الحبّ في زمن الكورونا

الجزء 5: (1)

(التّناصّ الواقعيّ مع رواية ماركيز)

بقلم : الناقد البشير الجلجلي(2) (تونس)

تحدّثنا في القسم الأوّل من مقالنا( زمن الكورونا) عن فيروس ( كوفيد- 19) وجدل الهُوّيات الجديدة: هل هي حرب جرثومية أم هي لحظة تغيّر لخريطة العالم؟ مسلّطين الضوء على تاريخ الفيروسات والوجه الحقيقي لها والمتسبّب الرّئيس فيها والزمن الذي يلي الكورونا تاريخا وشعوبا وهُويّات، كما أشرنا إلى “مزايا” الكورونا على الإنسانية محيطا نظيفا وعائلة مترابطة ونظافة تقرب الوُسواس ليتساوى أمامها الرئيس والمرؤوس. ثم أشرنا في الجزء الثاني “الكورونا لحظة كشف للذّات الإنسانيّة (زيف الإنسان أو موت الإنسان المعاصر)” إلى الحرب التي أعلنتها الكورونا على الإنسان …تراه ولا يراها في حرب غير متكافئة. وهو ما يتوافق مع ما أعلنه “ميشال فوكو” في كتابه “الكلمات والأشياء” عن موت الإنسان المعاصر…وهي إشارة كذلك إلى الأفق المسدود الذي وصلت إليه الأنساق العقليّة الغربيّة الرأسماليّة. وبيّنا في الجزء الثالث ( زمن الكورونا و انقلاب معادلات العمل والحريّة والدّين) كيف حرّرت السيدة “ك” السّجناء وأعلت قيمة العمل عنهم بمساعدة سجناء البيوتات و كيف أَسرت الأحرار بفقدان لأعمالهم وتعويلهم على الجانب الميتافيزيقي، محاولة منهم للخلاص…متسائلين عن الأسباب العميقة لِلُجوء الإنسان إلى هذه التفاسير بحثا عن اليقين، وكيف يخلق الخيال الاجتماعي بعدا تحرّريا من خلال العمل من ناحيّة والمقدّس من ناحيّة أخرى؟ لذلك يلجأ المرء إلى المقدّس لإنقاذه وهو الذي أمعن في كل الرّذائل قتلا وتشويها لسحر الوجود. هل لكون المقدّس يجيب على سؤال: ما الهدف من الحياة؟ أم لأنّه” مزيج من الرّعب والثّقة”. وخصصنا المقال الرابع لحرب الإشاعات التي نقلت الكورونا من الميدان والشوارع والمخابر والمستشفيات إلى ساحات الهواتف الجوّالة ووسائل الإعلام داخل العائلة والقطر الواحد الذي أضحى سجنا وحتى بين الدّول…في سباق محموم لفهم طبيعة السيدة “ك” وهي تتسرّب كالنّار في الهشيم وتدخل باطن الإنسان بلا استئذان… فعاش العالم على وقع التوجّس من الملامسة واللّمس والحجر. والخوف منه كان من نصيب السّامري حيث يخبرنا القرآن بقصّته في ما ورد من الآيات في سورة طه “قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِی الحَيَاة ِأَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدࣰا لَّن تُخۡلَفَهُ وَٱنظُرۡ إِلَىٰۤ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِی ظَلۡتَ عَلَیۡهِ عَاكِفࣰا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِی ٱلۡیَمِّ نَسۡفًا” (3). لنختتم هذه السلسلة من المقالات الفكريّة في قسمها الأول(5 مقالات) بالنّظر في “تاريخ الأوبئة” وكيف أثّرت في المحبّين وعلاقاتهم والعشّاق وحبيباتهم والقلب وآلامه والعقل وانشغالاته. ذلك أنّ التاّريخ قد يتحدّث عنه المختصّون يوما ما ولكن الذي خلّدته الأعمال الأدبيّة يبقى شاهدا على التّاريخ لأنّه لا ينقل الوقائع بقدر ما يرسم المشاعر بدمها ولحمها…في أعمال خالدة ونصوص لا تمّحي… لا يمكن أن نتحدّث عن الحبّ دون أن نشير إلى الشيخ” ابن حزم الأندلسي” في كتابه “طوق الحمامة ” بقوله” الحبّ- أعزّك اللّه- أوّله هزلٌ وآخره جدٌّ ،(…) وليس بمنكر في الدّيانة ولا بمحظور في الشّريعة” (4)… ولا يمكن المرور عبر زمن الأوبئة دون أن نجد بين الرّفوف رواية “غابرييل غارسيا ماركيز ” ( 1927-2014)”الحبّ في زمن الكوليرا”(5) التي صدرت سنة 1985 في طبعتها بالإسبانية (Gabriel Garcia Marquez, El Amor En Los Tiempos Del Colera) وهي رواية دالّة في زماننا هذا…تنضاف إليها رواية “مائة عام من العزلة” (6) التي تتساوق مع الحجر الصّحي في العالم…وسكّان الكون منذ 100 يوم في العزلة …فكان ماركيز على حق ّعندما حلّل الخيال وتوارده بين البشر …وهوما أكّدته لنا أستاذة في الفلسفة البارحة عندما نشرت مقالي الرابع زمن الكورونا وحرب الإشاعات…وتوارده مع ما تكتب…والخوف كل الخوف حسب رأيي أن تكون الكورونا إشاعة علاجها بسيط أو هي “كذبة أفريل” يتداولها الأطفال والعشاق كما سمعت عاشقة تطلب من عشيقها أن يعدها بالوفاء قبل رحيلها بمرض الكورونا…ثم تتضاحك وتعلن أنّ الحيلة انطلت عليه ، ربّما تكون الكورونا حيلة انطلت على العالم، فلا يتطلّب التخلّص من السيدة “ك” وقوف العالم ضدّ الطبيعة الإنسانيّة، فمنذ وُجد الإنسان وُجد ليسعى ويكدّ ويعمل وأهل السياسة والدّين والمجتمع يحثّونه على العمل …ليتواقفوا اليوم على سجنه في بيته…فالإنسان منذ وُجد يضرب أكباد الإبل سعيا في الأرض على قول نافع بن الأزرق لعبد الله بن عبّاس…واليوم يُضرب بالعطالة غير المحددة زمنيا في انتظار أن ـترضى السيدة الحديدية الزئبقية ، السيّدة “ك” حاكمة الكون الجديد وراء السّتار…والعالم ينتظرها للخروج من خدرها…أو النزول من عرشها ليتفاهم معها ويعقد الصفقة ولو كانت خاسرة…أو ربّما تكون السيدة “ك”مسكينة مظلومة، يُتحكّم فيها عن بعد ويضرب عنقها متى شاء سيدها “الفوهرر” أي القائد بالعبارة الألمانيّة…الذي يدين لـ”روح الرأسماليّة” على عبارة “ماكس فيبر”(1818-1883) في كتابه” الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية”… يقف هذا العالم مشدوها أو يتظاهر بذلك أمام الحاكمة الجديدة، السيّدة “ك”. وهو ما دعانا للتساؤل عن المخابر الجرثومية التي غيّرت الأراضي في العالم وخلقت الدّاء وصنعت الدّواء…في رحلة المردودية المحمومة ؟ما مصيرها اليوم وحاكمة العالم الجديدة تصل الرؤساء والملوك فتُرعب المحرّك الأوّل وتقلب السّحر على السّاحر…ألَمْ يُعلي” فيبر” من الرأسمالية الغربية إلى مرتبة الرّبّ في البحث والتقدّم دون الشّعوب الأخرى يقول” كما يوجد في الصّين وفي الإسلام كلّ أنواع مؤسسات التعليم العالي التي لا مثيل لها شكليا في جامعاتنا، على الأقلّ في مدارسنا الكبرى، غير أنّ بحثا علميّا عقلانيّا منهجيّا ومتخصّصا، وهيئة من المختصّين المجرّبين ، لا وٌجود لهما في أيّ مكان غير أوروبا، على نحو بلغ مكانة بارزة في ثقافتنا اليوم”(7)…وهو صلف أثبت هشاشته في حرب كورونا والحلول جات من دول جنوب شرق آسيا والصين وعجزت القارة العجوز عن ذلك بمخابرها وعلمائها واتّحادها الواهم ومالها الفاسد و عنجهيتها بعنصرها الآري وعولمتها المضادّة… والسّؤال لِمَ لَمْ تحسب هذه الأنظمة حقّ الإنسان في التّواصل وهي أولى خصائصه والتّعارف وهي ثاني إنسانيته والعيش الكريم وهي ثالث ميزاته والحبّ وهو جامع حياته ؟…فعاش العشاق اليوم في غربة لم يعشها عشّاق الأرض زمن الحروب وزمن “الحجر الأخلاقي “…فقد حدثني بعضهم أنّ أقصى أمانيه أن يموت بجانب حبيبته مردّدا قول “جميل بن معمر” في سرّه وحافظ أسراره ، هاتفه الجواّل، الذي لم يعد هو الآخر جوّالا ، فأخذ تسميّة جديدة، “الهاتف القارّ” عودا إلى جدّه الهاتف الأول …يقول(من الطويل):(وجاورْ إذَا ما متُّ بيني وبينها***فيا حبّذا موتي إذَا جاورتْ قبري ) ،بعدما فرّقت بينها السّبلُ وأنهت مواعيدهم المقدّسة، فتحسرا على آخر لقاء وظلّ العشّاق يلكون الذّكريات …قائلين قول جميل بثينة ( من الطويل): (وآخرُ عهْدٍ لي بها يوم ودّعت***ولاح لها خدٌّ مليح ومحجرُ) متحسرين على خلوات ومشاريع زواج …في عيون “عمر بن أبي ربيعة”( من الرّمل): بتغيير السيدة “هند” بالسيدة” ك”:(كلّما قلت : متَى مِيعادنا؟***ضحكت “كافٌ” وَقالتْ بعدَ غَدْ).

والرأي ُعندنا أنّ زعماء العالم اليوم يتحدّثون عن الاقتصاد وخسائره و البلدان وضحاياها و التّغيّر السّريع للخريطة الجيوسياسيّة والاقتصادية في العالم وآثارها مستقبلا بعد كورونا…فوفّروا بعض الدول الطعام والأدويّة وجهّزوا المستشفيات لأشهر …ولم يخطر ببالهم أن يوفروا سُبل الوِصال بين الأمّ و ابنها والبحار تفصلهما والأب وابنه والمدن تفرّقهما و الزوج وزوجته والحجر يمنعهما والحبيب وحبيبته و السيدة “ك” تقف حائلا بينهما…أين نصيب العاطفة في مشاريعكم…؟ فكرتم في كل شيء ولم تفكّروا في الإنسان…كعائلة طه حسين التي جلبت لعلاج أخته العرافين والمشعوذين ولم يفكّر أحد في جلب الطبيب حتى نفقت…هكذا أقف متعجّبا لـ”روح الرأسمالية” التي غدت بلا روح أوهي لم تملكها قطّ…يا سيّد ماكس فيبر…قفْ اليوم عاجزا أمام زيف أنظمتكم وعولمتكم والسّيدة “ك” ترميكم في اليمّ قصدا لا اضطرارا…ليبقى الإنسان لعبة بين أيدي أنظمة صنعت ضدّه السّلاح والقنابل وزرعت الفتن و الدواعش ورمته إلى المجهول ولكنّه زاد حبّا لوطنه كما أمير الشعراء “أحمد شوقي”(1868-1932) لمصرَ وهي التي ألقت به إلى اسبانيا وابنه حسين في النفي بأيادي المستعمر الأنقليزي، فزاد حبّا لدولة المعزّ لدين الله الفاطمي يقول:( البسيط):((كأُمِّ مُوسَى ، على اسمِ اللّهِ تكْفُلُناَ***وباسمِهِ ذهبتْ في اليَمِّ تُلْقينَا /وَمِصرُ كالكَرْمِ ذِي الإِحسانِ : فاَكهةٌ***لِحاضرِينَ وَأكوابٌ لبَادِينَا)). والرّواية الماركيزية -كما أشرنا آنفا –تحفر هي الأخرى في تاريخ الأوبئة فنجد ماركيز يرسم بروح الفنّان الساحر حياة جديدة توحي أنّ الخيال خلاّق لعوالم الواقعيّة السّحريّة ، ففي أواخر القرن التّاسع عشر في إحدى المدن السّاحليّة بمنطقة الكارييبي ، تعرّف شاب يُدعى “فلورينتينو أريثا” إلى فتاة في مقتبل العمر وهي “فيرمينا داثا”…رآها للمرّة الأولى وهي تريد إيصال برقيّة….ليتواصل الحب مدة نصف قرن ، قبل اللّقاء من جديد ولكن زمن الكوليرا…تبدأ الرّواية بوصف يتوافق مع ما نعيشه اليوم “وجد الجثّة مغطّاة بشرشف فوف فوق السرير الضيّق ، حيث كان ينام عادة”(8)… وهي بداية وصلت حلم فيرمينا الواقعي الذي أعادها نصف قرن إلى حبيبها الأوّل “ونامت طويلا (…)، منتحبة في الحلم ، وفيما هي تنام منتحبة كانت تفكّر بفلورينتينو أريثا أكثر من تفكيرها بزوجها الميّت”(9)..فعادت بالزمن وعادت نفسها في تداخل بين الحلم والواقع…. وجاءت الكوليرا وغيّرت نواميس المدينة وغيّرت مسارات القلب وتاريخه وعاد الشاب العشرينيّ بعد نصف قرن وهو يقول قول “أحمد عاكف” ” لشدّ ما تَحمّل هذا القلب من أَلَمٍ ، ولشدّ ما تجرّع من خيبة ! ” (10)….ـ فـأعلن أنّه “منذ أُذيع بلاغ الكوليرا، بدأ حصن الحاميّة بإطلاق قذيفة مدفع كلّ ربع ساعة في اللّيل والنّهار، إيمانا بالخرافة الحضاريّة القائلة أنّ البارود يطهّر الجوّ”(11). وهو سارٍ إلى حدّ الآن …فقد اعتمد الكثير مع جائحة ” كورونا ” الشعوذة والتعاويذ …والبعض الآخر روّج فكرة أنّ الله غاضب فابتلانا وثالث بيّن جازما أنّ تناول الثوم هو العلاج الكفيل لطردها…والناس بين هذا وذاك في رعب وخوف أصاب الأنفس والنفسيات لينتهوا إلى أنّ العلاج هو الوِقاية بالحجر الصّحي بعدما عجزت كل الحكومات على تطمين شعوبها بإيجاد العلاج المناسب…تناصّا مع الحجر في ” الحب في زمن الكوليرا” يقول السّارد بعد اختراع رحلة السّفينة “وقد رآه أحدهم وهو يرتعش من الحمّى وأنذر القبطان بذلك، فغادر هذه الحفلة مع طبيب السّفينة خشية أنْ تكون إصابة الكوليرا، وبعثه الطّبيب احتياطا إلى قمرة الحجر الصحّي بعد إعطائه جرعة لا بأس بها من البرومور”(12) . فمن إنسان واحد حُجز في قمرة احتياطا في رواية “ماركيز” إلى 8 ملايين أو يزيد محجوزين خوفا من السيّدة “ك”، نفهم خطورة الأمر…فقد خافها الجميع…فاشجع الشجعان وأشهر النّاس تسلّلوا إلى منازلهم وهي تجري خلفهم…والظن ّ كل الظنّ أن يركب العالم السّفن ويسافر إلى المجهول كسفر العشيقين “فلورينتينو أريثا” و”فيرمينا داثا” تجنّبا لخطر الكوليرا والحقّ أنّ الرحلة ذهابا وإيابا هي رحلة حبّ لا تنهي…يقول السّارد”نظر القبطان إلى فيرمينا داثا تظنّ ورأى في رموشها البريق الأوّل لصقيع ، ثم نظر إلى فلورينتينو أريثا، بتماسكه الذي لا يُقهر (…) سأل :”وإلى أيّ مدى بأنّنا نستطيع الاستمرار في هذا الذّهاب والإيّاب الملعون”(…) فقال:” مدى الحياة”(13)..فانتصر الحبّ على الآفات وخاصة آفة الزّمن. والتّاريخ التّونسي والعربي يشي بأخبار الآفات التي مرّت ونقلها المؤرّخون والكتّاب، نذكر بعضها، ففي تاريخ جزيرة جربة التّونسيّة يذكر المبشّر إيفالد قصّة طريفة مفادها تعرّضه للعزل الصحّي لمّا عاد إليها سنة 1835 ذاكرا تعرّض بدويّ إلى الضّرب المبرّح بسبب عدم فهمه لعابرة الحجر الصحي باللغة الأجنبية واقترابه من المحجور عليهم … وقد قال بعد ما ضُرب ” يا للنّصارى، يا لهم من قوم حازمين … حتّى الموت يعرفون له حيلة ويقاومونه. ولكن لمَ لمْ يشرحوا لي هذه اللفظة البشعة من قبل.” (14) . ولعلّ هاجسيْ التوجّس والخوف من الاقتراب من الآخر أو مسّه يبرز في الأدب حديثا في روايتين متميّزتيْن فازتا في الدورة الأولى لجائزة توفيق بكّار للرواية 2018 وهما رواية “الأبيض والأسود”(15) للمغربي عبد “الباسط زخنيني” حيث تجمع الصدفة الأبطال في مكان مغلق مظلم ممّا يبعث في أنفسهم هاجس الخوف والحذر من الآخر وتوقّع الشرّ منه في كلّ لحظة .هذا ما جعل الرّواية عبر شخصياتها وأسلوبها وحبكتها تراجع بأشكال بديعة طبيعة العلاقات النفعيّة بين البشر كما تسهم الكورونا اليوم في خلق توجّه عام لمراجعة قيم الإنسان الجديد وربّما القيم الكونيّة التي يتشدّق بها الإنسان المعاصر في الأنظمة الرأسماليّة التي أبانت إفلاسها. وكذلك رواية “الجنون” للتونسي “منوبي زيّود” التي تقوم أحداثها على انتشار وباء “الجنون” وسريانه بالعدوى بين أهل الجزيرة الحالمة جربة التي تحدّث عنها “إيفالد” ممّا جعل الحياة فيها مستحيلة، كما اليوم ونحن نعيش مع السيّدة “ك” وهي واقفة شامخة أمام منازلنا ،وغيرهما في الأدب العربي والعالمي… إنّ اختيارنا لموضوع” الحبّ في زمن الكورونا “كان مقصودا علّنا نزرع وردة أمل في زمن عصيب على الإنسانية ،عن طريق انتصار الحب على أنظمة عالميّة تاجرت بالإنسان حتى وصلت به إلى المجهول والحبس الجماعي وهو مصير بدا من جنس التّمشّيات و”الأخلاق” الرأسماليّة التي أعلن عنها “ماكس فيبر” -كما أشرنا آنفا-بقوله ” غير أنّ الرّأسماليّة لم تشهد إلاّ في الغرب انتشارها الكبير وأنماطها واشكالها وميولها التي لم تبرز في أيّ مكان آخر”(16).ومن نتائجها الخراب الذي حوّط العالم بالصمت ، فعاش جنازة كبرى بخلوّ الأرض من سكّانها، حتى وصلت بهم اللاإنسانيّة إلى دعوة إيطاليا الطّاقم الطبيّ بعدم استقبال العجائز والشيوخ وأمريكا، بلاد حقوق الإنسان ومبادئ ويلسن، لا ترغب في مداواة الأطفال المتوحدّين …وربما في زمن قريب تُغلق المستشفيات …لاكتشافهم أن السيّدة “ك” لم تعد ترغب في مواصلة رحلتها الجهنّمية عبر فقد ملّت من المشي وحيدة على هذه الأرض. وهي التي كانت تتمتع برحلات العشاق في شوارع العالم والحبيب يقول لحبيبته: ” أعدّي لي الأرضَ كي أستريحَ…فإني أحبّك حتّى التّعب ْ…” (17) .لا تخفْ يا ابن حوريّة فالعالم وإن وجد نفسه في المجهول كما قلت لي ذات منّوبة ” الذّاهب إلى المجهول هو الذي يبقى”(18)، فإن الحبّ الذي غزا العالم بسبب الخوف من السيّدة “ك” والعلم الذي بدأ يستجيب لعقول الشعوب المستضعفة سيغيّران الخريطة الجيوسياسية ما بعد زمن كورونا…يقيني بعد رحلتي معكم في هذه المقالات المتتالية حفرا في تاريخ الفكر وفلسفة للواقع، أنّني اكتشفت الدّواء وسأخبركم به…هو دواء الحبّ والأمل والثّقة في النفس الذي به كتبتُ ومن أجلكم نشرتُ… تابعونا في موضوع آخر…دمتم في صحّة وعافيّة…. بقلم الناقد البشير الجلجلي ( تونس) [email protected] الإحالات 1-هذا الجزء الخامس والأخير في سلسلة المقالات الفكرية التي حبّرناها عن زمن الكورونا

2 – البشير الجلجلي : ناقد و أستاذ و باحث جامعي تونسي مختصّ في البحوث السّرديّة.

3 سورة طه الآية 97

4 – ابن حزم الأندلسيّ، طوق الحمامة في الألفة والألاّف، الدّار التّونسيّة للنشر، تونس، 1986، ص47.

5 -غابرييل غارسيا ماركيز، الحبّ في زمن الكوليرا ، ترجمة صالح علماني،دانيّة للطباعة والنّشر، دمشق –بيروت، 1991،ط.1

6- غابرييل غارسيا ماركيز، مائة عام من العزلة، ترجمة محمد الحاج خليل، المؤسسة العربية للدراسات والنّشر ،بيروت ،1993،ط.1

7 – ماكس فيبر، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة محمّد علي مقلّد ، مراجعة جورج أبي صالح، مركز الإنماء القومي ، بيروت ، 1990، ص 6.

8 – الحبّ في زمن الكوليرا، ص. 11.

9 – المرجع نفسه ، ص.54

10- نجيب محفوظ ، خان الخليلي ، دار مصر للطّباعة و مطبعة مكتبة مصر، د.ت، ص258.

11-الحبّ في زمن الكورونا، ص .105.

12 – المرجع نفسه ، ص.134

13 – المرجع نفسه ، صص.306-307

14 -رحلة المبشّر إيفالد من تونس إلى طرابلس 1835. ترجمة منير الفندري. منشورات بيت الحكمة. ط1 تونس 1991. ص 118

15 عبد الباسط زخنيني ،الأبيض والأسود ، مكتبة تونس وجمعية ألق الثّقافية، تونس، 2019، ط1

16 – ماكس فيبر ، مرجع مذكور، ص .8

17-محمود درويش ، حصار لمدائح البحر، دار العودة،بيروت،1993، ص .95،ط.5

18 -سألت ذات مرة الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن “معنى الشعر” وعلاقته بالمرجعي والمتخيل والمجهول فأجابني بقوله “الذاهب إلى المجهول هو الذي يبقى”، وذلك عند حضوره إلى كلية الآداب بمنوبة سنة 2000 ، ٱنظر مقال البشير الجلجلي بعنوان “الإنسان لا يولد مرة واحدة ولا يموت مرة واحدة”، مجلة الإتحاف التونسية، س 23، ع 183، مارس 2008، ص 15.

بقلم الناقد البشير الجلجلي ( تونس) [email protected]

Related posts