الطبع والتقنية في النص الشعري
متابعة / إيمان الحملي
بقلم /الناقد دكتور رمضان الحضري
من يهتم بوضع الأمور في نصابها سيدرك _ جيداً _ أن كثيراً
من المسلمات التي عشنا عليها ونرددها باعتبارها حقائق ثابتة
قد وجب علينا الآن أن نعيد النظر فيها مثل الطبع والصنعة
باعتبارهما متناقضين ، والأصالة والمعاصرة باعتبارهما زمنين
مختلفين ، والحق أن ميراث العرب النقدي ضخم للغاية وكبير جدا
وجميعه يتأرجح بين الطبع والتقنية أو ماكانوا يسمونه الصنعة ، وأنا
أسميها الآن التقنية ، فقريبا سينتهي ما يسمى بالصنعة ؛ ليحل
محلها التقنيات التي بدأت تحتل العالم بدلا من كلمة الصنعة ،
فالتطور يدخل على المفردات كما يدخل على الإنسان ، فقد حلت
البنية بدلا من النظم ، وحلت الكونية بدلا من التوليدية ، وحلت
الميكنة بدلا من اليد العاملة ، أوليس كذلك ؟!
حينما يحل الصراف الآلي مكان الصراف الإنسان فهذا لايعني عندي
تطورا بقدر ما يعني أن الصراف الإنسان فقد أهميته لدرجة أن هناك
تقنية قد حلت محله ، ولم يستطع أن يصمد أمام هذه التقنية .
إن الطبع من وجهة نظري معنوي ومادي ، وليس معنويا فقط كما
تشير الدراسات السابقة له بانه هو الخصلة أو السجية ، لكن جمال
شعر المرأة على رأسها هو طبع ، حيث إنه فطرة من الله لها ومنحة
من رب العباد لها ، وجمال عيون المرأة هي طبع وفطرة من الله ،
وجمال صوت الرجل والمرأة فطرة وطبع ومنحة من الله ، والتقنية
تكمن في استخدام هذا الطبع ، فحينما تغني أم كلثوم ( أغار من نسمة
الجنوب على محياك ياحبيبي ) فهنا تكمن التقنية في كيفية توظيف
الطبع ، وهي تشبه تماما كيف تضع الجميلة كحلا رائعا يزين عينيها
الجميلتين فيزيدهما بريقا وروعة ، وكيف تنظم وتنسق ذات الشعر
الجميل شعرها فيزيده بهاء ورونقا ، وكيف ترتدي ذات الكيان
الجسدي الجميل ثياباُ تجعل أنوثتها نهرا يفيض بين شطوط ثيابها
فلا يوجد عندي من يسمى بالشاعر المطبوع والشاعر المصنوع ، فإذا
لم يكن الشاعر مطبوعا فلن يجيد كتابة الشعر من أصله ، فالطبع
يفرق بين الشاعر واللا شاعر كما يقول عمدة نقاد مصر / حاتم
عبدالهادي السيد فحينما يقول شاعر العرب الاستثناء / علي عمران
*******
على أعتَابِ عينَيكِ
وقَفْتُ، وقُلتُ: لبَّيكِ
صَعدِتُ إلى روَابِي الكُحلِ
موصُولًا بِجفْنَيكِ
وَرُحتُ أَحُطُّ كالعُصفُورِ
مِنْ أيْكٍ… إلى أَيْكِ
رسَمْتُ قصيدَتي وَشْمًا
على بِلَّوْرِ فخذَيكِ
عزَفْتُ على “كَمَانِ” الدَّمعِ
في بُسْتانِ كفَّيكِ
وَرَاقَصتُ المَهَا “تانْجُو”
على رَنَّاتِ كعبَيكِ
بَعَثْتُ صبَابَتِي بَجَعًا
يُحَوِّمُ حوْلَ قُرطَيكِ
ليشْرَحَ كيفَ دَقَّ الحُسْنُ
شَامَتَهُ بِخدَّيكِ
ولمَّا ضَمَّهُ الفُسْتانُ
راحَ يشُمُّ نهْدَيكِ
ويزحَفُ نحوَ شَمسِ النُّورِ
في ملَكُوتِ رِدفَيْكِ
بَنَى سُوْرًا مِنَ النَّعنَاعِ
حَولَ نبيذِ رِجلَيكِ
وأَشْهَرَ حُبَّه، وأنَابَ
في مِحرابِ عينَيكِ
فجَاءَ الطَّيرُ مِنْ أعلَى
الجِنَانِ يبُوسُ نعلَيكِ
منذ المتوالية الأولى ( على أعتاب عينيك وقفت أقول لبيكِ ) لبيك
تعني الإجابة عن نداء ، ولم يشر الكاتب إلى أي نداء ، لكن جمال
الشعور وجمال التقنية يصنعان مالاتصنعه الكلمات ، فتفكيك
الحادثة ، أن عيون محبوبتي نادتني بنظرة ، فوقفت على الأعتاب
لأني أجلُّ وأحترم وأعرف قدر هذه العيون ، وأجبتُ النداء بما يجيب
المؤمن عند وصوله للحرم والقدس ، فاختصر الشاعر ماسبق بما
لحق فحينما أقول ( وصلت إلى الإسكندرية بالقطار ) فهذا يعني أنني
ذهبت لمحطة القطار واشتريت تذاكر ووقفت على الرصيف منتظرا
القطار وجلست في الكرسي المخصص ونظرت من النوافذ ومرَّ
القطار على محطات عديدة لم أذكرها ؛ لأن الهدف أن أبلغ المتلقي
عن مكاني وطريقة وصولي ، وما سكتُّ عنه مفهوم للمتلقي ،
فاحترمت فكر المتلقي بالإيجاز ، فالإيجاز يعني أنك تقدر من تحدثه .
وبعيدا عن رقة الإيجاز وروعة المجاز فالشاعر حدد لنا الاتجاه الذي
سوف يسير فيه بيسر وعمق ، فمهد الدرب لتغوص معه في فضاء
النص المكتنز بالدلالات المعنوية والجسدية ، والجسد هنا ذو دلالة
فكرية أكثر منها دلالة بدنية ، فالذين يظنون أن الجسد محل
الخطيئة يتناسون أنه محل الروح الطاهرة ، والذين يرون الجسد
موطن الرذيلة لايدركون أنه عنوان الطاعة ، والذين يرون الأنوثة
في طرق العهر لا يحتوي معجمهم الشعري على كلمة الشرف .
وهذا ما دفعني لاختيار النص المعلم للشاعر الرائد / محمد ناجي
*******
وكَمْ شاعِرٍ قالَ كَيْتِ وكَيْتِ
وبِاسمِكِ يَصدَحُ في كلِّ بيتِ
ويُضْنَىٰ بِشَوْقٍ إليكِ وهَجْرٍ
وأنتِ كَحُورِ السماءِ احتَجَبْتِ
تَمُرِّينَ بالقلبِ مَرَّ الحَمامِ
بِسِلْمٍ حبيبٍ ورِفْقٍ وصَمْتِ
فأنتِ اختِصارُ القَوافي فتَقْفو
جَمالَكِ سيِّدتي إذ بَلَجْتِ
وأنتِ ابتِساماتُ طفلٍ غَريرٍ
متىٰ أُمُّهُ آنَسَتْهُ بِصَوْتِ
وأنتِ حدائقُ مِن ياسَمينٍ
يُصاحِبُكِ الطِّيبُ أيَّانَ كُنْتِ
وأنتِ كبَهجةِ عامٍ جديدٍ
نُغاثُ بهِ بعدَ بؤسٍ وسَحتِ
دَعِيني أَضُمِّكِ ثامِنَ أُعجوبةٍ (م)
حِينَ فينا بِغَيْبٍ نَزَلْتِ
دَعِيني أَضُمِّكِ فصلًا جديدًا
بديلَ الربيعِ إذا ما ضَحِكْتِ
دَعِيني أُوَشْوِشْ خيالَكِ حُبَّاً
لِكَيْما يُؤَجَّلَ مِيقاتُ مَوْتي
حُروفُكِ الاثنا عَشَرْ في يَدي سا (م)
عَتي حيثُ أسعَىٰ وأَضْبِطُ وَقتي
وكَمْ عَربَدَ القلبُ خَلْفَ جُنونٍ
ولكنْ تَنَسَّكَ حِينَ امتَلَكْتِ
وأَوْغَرتِ صدرَ الحَقودِ بِصَمْتِ
وعنهُمْ –كَشَأنِكِ فيهمْ– سَمَوْتِ
دَعِيهِمْ يقولونَ يا لَيْلُ أنتِ
أَجَلُّ وأَنْبَلُ مِن كلِّ نَعتِ
قدِ اتَّهَمَ الناسُ قَبْلُ البَتُولَ
وقد كانَ ذَنْبًا وأكبَرَ مَقْتِ
فإفْكُهُمُ كان بَيْنا قديمًا
فلَوْ سَلِمَتْ كُنْتِ منهمْ سَلِمْتِ
لِعَيْنَيْكِ يا لَيْلُ كلُّ افتراءٍ
دَعِيهِمْ دَعِيهِمْ لِعَجْنٍ ولَتِّ
ولا تأبَهي بادِّعاءٍ وزَيْفٍ
حُمَاداهُمُ مِن أحاديثِ أَمْتِ
فما زادَكِ الإفْكُ إلا سناءً
أرادوا انتقاصَكِ لمَّا اكتَمَلْتِ
فَلَوْ كانَ للحُسنِ فينا إلهٌ
لكُنْتِ مِنَ الحُسنِ بَيْنا عُبِدتِ
شاعر يستطرد استطراداته المتنوعة ، فيطول منه النص ، فتراه
شاعرا يمزج بين الشعر والقص ، ويموّج فكرته ارتفاعا وانخفاضا
فيزأر الجمال من صوره وتركيباته المبتكرة ، فيرى محبوبته تمر
على قلبه مثل حمامة ، ويرى بسمتها فصلا زمنيا أجمل من فصل
الربيع ، ويمزج بين تربة البشر ، وصوفية العشق في نصه ، فيغيب في
حدائق حسن محبوبته ، ويتخذها محراب عشقه الأثير .
ويأتي نص ( مصارع العشاق )لشاعر الجزيرة العربية / أحمد
آل مجثل الغامدي حيث يقول : _
طربَ الفؤادُ
بلهفة المشتاق
وتذكّرت بَعضُ الحروف رفاقي
وتسارعت
نحو القَريض أناملي
كي تكتسي أبياتهــا أوراقـي
وتجمّلت ورداً
وبعضُ جِنانها
ظمأى تبيتُ فهاكــمُ أحداقي
يا حضرةَ الأحباب
إني عاشقٌ
مثل السنابل نبضها أشواقي
يا أعذب النّغمات
في قاموسها
ردّوا إليّ مصـارع العُشــاق
ردّوا إلى
قلب المُتيّم روحه
وتأملوا عند البُعــاد فـراقي
ما كنت أحسب
أنّ مَن أحببتهم
يوماً تضيق بحالهم آفـاقي
فلطالما أسرجت
ليل همومهم
ورتَقتُ من بعد الوصال فتاقي
ولطالما أبكَت
حُروفُ قصائدي
بَعضَ العيون فزادها إشفاقي
لو كان قلبي
جُنّةً لوهبتُها
دمعي وإن ضنّوا عليّ رفاقي
ويبدو الطبع جليا في هذا النص ، حتى لتظن أن أحمد آل مجثل
كان شاعرا من يوم مولده ، فهو يكتب نصاً شديدة الجدة شديد
الأصالة ، لو قرأته للعربي قبل الإسلام لاستحسنه ، ولو قرأته
للعربي الآن لاستحسنه ، فالنص يمد يده بالحب لجميع الأحباب
رجالا وإناثا ، ويجمع المتناقضات في مودة عجيبة يشعرك
بالألفة والغربة وبالفراق واللقاء وبالثبات والوسوسة والطمأنينة
والخوف ، حتى ظننت أنه قد جمع كل النصوص السابقة له على
البسيط إيقاعا ، والقاف المكسورة رويا من أول قصيدة جاء بها
الشاعر الجاهلي الممزق العبدي والتي يقول في مطلعها :_
هَل لِلفَتى مِن بَناتِ الدَّهرِ مِن واقِ
أَم هَل لَهُ مِن حِمَامِ المَوتِ مِن رَاقِ
وحتى قصيدة رب السيف والقلم / محمود سامي البارودي
حين قال : _
هَلْ مِنْ طَبِيبٍ لِدَاءِ الْحُبِّ أَوْ رَاقِي
يَشْفِي عَلِيلاً أَخَا حُزْنٍ وَإِيرَاقِ
قَدْ كَانَ أَبْقَى الْهَوَى مِنْ مُهْجَتِي رَمَقاً
حَتَّى جَرَى الْبَيْنُ فَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَاقِي
حُزْنٌ بَرَانِي وَأَشْوَاقٌ رَعَتْ كَبِدِي
يَا وَيْحَ نَفْسِيَ مِنْ حُزْنٍ وَأَشْوَاقِ
وحتى قصيدة شاعر النيل العظيم /حافظ إبراهيم التي يقول فيها :
إنـي لـتطربني الخلال كريمة
طـرب الـغريب بـأوبة وتـلاقي
وتهزني ذكرى المروءة والندى
بـيـن الـشـمائل هــزة الـمشتاق
وإذا كان البارودي قد أخذ صوراً بعينها من قصيدة الممزق
العبدي لدرجة أن بعضهم اتهمه بسرقة الصور ، وأن حافظ
إبراهيم تأثر بنص محمود سامي البارودي موسيقيا ودلالياً
نجد أن شاعر الجزيرة أخرج صوره من جيب فكره الخاص ،
وقدَّم نصه في موضوع يختلف عن موضوعاتهم المتشابهة
والمتماسة عند الشعراء الثلاثة ، وحتى الموسيقا الداخلية
في النص يصرُّ على أن يجعلها موسيقا خاصة بالمتواليات
لا بالعروض والأوزان ، فالشاعر يقدم صورا غير مسبوقة
في شعرنا العربي ( تذكرت بعض الحروف رفاقي ) ليس الأمر
كما يقولون استعارة مكنية وتشخيصا وتقريب الصورة وتوضيح
المعنى ، إنما الأمر أن الشاعر أحدث ارتباطا بين الحروف
والرفاق ، فالحروف لاتغفل إن غفل الشاعر ، والحروف لاتنكر
ولو أنكر قائلها ، ذانكم الطبع والتقنية .
لاشك أن النصوص التي اخترتها للشعراء ( آل مجثل وعمران
وناجي ) لم تكن على سبيل الاصطفاء بقدر ماكنت على سبيل
التمثيل لكل شاعر منهم ، وكان الاختيار على سبيل الشعرية
في مرحلة زمنية واحدة ولأعمار مختلفة ومناطق متباعدة ،
فشاعر الجزيرة من المملكة الحبيبة زادها الله تشريفا وتعظيما
وعلي عمران ابن محافظة الدقهلية من دلتا مصر ، ومحمد ناجي
ابن المنيا من صعيد مصر ، فجمعتهم اللغة ولم يجمعهم موضوع
موحد ولا صور متشابهة ولا تراكيب أسلوبية متماسة ، وهذا
تنويه مهم لأسراب من مدعي الشعر وهم يتشابهون كالطير في
السرب ، فتجد صورة ( س ) في قصيدته عند ( ص ) و ( ع )
، وهذا يعني أن صاحب الطبع الجميل قد أفسد ما وهبه الله له
تماما كصاحب الذكاء الذي لايستخدم ذكاءه إلا في الإضرار
بالناس .