إيران العدو الأخطر بقلم : عبدالرحيم حشمت عسيري . المحامي

السياسة بشكل عام كما هو معروف لا تقاس إلا بمسطرة المنافع ، واللغة الوحيدة السائدة فيها هي لغة المصالح حيث لا عداوات دائمة ، ولا صداقات دائمة ، وإنما مصالح مستمرة .. فرب عدو الأمس يصبح صديق اليوم ، ورب صديق اليوم يصبح عدو الغد تبعا لتغير الظروف وتبدل المواقف .. أما العادات ، والتقاليد ، والأعراف ، والمبادئ ، والأصول ، والأخلاقيات ، والحقوق ، والواجبات وغيرها من المصطلحات والمفردات المثالية العديدة .. فلا محل لها من الإعراب في عالم السياسة أما ترديدها من آن لآخر بمناسبة وبلا مناسبة على ألسنة كبار المسئولين على مستوى العالم كله فهو من باب الاستهلاك المحلي كسياسة مسموح بها من أجل امتصاص غضب الشعوب .
وبالرغم من ذلك يحرص كبار الزعماء السياسيين والقادة العسكريين في جميع دول العالم على اختيار العبارات ، وانتقاء الكلمات ، وربما الحروف بدقة شديدة وعناية كبيرة قبل إلقاء الخطابات أو الإدلاء بأية تصريحات وإن كان ولابد من توجيه بعض الرسائل ، أو عرض بعض التقديرات ، أو ذكر بعض الحقائق وجب حينئذ على المسئول أن يكون دقيقا ، وأمينا ، ومتوازنا .. وإلا خرج عن قواعد الدبلوماسية ، وفقد الكثير من المصداقية .. ذلك لأن الكلمة الواحدة قد تحدث أزمة سياسية ، وقد تؤدي إلى قطع علاقة دبلوماسية .
لكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما بتصريحاته الفجة الأخيرة التي أدلى بها لصحيفة نيويورك تايمز خرج عن المألوف ، وبدل الحقائق ، وقلب الموازين ، وشوه الوقائع .. فأثار سخط وشكوك العرب حكاما وشعوبا ونخب وصدم مشاعرهم ، وخيب آمالهم .. بقوله ” إن أكبر خطر يهدد الدول العربية ليس التعرض لهجوم إيراني محتمل وإنما الخطر الأكبر يكمن في الغضب الداخلي لاسيما من قبل الشباب الغاضب العاطل عن العمل المحروم من أية فرصة حقيقية للمشاركة في العملية السياسية .. وأردف أوباما قائلا إن الدعم الأمريكي للدول العربية ضد أي عدوان خارجي مرهون بمعالجة التحديات السياسية والمشاكل الداخلية وخاصة الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان ” .. جاءت هذه التصريحات متزامنة مع المباحثات التي كانت دائرة بين إيران والدول الستة الكبرى بخصوص برنامجها النووي من أجل التوصل إلى اتفاق إطاري تمهيدا لعقد الاتفاق النهائي في يونيو القادم .
ألا تعد هذه التصريحات تهديدا مبطنا للقادة العرب الذين تحالفوا للمرة الأولى منذ عقود في مواجهة المخططات والتحديات والمخاطر التي تهدد أنظمتهم ، وسلامة شعوبهم ، ووجود بلادهم ، وحدودها الجغرافية ، وهويتها العربية ؟ .. وهذا التساؤل يجرنا إلى عدة تساؤلات هامة أخرى ألا وهي : هل أمريكا على استعداد للتضحية بمصالحها الإستراتيجية مع الدول العربية مقابل التوصل إلى اتفاق نهائي مع الدولة الفارسية ؟ ولما لا ألم تكن أمريكا من أوائل الدول التي قدمت الخبرات والمساعدات للدولة الفارسية منذ انطلاق برنامجها النووي في خمسينات القرن الماضي ؟ .. أليست أمريكا هي التي صنعت تنظيم القاعدة وغررت بالشباب المسلم ومولته ودفعته دفعا للجهاد في أفغانستان ضد الغزو السوفيتي ؟ .. ثم أليست أمريكا هي التي أعطت الضوء الأخضر للعراق ليغزو الكويت ومن ثم جاءت بقواعدها فحررت الكويت .. وبزعم أنه يمتلك أسلحة دمار شامل احتلت العراق ، ودنست أرضه ، وحلت جيشه ، ودمرت تراثه ، وسرقت بتروله ، وصادرت إرادة شعبه ، وزرعت فيه فتنة طائفية ، وأشعلت بين أبنائه حربا أهلية ربما تظل مشتعلة لعقود طويلة قادمة ؟ .. ثم ألم تصنع أمريكا تنظيم داعش لإشعال المنطقة المشتعلة أصلا لتصبح إحدى أوراقها لإرهاب الأنظمة العربية من أجل إطالة أمد بقاء قواعدها ، ولضمان استمرار تدفق البترول إليها ، وبيع المزيد من صفقات السلاح ؟ .
ثم لماذا يغضب القادة العرب من التوافق السياسي القائم بين أمريكا وإيران رغم أن الأخيرة لم تقل لسابقتها ( نعم ) أبدا منذ عدة عقود .. بينما إذا طلبت أمريكا من العرب خمسة مطالب أخذت المطلب السادس وربما العاشر مجانا ؟ !! .. وكيف ينسى زعماؤنا حقد إيران التاريخي على العرب الذين يحلو لها أن تسميهم ( عربة ) من قبيل الاحتقار ذلك لأنهم هدموا حضارتها ، وحطموا كبرياءها ، وقضوا على أمجادها ، وحولوها من دولة عظمي شديدة البأس ، مرهوبة الجانب ، صاحبة حضارة عريقة إلى مجرد ولاية صغيرة ضمن ولايات عديدة تابعة للدولة الإسلامية الوليدة ؟ .. ثم ألم يخطف الفرس المذهب الشيعي – الذي يجوز التعبد به كما جاء في الفتوى الشهيرة لشيخ الأزهر الشريف الأسبق الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت – وحولوه من اختلاف فقهي إلى تناحر مذهبي وصراع ديني مسلح ؟ .
ثم كيف ننسى تاريخ إيران البغيض البعيد والقريب الذي لم تترك على امتداده أي قطر عربي إلا وتدخلت في شأن من شئونه الداخلية بدأ من الغزو الفكري وصولا إلى التبشير المذهبي وما بينهما من تجنيد ، وتمويل ، وإرهاب ، وتخريب ، وتدمير ؟ .. وكيف ننسي أطماعها التوسعية في الأراضي العربية بدأ من ضمها لإمارة الأحواز في غفلة من الزمن منذ ما يقرب من مائة عام ، وصولا إلى احتلالها للجزر الإماراتية الثلاثة أبو موسي وطنب الكبرى وطنب الصغرى بغطرسة ، وبجاحة ، ووقاحة أمام عجز عربي مهين ، وصمت دولي مريب ؟ .. ثم لماذا نتوقع خيرا من هذا الكيان الفارسي الذي لم يطلق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل منذ قيامها حتى الآن بالرغم من التهديدات المستمرة بمحوها من الوجود التي صدعنا بها القادة الإيرانيون ؟ .. وأخيرا ألم يفصح النظام الإيراني عن مخططاته الإجرامية ، ويعبر عن أحلامه التوسعية ، ويعلن أهدافه القومية حينما صرح أحد كبار مسئوليه منذ أيام بكل غرور وصلف ، وبلا أدني حياء أو خجل بأن بغداد هي عاصمة الإمبراطورية الفارسية ؟ .
وختاما إذا كانت إسرائيل هي عدو العرب الأول فأتصور أن ما تقدم ذكره يؤكد على أن إيران هي العدو الأخطر .. وإذا كانت هذه هي الحقيقة فلماذا لا يعلن القادة العرب صراحة بأن الصراع المسلح في المنطقة العربية ابتداء من العراق ، مرورا بسوريا ، وصولا إلى اليمن ليس حربا أهلية ، أو فتنة طائفية ، أو صراعا مذهبيا بل هو صراع عربي فارسي صريح .. صراع على الهيمنة ، والسيطرة ، والهوية ، والمكانة ، والتاريخ ، والمستقبل ؟ .

Related posts