين برزت لي ظاهرة (إصلاح اللفظ في العربية) في مسألتين أو ثلاث مسائل أول الأمر نالت اهتمامي، وجعلتني أرجع إلى ابن جني؛ فقد عقد في خصائصه بابًا في إصلاح اللفظ، وعَدَّ بعض صوره ومسائله، ونَبَّهَ القارئ إلى أنَّ هذا الباب كثيرٌ واسعٌ، ونصَحه بالتفطُّن له.
وقد تلقيتُ نُصْحَ فقيه العربية البارع في القرن الرابع الهجري بالسمع والطاعة، ويممتُ وجهي شطر كتب العربية، فوقفت على مسائل أخرى كثيرة غير ما ذكرها، وفي منتصف البحث جرى حديث بيني وبين عميد كلية اللغة العربية بالقاهرة حينئذٍ أ.د/ محمد حسين عبد العزيز – بارك الله عمره وصحته – وكنت راكبًا معه سيارته ذاهبين من الكلية إلى الجامعة، فأخبرته أنني أبحث في موضوع (إصلاح اللفظ) وقد قطعتُ فيه شوطًا، فأخبرني بأنَّ هناك كتابًا في هذا الموضوع عند د/ عادل محمود محمد سرور، وأنَّهُ كان سيكتب في هذا الموضوع، فلمَّا وقف على هذا الكتاب امتنع عن الكتابة فيه، فقلتُ لسعادة العميد حينها: وأنا سأتوقف عن إتمامه مع أنني انتهيتُ من نصف البحث تقريبًا، فقال لي: أنصحك أن تنظر في الكتاب أولًا، ثم تُقرّر ما تراه مناسبًا بعدُ، فإن وجدت ما فيه هو ما ستفعله فتوقف، وإن وجدت اختلافًا بيِّنًا فأتمم بحثك، ولكل باحثٍ جهده وطريقته ومنهجه وما يُميزه، فتوقفتُ عن الاستمرار في هذا البحث مدةً إلى أن حصلتُ على نسخة الكتاب التي عند أخي العلامة الحبيب د/ عادل محمود محمد سرور، وقد كان معي في الكنترول العام حينئذٍ، وقد قال لي حين أخبرته ببحثي المتوقف: (إنَّهُ كان قد أعدَّ خطةً لدراسة هذا الموضوع، فلمَّا عرف هذا الكتاب ونظر فيه وجد أنَّ خطته هي خطته الموضوعة، فأحجم عن الكتابة فيه)، فطلبتُ منه نسخة الكتاب للاطلاع عليه، فرحَّب بذلك ترحيبًا، وانتظرت وطال الانتظار؛ إذ كان ينسى أن يأتي بها معه، وتكرَّر ذلك منه، فاتصلتُ به ليلًا قبل اليوم الذي سيحضر فيه إلى الكنترول العام، فقال لي: أحسنت صنعًا يا د/ أحمد، وجزاك الله خيرًا، سأضعه الآن في حقيبتي حتى لا أنساه، وأتركه لك في درج المكتب غدًا، فأخذتُ الكتابَ، ونظرتُ فيه، فإذا هو لم يخرج عما ذكره ابن جني، وكان عنوانه (إصلاح اللفظ: دراسة تحليلية لما ورد في الخصائص لابن جني)، ثم رددت الكتاب إلى أخي العلامة الحبيب د/ عادل محمود سرور بعد أن انتهت حاجتي إليه، وازددت إصرارًا على مواصلة بحثي؛ لسببين:
أحدهما: أنَّ طريقة معالجتي كانت منصبةً على إيضاح مسائل الإصلاح، والإفصاح عنها، بعيدةً عن الاستطراد والدخول في أشياء فرعية لا تمت إلى الظاهرة بصلة.
والآخر: تنفيذ نصيحة ابن جني بالتفطُّن لمسائل الإصلاح في كتب العربية؛ لأنَّهُ بابٌ واسعٌ.
ولم أدّع الإحاطة بوسائل الإصلاح كلها، بحيث لم تندّ مني وسيلةٌ، أو تعزب عني مسألةٌ، لكنني اجتهدتُ في استقصائها، وتأنيتُ في استدعائها، وتَمَهَّلْتُ في تصنيفها، ووسَّعْتُ دائرة البحث ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ونُشِرَ هذا البحثُ في مجلة الكلية العريقة بعد تقديره والثناء عليه قبل النشر، وللأسف لم يجد من يُقدّره فيما بعد النشر.
وكان العالم الجليل كريمًا في علمه، كريمًا في خلقه، كريمًا في مجلسه، كريمًا في معاملته، تدخل عليه الكنترول العام فيقوم إليك مسلمًا متهللًا، ويجلس معك مرحّبًا مُصرًّا على أن تتناول شيئًا من طعامه الموجود، أو تأخذ شيئًا من المخبوزات المتنوعة التي قد أرسل العامل للمجيء بها، ويقول لك: (بصلة المحب خروف)، وإذا هممنا بالانصراف من الكلية، وكان منصرفنا واحدًا آثر أن يستقلني معه في سيارته إلى حيث يختلف طريقنا.
وقد حدَّثني مرةً عن برِّه بجيرانه، وإهدائه لهم من طعامه، وأنَّهُ ظلَّ على ذلك الأمر، وهو خارج البلاد معارًا؛ فقد كان يفعل ذلك مع بعض زملائه، ولا ينتظر منهم شيئًا، سوى أنَّهُ يمتثل لتعاليم النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – فكلَّما صنعت زوجه الكريمة/ أم محمود طعامًا غرفت لجيرانها منه وقدمته إليهم، لكنَّ الذين لم يألفوا هذه المعاملة الكريمة المتكررة لم يقدروا صنيعه، ولم يحمدوا طريقه، فقال له زميله: يا د/ عادل، قل للسيدة/ أم محمود: لا تفعل ذلك مرةً أخرى؛ لأنَّنا لا نحتاج إلى هذا الطعام، ونُلقيه في سلة المهملات ولا نأكله، فتوقف حينئذٍ عن ذلك الصنيع، وقد أَدَّى ما عليه امتثالًا لتوجيهات الحبيب الشفيع.
وقد ظهرت براعته في تخصصه العلمي براعةً محمودة بشهادة طلابه ومستمعيه، ففاق رفاقه، وبزَّ معاصريه، على الرغم من تأخر ترقيته كثيرًا، فما كان العلم يومًا بالدرجات، بل بما تنضح به المدرجات، وقد كان بعض شيوخنا يقول: (العالم من شهد له طلابه في درسه، وليس من شهدت له درجته)، وتلك حقيقة وواقع، فقد جيء بي مرتين استجابة لشكوى الطلبة، ولمعالجة قصور صاحب أعلى درجة، إحداهما وأنا مدرس في عهد أستاذنا العلامة أ.د/ صبحي عبد الحميد، والأخرى وأنا من أصحاب تلك الدرجة، التي لم تعد الدليل الواضح على وجود العلم والعمل عند بعضهم، فقد جعلت أخلاقهم عبارةً عن غرورٍ وخَطَل، وصيَّرت حظَّهم من العلم أمْشَاجًا من كبر وكسل،
لقد ألَّفَ العالمُ الجليلُ كتاب (الدرر السنية في قواعد العربية) مشتركًا فيه مع رفيق دربه، وخير جيله علمًا وخلقًا أ.د/ محمد حسين عبد العزيز، فجاء الكتابُ في ثلاثة أجزاء عجَّت بالفوائد، ومُلئت بالفرائد، مع كثرة التطبيق، وجودة التعليق، وإحكام التوثيق؛ فيسَّر القواعدَ وقرَّب، وشرَّق وغرَّب، تراه في يد المصريّ، وبحوزة أخيه الإفريقي، وفي حقيبة الأسيويّ، وقد وَقَعَ موقعًا حسنًا في أنفس الدارسين، وحرص على اقتنائه أكثر الباحثين.
وشاء الله تعالى أن يؤلف بعض الأبحاث العلمية الدقيقة التي نال بها درجة “أستاذ مساعد” قبيل وفاته، ومثله لا يكتب شيئًا لا تقبله نفسه، ولا يرتضيه عقله، فليس جمَّاعة للنصوص – فيما أرى – من أجل الجمع والتكثير للصفحات، بل من أجل التحليل والتقرير، بعد ضمِّ النظير إلى النظير.
وهاك أبحاثه المنشورةَ التي رُقِّي بها عاجَّةً بجهده وعُمْقِ نظره عجًّا، بعد أن حقَّقها تحقيقًا، وجوَّدها تجويدًا، فلله درُّه باحثًا!
1- الإيضاح والإكمال لقول المعربين الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال. كان قد نشره عام 2002م طبعة الجريسي، ثمَّ أعاد نشره في المجلة نزولًا على مقتضى القواعد الجديدة لبحوث الترقيات.
2- اللبس ووسائل رفعه في الدرس الصرفي، نشره في مجلة كلية اللغة العربية بالقاهرة، في العدد السادس والعشرين، عام 2007م.
3- الإِقحام في التراكيب العربية، دراسة في ضوء التراث النحوي. نشره في مجلة كلية الآداب بجامعة المنصورة، في العدد السابع والثلاثين، عام 2005م، وتوجد نسخة منه على الشبكة العنكبوتية بصيغة”بي دي إف”.
4- تعارض المانع والمقتضى في ضوء التراث النحوي والصرفي. وكان قد أخبرني بتلك الفكرة البحثية في مستهل شروعه فيها، وقد نشره في مجلة قطاع كليات اللغة العربية بالقاهرة، العدد العاشر، عام 2016م.
5- ميزان الذهب في مسائلِ الخلاف بين سيبوَيْهِ والمبرد في التصغير والنسب، نشره في مجلة كلية اللغة العربية بالقاهرة عام 2017م بالعدد الخامس والثلاثين، وكان خير استفتاح لبحوث ذلك العدد، وتلاه بحثي المسمى بـ(المعايير النصية في سورة نوح عليه السلام).
وبعد أن قضى العالم الجليل نحبه، ولبى نداء ربه لم أجد مَن يُبادلني المشاورة اللغوية، ولا المطارحة النحوية، ولا المناقشة الإعرابية، ولا المحاورة الصوفية. لا أزال أذكر أننا تحاورنا يومًا ما عن التصوف الذي هو أخلاق عملية لا مظاهر عامية، وعن الصوفي الحقيقي لا الصوفي العاميّ، فذكر أقوالًا لعلمائنا السابقين لا يحضرني ذكرها، وكان مما ذكرته له في ذلك السياق أنَّ أفضل ما قيل في تعريف الصوفي ما قاله أبو علي الروذباري – رحمه الله تعالى – عندما سئل عن الصوفي، فقال: الصوفي من لبس الصوف على الصفا، وأطعم الهوى ذوق الجفا، وكانت الدنيا منه على القفا، وسلك منهاج النبي المصطفى.
وكان العالم الجليل يُقَدِّر أساتذته الأجلاء، ويشيد بدورهم معه توجيهًا وإرشادًا ومناقشةً، لا أزال أذكر ثناءه المتكرر على أستاذنا د/ إبراهيم حسن إبراهيم، وغزارة علمه، وحسن عرضه، وحرصه على مناقشة القسم في بعض المسائل واستماع آراء الآخرين، ولا أزال أذكر كلامه عن مشرفه الجليل في مرحلتي التخصص ” الماجستير” والعالمية “الدكتوراه” أستاذنا د/ صبحي عبد الحميد، الذي كان يتابعه متابعةً جيدةً، ويحثه على مواصلة البحث والإنجاز، وأنَّ من توفيق الله له أنَّ مشرفه كان يقيم في حيه السكني، فجاد له بالكثير من الوقت، وسمح له بالزيارة المتكررة في البيت للمتابعة والتوجيه والإرشاد، وأنَّ هذا قد أفاده كثيرًا.
ومواقفي مع مثل أ.د/ عادل محمود محمد سرور لا تكاد تنتهي، فقد تعددت في اجتماعاتنا العلمية النقاشات والأقوال، وتنوعت مشاركاتنا في بعض اللجان والأعمال، ومنها خارج الجامعة: تحكيم (مسابقة سيبويه في إعراب القرآن الكريم) التي كانت تُعِدها قناة الفجر الفضائية قبل أن تنسفها نسفًا القرارات الملكية؛ لتصريح صاحبها بتأييد الثورات العربية، وقد كان العالم الجليل هيِّنًا ليِّنًا سَهْلًا قريبًا من الناس، يألف ويؤلف، وهكذا المؤمن، فما ذكرته عنه ما هو إلا شذرات قليلة جادت بها الذاكرة، واتسع لها الوقت؛ فظهرت في مرآة المؤمن لأخيه المؤمن، واللهَ أسأل لي وله المغفرة والرحمة والرضوان، ومعية النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وختامًا أقول:
كانت ولادة العالم الصريح اللغوي النبيل الصوفي الجليل أ.د/ عادل محمود محمد سرور في حي بيجام، بمنطقة شُبْرَا الخِيمة، محافظة القليوبيَّة في يوم الأحد، الموافق الخامس من شهر يونيو، عام 1960م.
وكانت وفاته في يوم الجمعة، الموافق الثاني والعشرين من شهر سبتمبر، عام 2017م.
فسلامٌ على العالم الصريح اللغوي النبيل الصوفي الجليل أ.د/ عادل محمود محمد سرور في العلماء العاملين، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
مع خالص تحياتي:
د/أحمد عيد
15 مارس 2021م.

